يصعب على المرء إخفاء دهشته المتواصلة وهو يتابع نشاطات مهرجان لوميير السينمائي في ليون، متنقلاً بين الصالات العديدة الموزعة في أرجاء المدينة التي هي الثالثة في فرنسا من حيث الحجم، والدهشة تصمد حتى بعد خامس عودة إلى ليون لحضور هذه التظاهرة التي خطر لكل من المخرج الفرنسي الشهير برتران تافيرنييه وتييري فريمو، إطلاقها لتصبح واحداً من أهم منابر الأفلام الكلاسيكيةالمرممة حديثاً. الرجلان، وهما من أبناء المدينة، من أصحاب الباع الطويل في نشر حب السينما في بلد يملك تراثاً هائلاً في هذا المجال، الأول شغل منصب رئيس معهد لوميير (منظم الحدث) حتى وفاته العام الماضي، والثاني مديره إضافة إلى كونه المفوض العام لمهرجان كان وليون، بالنسبة إلى هواة السينما، هي مدينة مخترعي السينما الأخوين لوميير، اللذين أعطيا اسميهما للمعهد والمهرجان، حتى إن هناك شارعاً يعرف بـ”شارع الفيلم الأول” يقع فيه المعهد، حيث مقر المهرجان، ففي عام 1985، أي قبل 127 عاماً، نصب لوي لوميير كاميراه في هذا المكان ليصور خمسين ثانية مما أصبح لاحقاً أول فيلم في تاريخ السينما: “خروج من مصانع لوميير”.
منذ البدء، وضع مهرجان لوميير هدفاً واضحاً: رد الاعتبار إلى تاريخ السينما والانشغال بصونه وإعادة تقديمه لمن يتوق إلى اكتشافه والاحتفاء بمحطاته المضيئة، وفي هذا يكمن الفرق الشاسع بينه وبين سائر التظاهرات السينمائية، صحيح أن هناك بعض العروض الأولى لأفلام حديثة، لكن معظم البرنامج يتشكل من أعمال تعود إلى عقود مضت، وهي ذات أنواع ثلاثة: كلاسيكيات خالدة يعرفها الجميع، أعمال مهمة تحتاج إلى من يذكرنا بأهميتها، أفلام قليلة العرض تستحق الاكتشاف، هذا ما هو عليه مهرجان لوميير، وليس مستغرباً في مكان كهذا أن تشاهد في يوم واحد ثلاث أو أربع روائع بصرية تنبعث من جديد دفعة واحدة.
“البريء” فيلم الافتتاح
الافتتاح لحظة مدهشة أخرى الحديث عنه لا يشبه حضوره، أكثر من خمسة آلاف شخص يجتمعون في قاعة توني غارنييه المتعددة الاستخدام أمام شاشة ضخمة في انتظار لحظة تعلن فيها مجموعة من الضيوف افتتاحية تسعة أيام من الاحتفاء بالسينما بجميع أشكالها وأنواعها، من الأكثر شعبيةً إلى الأكثر نخبويةً.هذا العام كان فيلم الافتتاح “البريء” للمخرج الممثل الفرنسي لوي غاريل الذي قدم كوميديا لطيفة لا تشبه أفلامه السابقة، القصة عن عائلة تتورط في عملية سطو مسلح على شاحنة تنقل الكافيار الباهظ الثمن، صالة توني غارنييه تحولت كما في كل عام إلى أكبر صالة سينما مقفلة في العالم، أما الجمهور فتجاوبه مع الفيلم والمقدمة الطويلة (ساعة ونيف تقريباً حيث تم تقديم أبرز مضامين الدورة) ترك غاريل وفريق “البريء” في حالة ذهول. مَن لا يحلم أن يقدم عمله أمام هذا الكم من المشاهدين الذين صفقوا وقوفاً لفيلم صور في مدينتهم، وكان هذا سبباً إضافياً للترحيب به.
وهذا الجمهور الكثيف دعونا نتحدث عنه، إنه جمهور لم أر مثيلاً له في قدرته على “قضم” الأفلام، عشقه للسينما ومتابعته الدؤوبة لنشاطات لوميير واحترامه للفن والفنانين.)
هذا كله من الأمور التي يراهن عليها المهرجان، الجمهور هو الرصيد الأكبر، علماً ان المدينة لا تبخل على المشاهدين بالثقافة والفن، إذ إن الفعاليات الثقافية والفنية متواصلة على مدار العام، والجمهور الليوني بقعة ضوء في عتمة هذه المدينة المكتظة بالمهاجرين التي ترفع شعار التنوع. تسنى لي الاحتكاك بعديد من المشاهدين طوال أسبوع من تغطيتي لأفلام المهرجان ونشاطاته، والطوابير الطويلة التي كانت تجمعني بهم أضحت مناسبة لتبادل بعض الآراء والكلام في السينما، مما جعلني أكتشف يوماً بعد يوم مدى ثقافة هؤلاء الناس، ولأنهم حريصون على الحضور إلى العروض قبل موعدها بفترة معينة لحجز أماكن جيدة، فهذا يتيح المجال للتواصل بين الناس، والجمهور متنوع ومتعدد وإن طغى عليه المتقاعدون الذين يسجلون حضورهم في المهرجان لأسباب مختلفة، أحد تلك الأسباب هو شعورهم بالحنين إزاء زمن شاهدوا فيه تلك الأفلام، هذا وقد تلمس عند بعضهم الآخر الرغبة في أن يشعروا بإمكانية الاكتشاف في عمر متقدم نسبياً.
مجلة 24 ساعة