الرئيسية / صحافة ورأي / عمى الذاكرة” رواية ترثي صنعاء مدينة المآسي

عمى الذاكرة” رواية ترثي صنعاء مدينة المآسي

تبدو الرواية مثل رثاء أليم لمدينة صنعاء، كما لو أن الرقيمي يرثي بلداً أضحى مهملاً ومهمشاً في خراب بعيد من عدسات الميديا الانتقائية. كذلك يرثي اليمني الذي بات غريباً عن دياره في الشتات، وهو يلملم بيأس هويته وذكرياته المشتتة عن الوطن.

يحيل العنوان إذاً إلى ذاكرة عمياء طمستها الحرب، وإلى حال “تروما” مرضية تنسف ذاكرة كاملة لينسى المصاب على إثرها من يكون، اسمه وهويته ووالديه ومن أين أتى، فتكون في بعض الأحيان الطريقة الدفاعية الوحيدة للنجاة والسعي إلى الحياة في مكان ممكن.

حفيد خلق من رحم الحرب

 منذ الفصل الأول، يحلق بنا حميد الرقيمي إلى مدينة صنعاء، فيصف شوارعها الخالية بقوله “رأيت المدينة في موت مشابه، تقيم رفاتها على مأتم منسي”. ثم يضيف “منذ سبعة أعوام والموت معلق على نوافذ المدينة، صار من المخيف أن تفتح عينيك باحثاً عن طفلك المفقود”. ويعود ليحمّلك مسؤولية إنسانية كبيرة، بقراءة عمله “تذكّر أن من يكتب سيرته إنسان مثلك، حتى وإن كان للحرب رأي آخر”.

على هذا النحو، يشيد الكاتب عالمه الروائي منذ الجملة الأولى، وهو يوفر المناخ المتوتر المناسب للدخول فيه مباشرة، ليجد من يفتح هذه الرواية نفسه قد فتح باباً يطل على صنعاء، كما لو أنه يتلقى القذائف ويهرب من الرصاص تماماً مثل بطلها.

 تنطلق أحداث الرواية بمشهد توديع الراوي للمدينة التي يتأملها للمرة الأخيرة، قبل أن يتراجع بالزمن إلى ذكريات الطفولة، فيسرد حواراته مع جده الذي تأثر به وتعلم من خبرته كل شيء عن الحياة. يستعرض الطفل علاقته الحميمة به والمفارقة بين قربه الشديد من جده وانفصاله عن والده “سالم”، فنلحظ اعتزازه بالأول واحتقاره للثاني بسبب إهماله وابتعاده. ويقول “جدي من السماء وقع في منزلنا وكأنه تعويض سماوي عن حرمان مستبد وأبي هو الآخر جاء من زاوية قذرة لم تكن على صلة بالإنسانية”. ويستغرق الطفل في تساؤلاته معبراً عن غضبه وخيبته من الأب الغائب، مقابل تهرب الجد من الحديث وهو ينهيه “لا تسل يا ولدي عن أشياء لا قدرة لك على حملها واستيعابها”. ويحاول جده تأجيل الاعتراف قدر الإمكان كي يجنبه فاجعة الحقيقة، ويبعده من المواجهة الحاسمة مع فقدانه الذاكرة.

 لم يكُن من السهل على الجد الذي أنقذ الطفل من الأنقاض، أن يفتح جروحاً التأمت وشفيت، ولا أن يعيد له الوعي بالألم وصدمات الفقد. حتى كبر الطفل وجاء يوم لم يعُد يطيق فيه الصبر على ما يجهله، حينها اضطر الجد إلى البوح: “عليك أن تعرف أولاً بأنك ولد صالح من صلب أب صالح… عندما سقطت القذيفة أمامك لم تستوعب الأمر، لم تكُن على دراية بأن الحرب على الأبواب، كنت في طريقك إلى البيت تحمل على كتفك حقيبة حلمك”.

 يحدثه الجد عن تفاصيل اليوم الذي تغيرت فيه حياة طفل الخمس سنوات، كل شيء كما حدث وصولاً إلى غرابة سالم وغيابه عن البيت، يذكّر حفيده بلحظة القصف، ويروي له ذكريات الموت الأليمة، وعن أعجوبة نجاته بوجه مليء بالجروح وساعدين مليئين بالشظايا الزجاجية، ليختم اعترافه بالقول “كنت حفيدي الذي خلق من رحم الحرب”.

نفس كلاسيكي في “عمى الذاكرة”

 على رغم توظيف حميد الرقيمي لتقنية الاستباق الزمني كحيلة افتتاحية لروايته، يطغى النفس الكلاسيكي عليها. ويتدفق السرد كله بضمير المتكلم من وجهة نظر أحادية كما لو أن الكاتب معني بالحكاية نفسها والشخوص أكثر من اهتمامه بتجريب التقنيات والقوالب السردية. والسرد بصوت الأنا الذي يُعد الأقوى دائماً من ناحية الإقناع، والمفتاح الرئيس لدواخل الشخصية، بقدر ما يحقق لمسة واقعية للبوح، كثيراً ما يحوله إلى سلسلة من التأملات المتعاقبة أو إلى “مونولوغ” طويل يبطئ وتيرة الأحداث مبعداً إياها من خطتها الأساسية.

 كذلك تطغى اللغة الشاعرية على النص، إذ يكتب الرقيمي بلغة مرهفة تكاد تنبض وترتعش، فيعبر عن الحزن بجماليات لغوية آسرة مقابل صور بيانية جارحة. فنلمس عنفاً في المفردات فرضته ظروف الحرب لتؤثر في لغة الشخصية، فيقول مثلاً “هناك قنبلة ساكنة في أحشائي وسيأتي وقتها الذي لن يعيد الأشياء إلى مكانها الطبيعي”. ونقرأ له في فصل آخر “كانت دماؤهم تتحول إلى بول ساخن يبلل فراشي”. هذه اللغة التي تجمع العنف والحزن والرثاء في خطاب واحد إضافة إلى المشاهد الصادمة، تمنح الرواية خصوصية، لتصنف ضمن ما يعرف بـ”أدب الحرب” وإن لم يتعمد ذلك في مشروعه الأدبي.

ثيمة الموت

على امتداد الصفحات والفصول، تتكرر مفردة “الموت” ويحضر بكل أشكاله ومعانيه. فنتقاطع باستمرار مع كلمات كالموت والدم والجثث ومأتم ومقابر وأشلاء. تهيمن ثيمة الموت على السرد ويغدو حضوره طاغياً مثل شبح عنيد، كما لو أنه البطل المضاد في هذا العمل الروائي. فهو يرافق الشخصية منذ طفولتها حتى شبابها، ويسيطر على وعيها وممارستها للحياة. لا يمثل الموت هنا النهاية الطبيعية للإنسان، بل هو ما شوه ذاكرته وطمسها عندما حرمه من أحبائه وبراءة طفولته. ثم عاد ليحوم حوله في شبابه بعد استقرار موقت، وليحاصره حتى في هروبه، إذ يقول يحيى في الصفحات الأخيرة  “أمامي موت، وخلفي موت، وعلى جهاتي الأربع موت”. كما لو أن الأخير لعنة يصعب عليه التحرر منها، يحاول بيأس الفرار منه من مكان إلى آخر، يرويه ويكتبه ويصفه ويتحداه بشجاعة أحياناً ويستسلم بيأس في أحيان أخرى، فنجده يعبر عن مأساته باستعارة قاسية “روحي ميتة”، أي إن لعنة الموت التي تطاول عادة الجسد، لم تكتفِ به وتغلغلت إلى الروح حتى ماتت وذوت والجسد لا يزال على قيد الحياة.

تسبغ ثيمة الموت على العمل مناخاً سوداوياً قاتماً، مما يرهق القراءة ويثقلها، ويحولها إلى ممارسة أليمة، ولا سيما أن حميد الرقيمي يستحضر بكل أدواته الممكنة، الواقع القبيح ليحاكيه بسيرة متخيلة، ولعله أشد قبحاً وقسوة مما كتب. وكما تؤدي الثيمة دورها الإنساني النبيل في لفت الانتباه إلى شعب نسي العالم معاناته مع الحروب، فإنها تجلد الضمير الإنساني في الوقت نفسه، وتصعب العودة للحياة اليومية من دون الإحساس بالذنب واليأس الذي يخلفه الانتباه إلى الخراب.

رحلة البحث عن يافا

عندما ينقطع تواصل يحيى مع شابة يحبها تدعى يافا، يخرج للبحث عنها في منطقة شملان، وقد يتبادر إلى الذهن أن اسم شخصية يافا يحمل دلالة رمزية مرتبطة بالقضية الفلسطينية، إذ كان بإمكانه انتقاء أي اسم آخر، حتى إن الشابة تختفي وتضيع فيتشابه مصيرها بمصير المدينة المحتلة.

لكن قصة الحب لا تبدو مقنعة بما يكفي، ويحيى نفسه يحاول في أكثر من موضع تبرير اندفاعه وتمسكه بالوهم مقابل صمت يافا وتريثها. ولعل ما قد يُلام عليه الكاتب هو ضبابية شخصية الأنثى في الرواية، وحضورها الباهت والمحدود مقارنة ببقية الشخصيات. فلا نعرف لها ملامح أو تفاصيل غير موقف واحد وما تغنى به يحيى وهو يتغزل بها بينه وبين نفسه. أما شخصية عبده حمادي، فتكاد تتشابه مع شخصية الجد إلى حد التطابق، في النبرة الجادة واللغة والصمت والحكمة، كما لو أن لهما صوتاً واحداً باسمين مختلفين.

 في رواية “عمى الذاكرة”، يكتب حميد الرقيمي سيرة متخيلة مؤثرة، تروي مأساة شعب بأكمله، عبر سيرة طفل يجد نفسه ممزقاً بين اسمين وعائلتين وهويتين، ويكبر يحيى لتكبر معه اضطراباته النفسية وتساؤلاته الوجودية القاتلة.

ولا تقل نهاية الرواية تراجيدية عن بدايتها، حتى إنها قد تبدو متوقعة بالعودة للتركيز العالي لجرعات الحزن، وكل فصل يحمل فاجعة أقوى من السابقة. يحاول الرقيمي بقدر ما يستطيع أن ينقذ شخصيته ويعوضها عن حرمانها ومعاناتها، فهل ينجو يحيى في النهاية؟ وهل يتغلب على لعنة الحرب وملاحقة الموت؟

Independent News

شاهد أيضاً

غرامة على “ميتا” تنذر بتضييق الخناق على زوكربيرغ وأقطاب التكنولوجيا

كل ما نعرفه تقريباً عن مارك زوكربيرغ يوحي بأنه غارق في الغرور والإنكار. ولكن، في مرحلة ما، …