الرئيسية / كلمة العدد /
الغربة الثانية (٤٨)
الجرئ ً..والنبيل .. والعائد من أشتات الماركسية !
مودي حكيم
مودي حكيم

الغربة الثانية (٤٨)
الجرئ ً..والنبيل .. والعائد من أشتات الماركسية !

من عرفوه وعملوا معه عرفوا عنه بالقول ” ..ان صوتُه ماردًا ورأْيُه ماردًا وقرارُه ماردًا. حين يضحك، كانت خلف ضحكته مهابةُ رئيس التحرير. وحين يُزمجر غاضبًا، كانت تبقى خلف زمجرته لمسةُ حنان تُعيده إِلى هدوئه. تلك، في أَحد ملامحها المركَّبة، شخصية سليم اللوزي”.

كان «سليم اللوزي» من ألمع الصحفيين اللبنانيين وأكثرهم جرأة في فتح ملفات القضايا الساخنة، وكان محباً لمصر وتربطه صداقة مع الرئيس جمال عبد الناصر ومع الرئيس انور السادات، وأجرى معهما أحاديث صريحة عن الهموم العربية. وعندما نشبت الحرب الأهلية في لبنان وتعرض مبني “الحوادث” للحريق، اضطر ’اللوزي‘ إلى الخروج والإقامة في لندن بسبب التهديدات بقتله، ولكنه لم يتخل عن قلمه الجريء في مواجهة الفتنة الطائفية، وكانت القوات السورية قد دخلت لبنان تحت غطاء “قوات الردع” لوضع حد للإقتتال الذي استمر سنوات وراح ضحيته الآلاف، وتم بعد ذلك الإنتشار العسكري والمخابراتي السوري في بيروت، وكان ’اللوزي‘ يشعر بالألم النفسي لما آل إليه حال لبنان، وكان يعبر عن ذلك خلال المقابلات في القاهرة ويقول: “إنهم يريدون تخويفنا لنكون موالين لهم”! ،متساءلاً  من قتل الفرح الناعم فى عينيها الخضراوين ومرددًا من أشعار  صديقه نزار قباني:

من شطبَ وجهها بالسكين؟

وألقى ماء النار على شفتيها الرائعتين؟

من سمَّم ماء البحر، ورشَّ الحقد على الشطآن الوردية؟

من قتل فيها امرأة كانت تُدعى الحرية؟

ان رجلٌ في قلب العاصفة. رجلٌ عاصفة اسمه سليم اللوزي. تدخُل عليه وأَنت في تهيُّب من رجلًا كان يومها حديثَ البلد، وموضعَ ثقة الناس وإِعجابهم لجرأَته التي كم تَهيّبَها حُكَّامٌ ومسؤُولون في كل العالم العربي. دائماً منهمكاً بين أَوراقه على مكتبه، ويجيب عن رنين الهاتف عدة مراتٍ في الدقيقة الواحدة.

كان اللوزي من الشرفاء الذين يعافون المناصب، وما حكيته عنه فى مقال سابق  ورفضه لمنصب رئيس وزراء لبنان يؤكد عشق هذا الرجل لمهنته. يجمع حوله كل الكفاءات الصحافية، أمثال نبيل خوري الذي فارق الحوادث وقت الحرب، المايسترو الذي تسلم ادارة تحرير الحوادث بعد نكسة 67 ، أدارها فى تناغم وبحرفية شديدة مع مجموعة من الكفاءات فى تناغم متجانس وايقاع واحد ليقدم تجربة رائدة ونادرة فى الصحافة العربية، انطلقت بها الحوادث للآفاق الواسعة، ورغم أنه فلسطيني الهوية خدم القضية الفلسطينية ببذل لا حدود له و تعرّض مرات للمخاطر ليسهم في إستعادة الأرض لأصحابها، فقد كان قلمه مشحون لخدمة لبنان والقضايا العربية. كلما لاحت مناسبة وطنية تطوع لأن يكون المدافع والفداء، جرئ فى كتاباته، الحرب اللبنانية أرغمته على ترك الحوادث ليؤسس ويرأس تحرير مجلة المستقبل فى باريس.

خوري بدأ حياته مديراً عاماً للبرامج فى الإذاعة اللبنانية فى عهد الرئيس فؤاد شهاب قبل أن يعمل بالصحافة، وجذبت كتاباته للإفتتاحيات فى الأهرام والنهار والمستقبل جذبت وخلقت له جمهور من القراء لاحصر له فى العالم العربي ، وهو أديب وقاص واذاعي معروف، نشرت له حتى الآن عشرة مؤلفات في القصة والرواية و المقالة آخرها «رأي في 3000يوم» لم يصدر حيث جاء نبيل يومها الى بيروت لتصحيحه والإطلاع على بروفات الطباعة، إلا انه أصيب بانهيار مفاجئ لحظة وصوله الى مطار بيروت نقل على اثرها الى المستشفى وقد ساءت حالته ودخل في غيبوبة لمدة عامين الى أن فارق الحياة.  ورثاه رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري في كلمة بعنوان «نبيل رحل» وجاء فيها: «رحل المقدسي العربي نبيل خوري الرجل الصحافي الكاتب. احتضن هموم الوطن الواسع في حياة حفلت بالعطاء رغم هموم العيش في غربتين. كان يقول دائماً انه عاش في غربتين: الأولى عندما خرجت من القدس والثانية عندما خرجت من بيروت… غدرت به الكوما فلم تمهله فسحة لوداع الأحبة والاصدقاء. هذا الذي كان يملأ المكان حياة وضحكاً وحيوية، المحتل صفحات الصحف ودور النشر وبرامج الإذاعات، العاشق للحرية والقلم. لم يقل لأحد وداعاً. لعله غفا مطمئناً الى أن ضوء «المصباح الأزرق» سيبقى مضيئاً الطريق «ليلة القبض على الصحافي».

المزيج المدهش من سليم اللوزي صاحب (الحوادث) اللبنانية، الجرأة والتحقق و نبيل خوري العطاء، سليم نصار وهدي الحسيني بتحليلهم السياسي العميق و راجح الخوري المحلل الرصين والكلمة الجريئة، الواسع الثقافة والإطلاع، والشاعر والأديب هنري زغيب وقسمه الثقافي قبل أن تنتقل المجلة للندن، ريمون عطالله وانطوان حيدر فى ” مطبخ ” المجلة أصحاب النهكة المميزة لصفحات المجلة الرشيقة، نشأت التغلبي محرر الشؤون العربية،  ومحمد جلال كشك ذلك العائد من اشتات الماركسية الي رحاب الإسلام وهو شديد الإعتزاز بحسبهِ ونَسبهِ من أعرق أسرة أرستقراطية. كان أبوه قاضياً في المحاكم الشرعية، قال عنه في أحد كُتبه: “إنه أول مَن أصدر حُكماً شرعياً في مصر بتكفير البهائيين”!

جمعت سليم اللوزي بجلال كشك علاقة خاصة، فهو الذي احتضنه فى بيروت بعد أن أغلقت جميع النوافذ أمامه فى مصر وأصبح بلا عمل فى السبعينيات، فضمه اللوزي لأسرة مجلة ” الحوادث”، لكن كثيرًا ماكانوا يختلفون فى الرأي وأسلوب العمل مما يغضب اللوزي، لكن كشك عنيد. ومع إعتزاز جلال بآرائه وأفكاره كان أشدّ وأعنف، فالويلُ الويلُ لمن يخالفه الرأي، بلْ الويل -كل الويل- لمن يقطع حديثه!

كشك كان صحفياً قديراً ، وهو أحد نجوم مجلة «الحوادث» اللبنانية التي صنعها باقتدار الصحفي

اللبناني الراحل سليم اللوزي. كان كشك يكتب أكثر من موضوع في العدد الواحد، يوقّع واحداً باسمه،

والأخرى يوقعها بقلم «ج. ك.». وكانت موضوعاته جزءاً من أهمية مجلة «الحوادث» أيام عزها، فضلاً

عن أن محمد جلال كشك كان باحثاً جاداً ومختلفاً، وهو من أهم الكتّاب المصريين، لكن حظه فيها لم

يكن يليق به. فقد استبعد بسبب نقده لثورة يوليو، على رغم انه أغنى المكتبة العربية بكتب قيّمة، مثل: «السعوديون والحل الإسلامي»، و«دخلت الخيل الأزهر»، و «الحوار أو خراب الديار»، الذي صدر خلال المواجهات مع الإسلاميين، وغيرها من الكتب المهمة، فضلاً عن أنه عاش حياة صحافية وفكرية ثرية ومثيرة.

معرفتي بجلال كشك تعود لأيام بيروت، وإقتربت منه أكثر بعد أن إنتقل الى لندن مع الحوادث، عندما لجأ لي لطباعة  كتابه “السعوديين والحل الاسلامى – مصدر الشرعية للنظام السعودي” الذي صدر عام 1981 .. كتاب تاريخي، تحليلى.. منحازا لآل سعود وصادرا في المملكة وتحت رعايتها وإشرافها ووزع على العاملين بكل وزارات المملكة مجانا ، فى مجلد فاخر يضم 800 صفحة من القطع الكبير، طبعته بمطابعي فى لندن، رغم إختلافي معه فى الكثير من آرائه، تعاملت معه كعميل أتي الى مطابعي، و مع الكتاب شأنه شأن أي مطبوعة آخري أتعامل معها، بصرف النظر عن التوجهات العقائدية أو الدينية أو السياسية، ومن معتقد أن الطباعة عبارة عن صناعة تتعامل مع أي إنتاج فكري بشكل مجرد، دون التدخل فى محتواها والمعتقدات التي تحملها ولا الترويج لها أو تسويقها..

بيعت النسخة من كتاب كشك بمائة ريال سعودي، وهو مبلغ ضخم بأسعار الثمانينيات.

فوجئ المسئولون السعوديون بعد مطالعة الطبعة الأولى من الكتاب، ان الوثائق والمعاهدات المنشورة بالكتاب تسئ لصورة الملك المؤسس، وتوضح حقيقة علاقته بالبريطانيين، ودورهم فى دعمه وتأسيسه لمملكته، لذا طلبوا من كشك وناشر الكتاب سحب تلك الطبعة من الكتاب لتنقيحها، وإصدار طبعة أخرى بدون تلك الوثائق والمعاهدات، وقد تم ذلك فعلا.
 

شاهد أيضاً

عشق الرائحة فى الصحافة المطبوعة !

  لاشك انه من المبكر نعي الصحافة المطبوعة . فلديها قرّاؤها ولديها جمهورها ، فعشق …