
سفير الصين لدى دولة قطر
في يونيو/حزيران عام 2026، أصدرت الحكومة الصينية الكتاب الأبيض بعنوان “بناء نظام حوكمة عالمية أكثر عدلا وإنصافا: رؤية الصين ومبادراتها وإجراءاتها”، ويستعرض رؤيتها بشأن هذه القضية المهمة، وذلك من أجل حشد توافق دولي أوسع لمواجهة التحديات العالمية بشكل فعال وبناء نظام حوكمة عالمية أكثر عدلا وإنصافا.
تنبع الأفكار الجوهرية لنظام الحوكمة العالمية من المبادرة التي طرحها الرئيس الصيني شي جين بينغ في عام 2025. وفي المنعطف التاريخي الحاسم المتمثل في الذكرى الثمانين للانتصار في الحرب العالمية ضد الفاشية والذكرى الثمانين لتأسيس الأمم المتحدة، طرح الرئيس شي جين بينغ رسميا مبادرة الحوكمة العالمية، مقدّما الحل الصيني للإجابة عن السؤالين الرئيسيين اللذين يواجههما العصر: ما نظام الحوكمة العالمية الذي ينبغي بناؤه؟ وكيف يمكن إصلاح الحوكمة العالمية وتطويرها؟
تدعو مبادرة الحوكمة العالمية إلى الحفاظ بحزم على النظام الدولي المتمركز حول الأمم المتحدة، والنظام الدولي المدعوم بالقانون الدولي، والقواعد الأساسية للعلاقات الدولية التي تقوم على أساس مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، بدلا من إنشاء منظومة جديدة.
حظيت المبادرة منذ طرحها بدعم واستجابة واسعة من نحو 160 دولة ومنظمة دولية، كما بادرت أكثر من 60 دولة إلى الانضمام إلى مجموعة أصدقاء الحوكمة العالمية.
ويرى المجتمع الدولي أن المبادرة تبعث برسالة واضحة تدعو إلى رفع راية تعددية الأطراف وتوحيد القوى المشتركة والسعي لتحقيق مستقبل عادل، مما يوفر مسارا واضحا وقابلا للتطبيق لتحسين الحوكمة العالمية، ويضخ استقرارا قيما وطاقة إيجابية في عالم مضطرب.
في عالم اليوم، تتعدد بؤر الصراعات الجيوسياسية، وتتضح بصورة متزايدة ملامح إعادة تشكيل النظام الدولي، وتتفاقم تجزئة الاقتصاد العالمي، بينما يقود الذكاء الاصطناعي جولة جديدة من الثورة التكنولوجية والتحول الصناعي .
ويمكن القول إن العصر الذي نعيشه يشهد تغيرات كبرى لم يشهدها العالم منذ قرن. وفي هذا السياق، بات العالم بحاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى إحياء التعددية، والتمسك بالقواعد وسيادة القانون، وتعزيز فاعلية الحوكمة.
تتضمن مبادرة الحوكمة العالمية خمسة مفاهيم جوهرية، وتقدم حلولا تواكب متطلبات العصر للمشكلات العالمية:
- أولا، الالتزام بالمساواة في السيادة: فالدول، سواء كانت كبيرة أم صغيرة، قوية أم ضعيفة، متقدمة أم نامية، هي أعضاء تتمتع بمكانة متساوية في المجتمع الدولي. ويجب احترام سيادة كل دولة وكرامتها، كما يحق لجميع الدول المشاركة في الحوكمة العالمية، واتخاذ القرارات، والاستفادة منها على قدم المساواة.
- ثانيا، الالتزام بسيادة القانون الدولي: فمن شأن نظام الحوكمة العالمية القائم على سيادة القانون أن يوفر لجميع الدول بيئة عادلة ومنصفة للتنمية، ويضمن التوازن بين الحقوق والواجبات، ويدفع بالنظام الدولي نحو مسار أكثر عدلا وإنصافا.
- ثالثا، الالتزام بتعددية الأطراف: فلا يمكن لأي دولة أن تحقق التنمية خارج نظام الحوكمة العالمية، كما لا يمكنها تأمين مستقبلها دون المشاركة في التعاون الدولي.
حيث إن الآليات متعددة الأطراف لها أهمية كبيرة في حل المشاكل العالمية وهي المسار الوحيد القابل للتطبيق.
- رابعا، الالتزام بوضع الشعب في المقام الأول: إذ إن شعوب الدول هي المشاركة الأساسية والمستفيدة الرئيسية من الحوكمة العالمية. يهدف نظام الحوكمة العالمية إلى تحقيق مصالح الشعوب، وتوفير الثقة والتوقعات المستقرة للمواطنين بشكل مستمر.
- خامسا، الالتزام بتحقيق نتائج ملموسة: إن الحوكمة العالمية تستمد حيويتها من الممارسات، وترتكز على الإجراءات، ويقاس نجاحها بفاعليتها. يجب على المجتمع الدولي تحديد أهداف مشتركة، واعتماد نهج موجه نحو حل المشاكل، والعمل بصورة منسقة ومشتركة.
انطلاقا من هدف بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، تعمل الصين بنشاط على دفع بناء نظام حوكمة عالمية أكثر عدلا وإنصافا، وتدعو إلى التمسك بعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والالتزام بالحلول السياسية، والموضوعية والإنصاف، والجمع بين معالجة الأسباب السطحية والجذرية، وبالتالي فهي رائدة في ممارسة ناجحة لنهج ذي خصائص صينية في معالجة القضايا الساخنة.
فيما يخص القضية الفلسطينية الإسرائيلية، دفعت الصين مجلس الأمن لاعتماد أول قرار بوقف إطلاق النار في غزة منذ اندلاع الجولة الجديدة من الصراع، وقدمت مساعدات إنسانية عاجلة لغزة، وأعربت عن دعمها الواضح لحل الدولتين، وعملت على دفع التوصل إلى تسوية عادلة وشاملة ودائمة للقضية الفلسطينية. وفيما يتعلق بدفع المصالحة، ساهمت الصين في تحقيق المصالحة التاريخية بين السعودية وإيران واستئناف العلاقة الدبلوماسية بينهما، كما جاء 14 فصيلا فلسطينيا إلى الصين لإجراء حوار المصالحة وتم خلاله توقيع “إعلان بكين”، وقد لاقت “موجة المصالحة” في الشرق الأوسط ترحيبا واسعا.
وفيما يخص معالجة الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وإيران، طرحت الصين مقترحا من أربع نقاط لتعزيز السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، ويتضمن المقترح الالتزام بمبادئ التعايش السلمي، والسيادة الوطنية، وسيادة القانون الدولي، والالتزام بالتنسيق بين التنمية والأمن.
كما طرحت الصين مع باكستان المبادرة ذات النقاط الخمس بشأن استعادة السلام والاستقرار في الخليج ومنطقة الشرق الأوسط، مما أسهم بدور إيجابي مهم في الإسراع باستعادة السلام والاستقرار في المنطقة.
تنتمي الصين وقطر إلى الجنوب العالمي، ويتشارك الجانبان في توافق واسع حول الحفاظ على تعددية الأطراف، ودفع التنمية المشتركة، والدفاع عن العدالة والإنصاف الدوليين، كما يسهم كل منهما إسهاما إيجابيا في دفع إصلاح نظام الحوكمة العالمية.
وتُعد قطر قوة دافعة مهمة للسلام والتنمية في العالم، وتضطلع بدور وساطة فريد في العديد من القضايا الساخنة، إذ تدعو دائما إلى حل القضايا الإقليمية عبر الحوار والتشاور، وتعارض اللجوء المتسرع إلى استخدام القوة، وتعمل على دفع وقف الحرب وتعزيز السلام، بحيث نالت تقديرا واسعا من المجتمع الدولي.
تأمل الصين في العمل مع مختلف دول العالم، بما فيها قطر، على تنفيذ مبادرة الحوكمة العالمية بشكل مشترك، والدفاع بثبات عن المكانة المحورية للأمم المتحدة، وإبراز الدور الحاسم للجنوب العالمي، وبذل جهود دؤوبة من أجل الدفع نحو بناء نظام حوكمة عالمية أكثر عدلا وإنصافا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
مجلة 24 ساعة