حينما تكبر وتغدو على أبواب الشيخوخة يصبح كل أمر هادئاً، لا تنفعل ولا تجعل أعصابك تنهار لأي حدث سيء بل تعالجه بروية وهدوء غير مبال بأي حماسة واندفاع عفوي، فيغمرك السكون و تشرع في التفكير ملياً حتى لو أُصيبت كرامتك بجرح مفاجئ بالغ.
ريمون مرهج
المصدر: النهار
حينما تكبر وتغدو على أبواب الشيخوخة يصبح كل أمر هادئاً، لا تنفعل ولا تجعل أعصابك تنهار لأي حدث سيء بل تعالجه بروية وهدوء غير مبال بأي حماسة واندفاع عفوي، فيغمرك السكون و تشرع في التفكير ملياً حتى لو أُصيبت كرامتك بجرح مفاجئ بالغ. لن تسكت ولن تبقى صامتاً ولكن سترد بحكمة وبرُشد عميق هادئ وجواب مقتضب يجعل الظالم والمتعدي ينصدم من الجواب وتصيبه الدهشة من هدوئك وقوة ردك.
كل ضوضاء وفوضى لا تعنيك ولا تشعل فيك انتفاضة الفتية لأنك غدوت مدركاً عدم أهميتها ومكانتها، ولأنك أضحيت عالماً بما هو الصواب والأكثر سداداً في هذا العالم. حينما تشيخ وتكبر في السن تدرك أهمية الحياة أكثر وقيمة الأحباء والأصدقاء فتحاول التحدث مع أبنائك والمكوث معهم قدر المستطاع، فتشعر بحنينٍ غريب إليهم تريد به أن تعبر عن مدى حبك الكبير لهم، وكم أنت فخور بهم وبوجودهم معك وقد غدوا شباباً ونجحوا في مسيرة حياتهم.
واليوم تشعر أن قطار العمر يقترب من المحطة الأخيرة وعليك حزم أمتعك والبدء بوداعهم من دون أن يشعروا بذلك، فتبتسم لهم ببراءة وحب حينما تلقاهم وتدمع عيناك حينما تكون وحدك ويغادرونك.
هكذا مصادفة لمحت أبي قبل رحيله وفهمت عندئذ كل ما يشعر به، وكيف لملم دموعه حينما فوجيء بحضوري. حينما تصبح مسناً وتهرم يصبح هدفك الأول إرضاء الله الخالق والعيش بإيمان وصفاء، كي تكون روحك نقية سامية مترفعة عن كل ماديات الأرض ومظاهرها، وتصبح نوراً للخير والبركة بين البشر. حينما تختلي بنفسك ترى الحياة من منظار بعيد فتشاهد كل تفاصيلها ومكنوناتها وتفهم ماهية العالم وسبب وجودنا في هذه الدنيا، وكأنك غدوت نسراً على قمة الجبل ترى الجميع في السفوح والوهاد وتعلم كيف يفكرون وماذا يفعلون وأين يخطئون وكيف يحيون؟
كأنك إرتفعت عن كل الماديات والأجساد وأضحت روحك ومشاعرك باقات من الورود الفواحة يعبق عطرها بين أحبائك وأحفادك وكل من حولك، فيتلقفها بحب معظمهم وتتنكر لها مبتعدة عنك القلة القليلة منهم فتشعر بالأسى والحزن لأنك تحبهم ولم تود أي سوء لهم بل كل خير وحب وحنان، ولكنهم لم ولن يفهموا فكرك وقلبك لانهم عديمو البصيرة، والحقد والأنانية يسيطران على أطباعهم وأشخاصهم، فتترك أمرهم إلى الله عزّ وجل، وحينها تلتزم الصمت وتبقي الألم والوجع يمزقان أعماقك في السر ومن دون أن يدري أحد مشاعرك وأحاسيسك، فتتأثر بسرعة كما الطفل يشعر عندما يتنمر عليه أحد أو يتجاهله، لأنك تغدوا صادقاً بريئاً نقي القلب.
مجلة 24 ساعة