
وكانت إدارة المدرسة قد طبقت سياسة “لا أرى ولا أسمع” No See No Hear، التي تسمح للطلاب بإحضار هواتفهم إلى المدرسة شرط أن تظل مغلقة وألا تستخدم خلال اليوم الدراسي. غير أن كيبويل سرعان ما أدركت أن هذا الأسلوب لا يحقق الغرض منه.
وقالت في هذا الإطار: “كنا نواجه حوادث سلوكية بسبب التقاط صور أو تسجيل مقاطع فيديو داخل نطاق المدرسة، ثم نجد أنفسنا نتعامل مع تبعات ذلك. كما كنا نلاحظ التقاء مجموعات من الطلاب داخل دورات المياه، على رغم أنهم كانوا يأتون من حصص تدريس مختلفة، إلا أنهم كانوا يعرفون بطريقة ما أن يلتقوا في المكان نفسه وفي الوقت نفسه”.
وأضافت كيبويل: “كانت هناك مؤشرات واضحة بالنسبة إلينا على أن أموراً تحدث خلف الكواليس. وقد بات يجب على المعلمين أن يكونوا باستمرار في حال ترصد لهذه السلوكات ومراقبتها”.
في الشهر الماضي، فرضت الحكومة البريطانية على المدارس الالتزام بسياسة حظر استخدام الهواتف الذكية. ومنذ ذلك الحين، اعتمدت مؤسسات تعليمية كثيرة حافظات قابلة للإغلاق تنتجها شركات مثل “يوندر” Yondr كشرط إلزامي، فيما أعلن مفوض الشرطة والجريمة في منطقة “وادي تيمز” في يونيو (حزيران) الماضي تخصيص مبلغ 255 ألف جنيه استرليني (344 ألف دولار أميركي) من أموال صودرت من أنشطة إجرامية، للمساعدة في تطبيق سياسة مدارس خالية من الهواتف.

مؤيدو اعتماد هذه الحقائب يؤكدون أنها أحدثت تحولاً ملموساً في البيئة المدرسية، في حين أبدى معلمون خشيتهم من أن تكون مجرد تشتيت للانتباه عن القضية الأساس، وهي ما إذا كانت الهواتف الذكية مناسبة للأطفال أصلاً.
وتظهر أبحاث أجرتها شركة “يوندر” نفسها حول هذا الموضوع، أن المسألة أكثر تعقيداً. ففي حين تتباهى علناً بالنتائج الإيجابية التي تشير إلى أن الحافظات خفضت نسبة استخدام الهواتف داخل المدارس، إلا أنها تتجاهل النتائج الأخرى التي توصل إليها الباحثون والتي أفادت بعدم حدوث تغير ذي دلالة في درجات الاختبارات المدرسية أو معدلات الحضور أو مستوى الانتباه داخل الصفوف، أو مدى التنمر الملحوظ الذي يتعرض له الطلاب عبر الإنترنت.
في “مدرسة ستوكبورت غرامر”، قررت مديرتها كيبويل في سبتمبر (أيلول) عام 2025 إلزام جميع الطلاب باستخدام حقائب “يوندر”، بحيث يحصل كل طالب على واحدة منها. وقالت إن النتائج كانت “إيجابية بصورة لافتة”.
في الوقت نفسه، واصل العاملون في المدرسة الحوار مع أولياء أمور التلامذة حول كيفية مساعدة أبنائهم على التعامل مع العالم الرقمي، وما إذا كان منح الطفل هاتفاً ذكياً هو الخيار المناسب له.
وتصف ساره كيبويل النتائج بأنها كانت “مذهلة بحق”، إذ أظهر استطلاع داخلي أن المعلمين لاحظوا تغيراً “هائلاً” في أجواء المدرسة بصورة عامة.
وأوضحت أن “المعلمين قالوا إن الطلاب أصبحوا أكثر تركيزاً خلال حصص التدريس لأن الهواتف لم تعد في جيوبهم، ولاحظوا انخفاضاً واضحاً في عدد التلامذة الذين يطلبون الخروج إلى دورة المياه أثناء الدروس”.
وأضافت أن الطلاب أنفسهم، وعلى رغم “ترددهم بعض الشيء في البداية”، كما كان متوقعاً، فإنهم تقبلوا التغيير مع مرور الوقت، لا بل إن بعضهم أقر بأن الإجراء ساعدهم على التركيز.
ومضت تقول: “بالنسبة إلينا، كانت كلفة تلك الحافظات استثماراً يستحق العناء، لأن الهدف منها كان تعزيز رفاه الطلاب وصحتهم النفسية”.
غير أن غاي هولدر، وهو معلم في منطقة جنوب غربي لندن، يشكك في أن حافظات الهواتف تحدث فارقاً حقيقياً. وقال لـ”اندبندنت” إنه على رغم أنها قد تشكل “مصدر إزعاج” للطلاب الذين يحاولون استخدام هواتفهم أثناء ساعات التدريس، لكنها “لا تفعل شيئاً” لحمايتهم من الأضرار التي يمكن أن يتعرضوا لها خارج نطاق المدرسة.
ودعا إلى “وقف عاجل” لتطبيق نظام حافظات الهواتف، معتبراً أن المسألة توشك أن تتحول إلى سياسة مطبقة على مستوى البلاد، في وقت لم تخضع فيه “لأي تدقيق أو نقاش حقيقي”، بحسب قوله.
وتابع يقول إن “الحكومة حولت توجيهاتها إلى أساس قانوني (مما يجعلها إلزامية)، ولذلك تشعر المدارس بحال من الذعر. نحن في حاجة للتوقف والتفكير”.
ومن بين انتقاداته الأساس لهذه السياسة أن الحافظات لا تمنع الأطفال من استخدام هواتفهم خارج المدرسة، كما أنها لا تشجع على فتح نقاش حول العمر المناسب لحصول الأطفال على هاتف ذكي. ويرى أنه بدلاً من ذلك، تتعامل مع الأمر باعتباره واقعاً مفروضاً، أي إن الأطفال سيحضرون هواتفهم الذكية إلى المدرسة، “من دون أن تفعل شيئاً لمعالجة القضايا الجوهرية”، مثل المحتوى الضار على الإنترنت أو قضايا الإدمان الرقمي.
إضافة إلى ذلك، أعرب هولدر عن قلقه من كلفة هذه الحقائب، إذ تدفع المدارس عادة ما بين20 و25 جنيهاً استرلينياً (27 و34 دولاراً) للحافظة الواحدة، وتتحمل المدرسة الكلفة في بعض الحالات، بينما تفرض على أولياء الأمور في حالات أخرى. ورأى أن هذا الاستخدام يعد هدراً “فاضحاً” لموارد ثمينة كان يمكن إنفاقها في مجالات أكثر أهمية.
ويرى أن على المدارس، بدلاً من ذلك، أن تطبق سياسة تسمح فقط بالهواتف البسيطة غير الذكية، مع إلزام الطلاب بإبقاء هواتفهم بعيداً من نظرهم وسمعهم طوال اليوم الدراسي.
وقال إن “الأمر لا يقتصر على أن المدارس تدفع ثمن الحافظات، بل يقع على عاتق المعلمين أيضاً ضمان نجاح نظام حفظ الهواتف، بحيث يتعين عليهم التأكد من أن الهاتف المودع داخل الحافظة هو الهاتف الحقيقي وليس هاتفاً بديلاً، ثم إجراء عمليات تفتيش عشوائية للحقائب خلال اليوم الدراسي”.
ويضيف غاي هولدر أن “هناك أيضاً مشكلة محاولة بعض الطلاب كسر الحافظات. بعبارة أخرى، لا يعمل هذا النظام بصورة فعالة إلا إذا بذل المعلمون جهداً كبيراً في تطبيقه، وهو جهد يمكنهم بذله أيضاً في إطار اتباع سياسة “لا أرى ولا أسمع”.
من جهته، قال ماثيو باربر مفوض الشرطة والجريمة في “وادي تيمز” لـ”اندبندنت” إن المعلمين أخبروه بأنهم تعرضوا للتصوير أثناء محاولتهم فرض الانضباط على الطلاب، وأنهم يقضون “وقتاً طويلاً” في مواجهات مع الطلاب بسبب الهواتف.
وأضاف أن من المهم توضيح أن التمويل المخصص لمشروع حافظات الهواتف والمقدم بموجب “قانون عائدات الجريمة” Proceeds Of Crime Act (POCA)، لا يعد “أموالاً عامة”، إذ ينص القانون على استخدامها “لأغراض خيرية”، ويسمح بإعادة توجيه الأموال المصادرة من أنشطة إجرامية لخدمة المجتمع.
وقال: “لا أدعي امتلاك أدلة تجريبية على أن (حظر الهواتف) يؤدي إلى تحسين الدرجات الدراسية، لكنني أعتقد أنه يزيل ما لا يعد مجرد مصدر إلهاء كبير فحسب، بل أيضاً سبباً للإزعاج ولتعطيل سير الدروس”.
وأضاف أنه يدرك أن إبعاد الهواتف عن الصفوف الدراسية ليس “حلاً سحرياً لجميع المشكلات”، لكنه يرى أن حرمان الطفل من الاتصال بالإنترنت خلال “جزء كبير من يومه” يمكن أن يساهم في الحد من ارتكاب المخالفات.
واعتبر أن “هناك فرصاً أقل للأطفال لارتكاب جرائم أو الوقوع ضحايا لها”.
وختم بالقول: “لا أعتقد أن هناك ما يدعو إلى الاستغراب في مطالبتنا بأن تكون هذه الفصول الدراسية مساحة آمنة وعقلانية وخاضعة للرقابة”.
مجلة 24 ساعة