
باحث وكاتب
هناك لوحة تشكيلية تعود إلى القرن الثامن عشر الفرنسي وتحمل توقيع الرسام التشكيلي الذي كان يهتم بخاصة برسم المشاهد التاريخية، هوراس فيرنيه، تشي ما إن يتفرج عليها المرء بأن راسمها إنما واتته فكرتها وربما تفاصيلها كذلك مستوحياً لوحة الفنان النهضوي الكبير رافائيل، “مدرسة أثينا” التي تعتبر ومنذ القرن الخامس عشر، وأوج العصر النهضوي، أشهر لوحة في التاريخ جعلت الفلسفة وتاريخها موضوعاً لها.
صحيح أن لوحة فيرنيه لا تمت إلى الفلسفة بصلة، وليس لها الحجم الجداري الضخم الذي للوحة رافائيل؛ لكن الكثير من عناصرها يذكر برافائيل مشيراً إلى أنه لولا لوحة هذا الأخير الاستثنائية، لما أقدم الفرنسي بعده بمئات الأعوام على تحقيق لوحته التي يمكننا أن نلاحظ أنها لم تحظ ولو بنسبة مئوية بسيطة من الشهرة ولا المكانة اللتين حظيت بهما لوحة – أو جدارية – رافائيل.
واللوحة الفرنسية التي نتحدث عنها هنا، تكاد تكون مع ذلك رافائيلية تماماً بل إن رافائيل حاضر فيها بشكل غير متوقع، وعلى أكثر من صعيد كما سوف نرى.
و”اللوحة” كما حال لوحة رافائيل جدارية بشكل أو بآخر، بمعنى أن تسميتها لوحة هنا لا يستقيم تماماً كما الحال مع تحفة رافائيل. فهي في النهاية عبارة عن رسمة كبيرة تشغل سقفاً بأكمله من إحدى القاعات الرئيسية في متحف اللوفر، تماماً كما أن “مدرسة أثينا” تشغل بدورها جداراً كاملاً في واحد من المباني الرئيسية في الفاتيكان.
ومن هنا بالتحديد تبدأ تلك العلاقة التي تقارب بين العملين الكبيرين بل تجعل من جدارية فيرنيه نوعاً من الاستطراد لجدارية سلفه الكبير. أما العنصر الثاني المشترك في العملين فهو أن كلاً منهما يتناول اجتماعاً إبداعياً، يكاد يكون أنطولوجياً، لكنه لم يقم أبداً وإنما كان من خيالات الفنان الذي صوره.
بين الفكر والفن
ولكن، إذا كان موضوع الاجتماع في جدارية رافائيل الفلسفة وتاريخها وأقطابها منذ بدايات الفكر الإغريقي العقلاني، فإن موضوع لوحة فيرنيه، الفنون العمرانية وأساطينها وبخاصة في عصر النهضة أي عصر رافائيل بالتحديد.
أما إذا كانت نقطة المركز في لوحة رافائيل تتمحور من حول الفيلسوفين المعلمين الكبيرين أفلاطون وأرسطو، فإن تلك النقطة تتمحور في جدارية فيرنيه من حول البابا جوليوس الثاني منسوخاً، على أية حال، من ذلك البورتريه الشهير الذي رسمه له رافائيل عند بدايات القرن الميلادي السادس عشر. وهو عنصر إضافي من عناصر “وحدة الحال” بين الجداريتين، وعنصر يشي تأكيداً بالتكامل بين العملين الفنيين الكبيرين.
ويقيناً على أية حال، أن هوراس فيرنيه إنما كان هدفه منذ البداية حين صمم ورسم هذا السقف لقاعة متحف اللوفر، أن يعبر عن النتاج الفني الاستثنائي الذي كان البابا جوليوس الثاني راعيه ومموله.
وهكذا إذ جعل من بورتريه رافائيل له مركز الثقل في وسط اللوحة جعل النهضوي الكبير الآخر مايكل آنجلو إلى يسار اللوحة، ويمكن التعرف إليه من خلال أنفه المكسور حتى وإن كان الرسام قد جعل له لحية لم تكن له في الواقع.
واللافت أن رسم مايكل آنجلو بأنفه المكسور يشي بأنه كان لتوه قد انتهى من رسم سقف كنيسة سكستين بطلب من البابا نفسه. وإلى يسار البابا يقف المعماري الكبير برامانتي وهو يعرض للحبر الأعظم مخططات كنيسة القديس بطرس التي لم تكن قد بنيت بعد في الزمن الذي يفترضه فيرنيه لهذا الاجتماع. (وللعلم هنا أن اللوحة تذكرنا بأن مخططات بناء الكنيسة كانت من إنجاز برامانتي لا من إنجاز رافائيل الذي سوف يتولى فقط تنفيذ المشروع إثر موت المعماري الكبير).

مجلة 24 ساعة