الرئيسية / كلمة العدد /
فى ذكري 23 يوليو :
مجلة يحمل أسمها التاريخ ( 1 )
مودي حكيم

فى ذكري 23 يوليو :
مجلة يحمل أسمها التاريخ ( 1 )

 

تغربت عن بلدي الحبيب مرتين ، تحدثت عن أولها فى كتاب صدر بالفعل عن ” الدار المصرية اللبنانية” تحت عنوان .. أوراق الغربة ” ايام فى لبنان ” ، والغربة الثانية فى لندن فى كتاب آخر سيصدر قريباً .
قصته بدأت مع واحد من أبرز هامات مصر الصحفية والثقافية ، هو عبد الرحمن الشرقاوي ، رجل تمتع بصحوة ذهنية حية وقَّادة لا تستكين إلا للبراهين ، تَطلُّ من ثقافته على ثقافة عميقة وثقافة تاريخية شاملة . مالك عنان النظم والنثر، إمام زمانه في كتابه المقال السياسي .
وعبد الرحمن الشرقاوي في الإدارة عدالة وحزم ، مواظبة وبُعدُ نظر ، وهو عندما تسلم ” مؤسسة روزاليوسف ” ، أراد أن يخرج بها إلى المدي البعيد ، فقد كان ، رحمة الله لروحه ، تواقاً إلى إطلالة” شيخة المؤسسات الصحافية العربية ” ، إلى العالم الخارجي ، فأوكل إليَّ ، إدارة مكتب ” روزاليوسف ” فى لندن ، ووضع خطط الترويج والانتشار ، والتسويق ، والتوزيع ، والإعلانات فى أوروبا …
فكانت غربتي الثانية في ” بلاد الخواجات ” ..
وحدث أن غَضِبَ ” الريٍّس ” من ” الاستاذ ” فَكَفَّ يدهُ .. ترك عبد الرحمن الشرقاوي ” مؤسسة روزاليوسف ” ، ومكتب لندن ، فى عز نجاحاته.. والمجلة التّي كانت غائبة عن المكتبات ، وأكشاك الباعة ، فى غير عاصمة أوروبية، فى غير عاصمة أوربية ، باتت حاضرة، ببهائها، ونضارتها ، وأناقة تصميمها ، تنقل أخبار مصر إلى المصريين المنتشرين في الأوربيتين، وتحمل أخبارهم ، ومعاناتهم إلى مصر ، وصارت تنفلش على صفحاتها إعلانات ، ماعرفتها ، أي مطبوعة مصرية من قبل .. ومع إبْعاد عبد الرحمن الشرقاوي غابت ” روزا ” عن المكتبات ، وخسرت المؤسسة عقوداً إعلانية كانت تقدر بآلاف الجنيهات الإسترلينية.
لم أتفاجأ بما حدث فتلك ” آفةُ مِصريَّةُ ” ، باتت قاعدة فى حياتنا ” الخَلَف يلغى إنجازات السلف ” ، فقام من تسلّم المسؤولية فى روزاليوسف بإلغاء خطط عبد الرحمن الشرقاوي التطويرية المستقبلية، وقوّض أنجازاته ، فبدلاً من تطوير عمل مكتب لندن ، اتُّخِذَ قرار ايقاف المكتب فجاءة بإنذار بريدي وصلني بلندن بعد شهر من تاريخه .
وجاء العون من السماء ، فكانت فكرة ” مؤسسة مودي جرافيك ” بنيتها وحيداً، فى غربة قاسية لا ترحم ، بالكد والتعب والعرق ، وساعات عمل طويلةّ وسهر الليالي ، في التفكير ، وبالجهد الموصول ، تعددت الخدمات التي تؤديها ، وعندما أصبحت لندن ، في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي ” عاصمة الصحافة العربية المهاجرة ، أصبحت “مودي جرافيك ” بيت كبريات المجلات العربية المهاجرة ، التى وجدت فى لندن الحرية والأمان : ” الحوادث..الدستور .. الصياد .. التضامن وشقيقتها الرشاقة ” ، وجرائد الخليج بطبعاتها الدولية ” القبس الكويتية، و الثورة العراقية ” .
ومطبوعات آخري كثيرة منها مجلة ” 23 يوليو ” التى أسسها ورأس تحريرها ” الولد الشقى ” محمود السعدني … الذى جاءني صوته عبر الهاتف :

***

«هنيالك يا عم… طبعًا يا سيدى، اللى بيشتغل بحوادث لسليم اللوزى، لازم ينسى الناس»!
سَقَطَ صوته على أُذنيَّ، طنيناً ناعماً، فرحاً، أليفاً ومحبباً، تجمع كل استغرابى فى نبرات صوتى:
«مين، محمود… إنت فين يا راجل؟!».
«ضايع فى ضباب مدينة الضباب، هو مش بيسموها كده؟!».
وفرقعت ضحكة، كادت تنشق لها حنجرته.
ومحمود السعدنى يعرف «مدينة الضبــــاب»، ويحفــظ شــــوارعها، وعنــــــــــاوين عيــــــــادات الأطبــــاء والمستشفيات فيها، فقد جاءها فى ستينات القرن الماضى، حاملاً طفلته هالة، التى كانت لم تتجاوز بعد الخامسة من سنيّها، لإجراء جراحة لم تكن ممكنة فى القاهرة، فى ذياك الزمن.
فلا العلاج فى الداخل كان متوفراً ولا المال للعلاج فى الخارج أيضاً، فكان أن بقيت أسيرة السرير فى المستشفى، حتى تمكن من جمع المبلغ الذى كان «يهد حيل» الميسور، فكيف بحيل صحفى لا يملك من متاع الدنيا إلا القلم، «بلد تشيله وبلد تحطه».
صَرَخَ قلم محمود السعدنى من الألم، وحبره كان قطرات من دم قلبه الملتاع، الموجوع على ابنته:
«العبدلله، (كتب بوجع ومرارة)، قرر عام 1961 أن يعالج هالة، حتى تشفى بأمر ربى، ولو أدى الأمر إلى بيع ملابسى فى سوق الجمعة، لأننى أشعر بعقدة ذنب، لأنها مرضت وأنا فى «سجن الواحات» عام 1959».
وعاند محمود السعدنى، وكاسر، تأخذه الحدة أحياناً، كما يعلم كل من عرفه ودخل فى عشرته، شعر بخيبة المسعى، ولكنه لم يشعر لحظة واحدة بفقدان الأمل، فتغلب على كل الظروف، وتكررت زياراته إلى مستشفيات لندن، وعيادات الأخصائيين فى «هارلى ستريت»، شارع الطب والطبابة فى «مدينة الضباب»، وفى خارجه.
والعملية الجراحية بعد الأخرى، والمبضع نزل على اللحم الحى عشرين مرة، والنفقات المرتفعة تحمّلها كلها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، بطيبة خاطر وكرم محتد، حتى قيض الله الشفاء.

***

لم يكن لمحمود السعدنى مولع إلا بالكتابة، يفكر فيها، قاعداً، قائماً، حاضرًا، بادياً، سائراً، سارياً، وفيها كان ثائراً من كل شىء وعلى كل شىء، غير هيّاب للتبعات، جريئاً إلى حد التهور، فالجرأة كانت عنده من لزوم الأدب الساخر، وهو كان صنو إبراهيم المازنى من أعلامه.
رافقنى محمود السعدنى، فى بداياتى فى مجلة «صباح الخير»، فكنت كل يوم أحد أنتظر فى مكتبى أن يهلّ علىَّ بزاويته الأسبوعية «هذا الرجل»، التى كانت على عمود عرضه «16 كور»، بقياس وتنضيد «تيبوغراف، (عمود 8 سنتيمترات بمقاسات هذه الأيام)، ولا تتعدى العشرين سطراً، يتناول فى تلك الأسطر شخصية سياسية، أو فكرية، أو فنية، أو رياضية، ينتقد حيناً، ويمدح أحياناً… ويا سعد من يمر عليه سن قلم «الولد الشقى»، فهو يذهب سمعه فى الناس.
وكان السعدنى يكتب زاويته فى اللحظات الأخيرة لمثول المجلة للطبع، فالفكرة تدور فى رأسه، يبدأ بإلباسها حلل الكلمات، حتى تكتمل زينتها فى ذهنه، فينزلها على الورق، فيسبح قلمه بخفة وسرعة، يرسم الكلام بخط كبير، على أسطر متباعدة، لا يستطيع قراءته إلاَّ من فَتَحَ اللهُ لهم، وباتوا على خبرة ودراية بخطه، الذى ذهب مثلاً فى «صباح الخير».
ولا أعرف فيمن سبقونا إلى الصحافة، ولا فيمن أتوا إليها بعدنا، كاتبًا مثل محمود السعدنى، ترجح كفة ممتعاته ولطائفه فى مقامات الرأى، وتشيل كفة موهبته فى رئاسة وإدارة تحرير جرائد، ومجلات، تنقّل بينها فى مصر والعالم العربى، فلم يستقر على حال ومآل.
ولا أعرف كاتبًا يسحبك إليه، ويأسرك، فلا تستطيع التَّفَلُتَ منه، فتستسلم له بكليتك، وتدعه ينشيك فى روعة الألفاظ والتراكيب، يستلّ منها ما يريد وكما يريد وساعة يريد، كل ذلك فى سخرية بارعة، وأسلوب طَلِق، وفى دقة المعانى التى تختفى خلف كل حرف ملزوز بجاره، ليرتب بالأحرف مقاصد الأشياء، ويضعها فى موضعها الصحيح.
سَبَحَ قلم محمود السعدنى فى جميع أنواع فنون الكتابة، من صحافة، إلى سياسة، إلى أدب الرواية، وأدب الرحلات… وكانت إبداعاته، وممتعاته، لا إعنات فى معانيها ولا تكلف سمج، وأسلوب خال من الحشو الممل، وهو عندى أسلوب وحيد أبويه.

***

كل شىء بدأ فى «قهوة محمد عبدالله» فى «ميدان الجيزة»، التى كانت فى الصباح ملتقى تجار القطن ورجال الأعمال، إضافة إلى الذين يلهثون وراء القضاء، ويرفعون إليه الشكاوى والدعاوى.
وفى المساء يتحول، بقدرة قادر، إلى منتدى ثقافى، رواده جماعة القلم، والحبر، والورق، والفكر، فى السياسة، والأدب، والشعر، والفنون.
كان محمود السعدنى لا يفوّت ليلة، فيجلس مستمعاً إلى زكريا الحجاوى، وأحمد الصاوى محمد، ونعمان عاشور، وأنور المعداوى، وعبدالقادر القط، وعبدالحميد قطايش… يسمع، يستوعب، يحفظ، يزين الكلام الذى كان يسمعه فى ذهنه، يتدخل فى الحديث، يسأل، يستفسر، يجادل، ينافح، يناقش، يُصَحَّح له، ويُصَحِّحُ لغيره.
كان من رواد «قهوة عبدالله»، شاب طرى العود، تلميذ، كان، فى كلية الآداب، كان يقرأ على الحاضرين نتفًا من شعره، وكان يسمع لنقد الحجاوى، ومداخلات المعداوى، والشاب طرى العود كان نزار قبانى، وجاره فى الجلسة والشعر كان صلاح عبدالصبور، والشاب سمير سرحان، الذى قرأت جماعة «قهوة عبدالله» أولى قصصه القصيرة. وكان صلاح جاهين، لا يتخلف هو الآخر، عن سهر وسمر الجماعة، يزين الجلسة، التى كانت تطول وتغمز للفجر، بزجلياته.
فى «قهوة عبدالله»، يخبر محمود السعدنى، طلعت «رباعيات صلاح جاهين». أما أحمد عبدالمعطى حجازى، فراح يتحرر من أَسْرِ القوافى، ويطلق شعره النثرى العالى المنازل، يجاريه الشاعر الفلسطينى معين بسيسو، الذى توثقت صداقته بمحمود السعدنى، واستمرت حتى مماته، وهو لما يزل فى أوج عطائه.
وكان لمحمود السعدنى مناقشات سُمعت له مع رجاء النَّقاش، (رحم الله روحه)، الناقد المُهاب، الذى كان يرتاد القهوة كلما سَنَحَ له الزمن والظرف والحال، حول الأدب الساخر. وقد استذكر رجاء النقاش هذه المناقشات والمساجلات فى إحدى مقالاته التى كانت تنشرها له مجلة «الوطن العربى»، السعيدة الذكر.
فى «نداء الوطن»، جريدة ناظر «المدرسة العلمية الثانوية»، التى كان يجلس محمود السعدنى على مقاعدها، بدأ ولعه فى الكتابة ومهنة الصحافة. إفتتن بالنقد الساخر، فراح ينميه فى كتاباته حتى أجاده، وإضافة إلى المقالات، كان يعيد صياغة مقالات زملائه، و»يوضب» الجريدة ويرافقها إلى المطبعة، كل ذلك نظير إعفائه من أقساط المدرسة، فيومها، لم يكن التعليم فى مصر «مجانًا».
بعدها لم يسقط القلم من إصبعيه، إندار يكتب فى الجرائد والمجلات الضئيلة التوزيع والانتشار، التى كانت تصدر فى شارع «محمد على».
وعلت به السن، ونمت فيه الكتابة، ونضج أسلوبه فى مقالات لم ينسجها على منوال أحد، فكانت دُرّة المقالات الساخرة، اللاذعة، «دبابيس» تخزّ ولا تدمى، توجع مع ابتسامة.
ويجنح فى السياسة صوب «الوفد»، ينادى بمبادئه، ويكتب فى «المصرى»، وكان يومئذ بوق «الوفد» وطبله وزمره.
و… سمعت القاهرة هدير الدبابات فى 23 من يوليو (تموز) 1952 وطلع صوت أنور السادات من الإذاعة، يعلن أن الملك نزل عن العرش، و«المملكة» صارت «جمهورية».
وتبدل وجه «المحروسة»، وتغيرت الحياة، وما إن بدأ أيام سنة 1964 تكرج على خد الزمن، حتى كان السعدنى من غلاة أتباع الناصرية.
وبعد مجلة «التحرير» التى ترأس تحريرها أحمد حمروش، كانت جريدة «الجمهورية»، تولى أنور السادات رئاسة مجلس إدارتها، طرحت أمامه الأسماء فانتقى من بينها اسم كامل الشناوى، ليتسلم رئاسة التحرير. فراح، بعدما استمكن واستتب له الأمر، يجمع لها خيرة الكتاب والصحفيين.
وكان السعدنى واحدًا منهم.
يضع كامل الشناوى عينه على محمود السعدنى، فقد تابع باهتمام ما كان ذلك الشاب يعقد فى مجلات «دار الهلال» من مقالات، وتحقيقات، وتغطيات صحفية، وما كان ينشر له فى غيرها… ولفته أن فى إنشائه صنعة، لا يستسيغها الذوق، وإن كانت بحاجة إلى صقل. فرغب فى ضمه إلى جهاز تحرير «الجمهورية»، وأقنع أنور السادات به، وبعد أنٍ وافق، أصبح محمود السعدنى محررًا فى أول جريدة رسمية للثورة.
وقرّبه كامل الشناوى منه، ويعرف الذين عايشوه وعاشروه، أنه يملك صفات المعلم الحق، فلازمه السعدنى ملازمة التلميذ لأستاذه، وأدار عقله ولهفه إلى أصول المهنة، فأخذ من أستاذه أصولها، فتخرج به، وراح يشق فى الجريدة مشى القلم، وطالت المقالات والتحقيقات. وكما تأثر السعدنى بمعلمه، تأثر ببيرم التونسى، زميله فى الجريدة، فأخذ منه الكثير من الظُرف، والأسلوب الساخر الهادف.
أدرك كامل الشناوى أن شيئًا ما يُحضّر بين القاهرة ودمشق، وأن سوريا ستشهد حادثًا يمكنه أن يبّدِل وجه المنطقة ومسارها السياسى. فأراد أن يمنح «تلميذه» فرصته، فانتدبه مراسلًا لجريدة «الجمهورية» فى عاصمة الأمويين. والسنة فى عمر الزمن كانت 1957.
اختصر محمود السعدنى أيامه فى دمشق، بأنها كان «رحلة الضنى والعذاب».

***

… وللحكي بقية .

فى ذكري 23 يوليو :

شاهد أيضاً

وللأب .. عيدُا أيضاً

  وسط انشغل العالم وشاشاته التليفزيونية بأحداث بطولات كرة القدم واخبار المصالحة الشكلية بين اميركا …