أقوال وحكم مأثورة كان يطعمني بها الأديب الجميل وأستاذي للغة العربية محمد خليفة التونسي نسبة الى”قرية تونس” في صعيد مصر، وأحد تلاميذ وأبرز مريدي الأديب الكبير عباس محمود العقاد الذي رثاه بقصيدة من أربعمائة وأربعين بيتاً ؛ وكتب له العقاد مقدمة كتابه المترجم للعربية لبروتوكولات حكماء صهيون. صدر ديوانه الأول ” العواصف ” وهو في العشرين من العمر ، و عمل في سلك التدريس بعد تخرجه كمدرس للغة العربية حتي عام 1972، سافر بعدها للكويت وعمل محرراً في مجلة العربي ورئيساً للقسم الادبي، وإحتضنته المجلة فاستمر بها حتي وفاته عن 73 عاماً ودفن بالكويت. وقد أعجب به الشيخ جابر العلي السالم الصباح فبسط عليه رعايته وأبداه إهتمامه وحاز جائزة عبد العزيز سعود البابطين.
علمني أستاذي وأطعمني طوال سنين الدراسة بأحلي الأقوال لأستاذه عباس محمود العقاد ومنها” ليس هناك كتاب أقرؤه ولا أستفيد منه شيئا جديداً، فحتي الكتاب التافه أستفيد من قراءته، فقد تعلمت شيئا جديداً هو ماهي التفاهة ؟ وكيف يكتب التافهون ؟ وفيم يفكرون ؟ ”
مقولة دفعتني أن أقرأ أي شئ يقع بين يدي حتي إذا لم أجد ما أحب قراءته، المهم أن أقرأ، فالقراءة وحدها هي التي تعطي الإنسان أكثر من حياة واحدة لأنها تزيد الحياة عمقًا.
كان للصحف والمجلات نصيب فى قراءتي، فمعظم ماكان يصدر من صحف ومجلات تصلنا كل صباح مع موزع جريدة الأهرام بحكم عمل والدي كمدير للإنتاج بإعلانات جريدة الأهرام ورئيسا لعمالقة في تاريخ صناعة الإعلان أمثال عبدالله عبد الباري و زكي هاشم. تابعت صحف الأهرام والأخبار ومجلات روزاليوسف والمصور والجيل الجديد والإثنين والدنيا، أما آخرساعة فلم اكن أتصفحها بانتظام لأن والدي كان يحجبها أحياناً أو يصادرها عندما تتضمن مواضيع أو صورا جريئة ، وبالطبع المنع يولد الرغبة والتشويق لإكتشاف الممنوع . و كان بائع الصحف هو مصدري لقراءة المرغوب في ” كشك” بمحطة مترو محكمة مصر الجديدة القريب من منزلنا.
أحببت الورق وعطر أحبار الطباعة ، وإنجذبت للمطبوعات فأصدرت أنا وزميلي بالمدرسة عبدالله بلال نشرة إخبارية أسميناها ” أخبار مصر الجديدة ” وكنا نمثل جهاز التحرير والإخراج والتوزيع وخلافه، حيث نقوم بطباعتها بتقنية بدائية تسمي” الطباعة بعجينة البالوظة ” في مطبعة ” ندا” بميدان الجامع لتتحول المادة المكتوبة والصور والرسوم الي 500 ملزمة في أقل من ساعة، وهي طريقة بدائية رخيصة كانت تستخدم في طباعة المنشورات للجماعات السياسية والنشرات الدورية مع مثيلاتها كطباعة ” الرينيو” و” الفوطة الصفراء” و” الحبر الزفر” و ” ورقة الإستنسل” و “الشيروجراف” وطرق الطباعة بالنشادر، وهي طرق وأساليب طباعة إبتدعها الثوار أيام ثورة 1919، حيث كانت هناك رقابة صارمة علي طباعة الكتب والنشرات، لكن المطابع الصغيرة إستمرت بها كوسيلة طباعة رخيصة. وإستمررنا في طباعة النشرة وتوزيعها علي بائعي الصحف في المربع من ميدان روكسي، ميدان الكورية ، ميدان سفير وميدان المحكمة ومابينهم.
كنت أقضي ساعة أو أكثر يوميا في منزل صديقي عبدالله بعد إنتهاء اليوم الدراسي للإعداد للنشرة في منزله “بعزبة المسلمين” التي تقع بالقرب من ميدان الجامع وشارع هارون الرشيد، وتعتبر من الأماكن التاريخية حيث يرجع تاريخها الي عهد محمد علي باشا، وكان مكانها أكبر إسطبل للخيول في مصر ثم تحول الي منطقة سكنية شعبية مع مرور الوقت، معظم سكانها مسيحيين وبينهم مسلمين يعيشون في ألفة ومودة وتجسيد للمجتمع المصري الأصيل الذي لايفرق بين الأديان أو العقائد .
في جيلنا لم نكن نهتم بمعرفة ديانات الآخرين أو الأصدقاء، فصديق العمر منذ الطفولة محمد سليمان لم أعلم بديانته إلا فى سن متأخرة عندما توفي والده فذهبنا لمسجد الخلفاء الراشدين للصلاة عليه. وقد يعتبر البعض قولي هذا جهلا أو سذاجة لكنها الحقيقة، فقد كان أهل مصر يعيشون في مجتمع واحد قائم علي الألفة والمحبة والإحترام المتبادل والتعايش الخلاق المشترك، الجميع يحمل في قلبه الإيمان برب واحد يعيشون جميعاً كأخوة ليعمروا المعمورة ، وينشروا فيها قيم الخير والحب والسلام.
عامين كان عمر ” نشرة مصر الجديدة ” التي توقفت عندما تخلفت في إمتحانات السنة الثانية من الدراسة الثانوية وإضطررت لإعادة السنة الدراسية، مما أغضب والدي بعد أن عرف أني كنت مشغولا عن الدراسة بإصدار مطبوعتي.
و تفرغت مرة أخري لقراءتي، ومن بين الصحف والمجلات عشقت مجلة روزاليوسف، أقرأ قصص الأديب إحسان عبد القدوس الجريئة ، وتبهرني رومانسية رسوم الفنان حسين بيكار في مجلة آخر ساعة. كانت أول معرفتي بفن الأستاذ بيكار عندما قرأت أول كتاب لي ” الأيام ” لعميد الأدب العربي طه حسين الذي كانت تزينه لوحات يميل أسلوبها الي التبسيط و تتميز بالتناغم والصفاء وقوة التعبير، والذي اختزل حياة طه حسين في خطوط وظلال لطفل كفيف لايري إلا الظلام الأسود فكانت رسومه بالأبيض والأسود تمثل طفولة طه حسين والمعاناة لفقده القدرة علي الإبصار في سن الثالثة. و “الأيام” هو أول كتاب رسمه بيكار الذي كان أول من رسم غلاف كتاب بعد أن كان يسيطر علي هذا المجال عمال الحفر بالمطابع. إعجابي بفنه وسيرته الذاتية والترابط العقلي والوجداني بيني وبين رسومه دعاني أن أبعث له برسالة إعجاب طالبا منه صورته الشخصية كما يفعل المعجبين بنجوم ‘ السيما ‘ ورغبتي في التتلمذ علي يديه، وفوجئت بالفنان الكبير ونجمي المفضل يجيب علي رسالتي ويرسل لي بصورته الفوتوغرافية مع كلمة رقيقة يدعوني فيها لزيارته بعد إنتهاء العام الدراسي. وعندما إنتهت الإمتحانات زرته لأول مرة في منزله بالزمالك حاملا رسوماتي وإصراري علي الإلتحاق بكلية الفنون الجميلة ونيتي بالإعتصام بمدخل الكلية والإضراب عن الطعام إذا لزم الأمر! ضحك الأستاذ وبابتسامة عذبة وبإحساس إنساني وبكل اللطف والمحبة بعث برسالة سلام الي نفسي.
ومع خلفية ماقرأت للكاتب الصحفي مصطفي أمين في زاويته ‘فكرة’ ومقولة جورج صاند ” إذا لم أجد طريقي في الأرض المعبدة، فسأقتحم القمم الصخرية الشاهقة ……..” التي إتخذتها شعاري في الحياة ، رسمت مستقبلي وبدأت في تحديد اتجاهاتي. إلتحقت بكلية الفنون الجميلة بعد إمتحان قدرات وإختبار شخصي مع لجنة يرأسها الفنان والأستاذ مفيد جيد رئيس قسم الزخرفة والديكور الذي أبدي رغبته في ضمي للقسم الذي يرأسه،
ولكن بالطبع إخترت قسم التصوير لأتتلمذ علي يد الفنان الكبير حسين بيكار الذي كان إلتصاقي به وإنتمائي له مثار إنتقاد وتعليقات بعض الأساتذة مثل الفنان عبد العزبز خالد درويش أستاذ التصوير الذي كان يعتبرني أنا ومن سبقني مثل يوسف فرنسيس و مصطفي حسين “بتوع جرايد” ، بقوله” خلي الصحافة تنفعكم”.
و ضمني الأستاذ بيكار لأسرة مجلة ‘ سندباد ‘ و هو الذي تربت أجيال علي إبداعات ريشته، فبقي خالداً في ذكريات أطفال الخمسينات والستينات كرائد مدرسة صحافة الطفل، وإنضم مصطفي حسين أثناء دراسته لدار الهلال ومجلة الإثنين وجريدة الإثنين و أخبار اليوم، و إنضم يوسف فرنسيس لروز اليوسف.
وقد كان.. فقد أصبحت بعد تخرجي ” بتاع جرايد ” وصدقت نبوءة أستاذي عبد العزيز خالد درويش، بعدما أصررت علي الإنضمام لأسرة روز اليوسف.
وهذه قصة أخري أحب أن أرويها.
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة