كان محمد خان في الرابعة والسبعين عندما غاب على نحو مفاجئ، تاركاً خلفه مسيرة سينمائية حافلة بالأفلام التي أصبحت جزءاً من ذاكرة السينما المصرية. عند اللقاء به، كان يلفت الانتباه لديه ذلك الإحساس النبيل الذي لم يفارقه: إيمانه بأن السينما فعل حياة قبل أن تكون فناً وصناعة وحرفة، وقبل أن تتحول إلى أرقام ونجاحات ومكانة على السجادة الحمراء للمهرجانات الدولية الكبرى، التي بقيت أبوابها موصدة أمام جيل السينمائيين العرب الذي انتمى إليه.

بعض المخرجين يتركون وراءهم أفلاماً ناجحة، وآخرون يخلّفون مدارس وأساليب تؤثر في أجيال لاحقة. أما محمد خان، فقد ترك أيضاً نظرة رقيقة تجاه البشر، وحساسية خاصة في التقاط التفاصيل التي تصنع حياة الشخصيات على الشاشة. كذلك ترك إرثاً من الشغف السينيفيلي. كان يتابع جديد السينما بشغف الباحث والعاشق، ولم يكن يكتفي بجمع المعرفة، وإنما يناقش ويحاجج انطلاقاً من رؤية نقدية واضحة تجاه الأفلام والمخرجين والتيارات السينمائية. تلك القدرة على الجمع بين الممارسة والوعي النقدي كانت من السمات الأكثر ندرةً بين كثير من السينمائيين العرب، وجعلت من خان مخرجاً يرى السينما من الداخل والخارج في آن واحد: صانعاً للصورة، وقارئاً عميقاً لمعانيها وأبعادها.
قبل رحيله بفترة، وخلال انعقاد مهرجان القاهرة السينمائي، جمعتني بخان جلسة مع صديقه الصحافي والناقد السينمائي الشهير يوسف شريف رزق الله، الذي تولّى إدارة المهرجان في ذلك العام. كان خان يومها عضواً في إحدى لجان التحكيم، وكنت أتناول العشاء معه في كانتين الفندق، عندما وصل رزق الله وانضم إلينا. قادنا الحديث إلى السينما الأميركية في الأربعينيات والخمسينيات، تلك الحقبة التي كان الرجلان يكنّان لها عشقاً خاصاً. أفلام بالأبيض والأسود، أعمال منسية، كنوز سينمائية مطمورة في ذاكرة قلّة من العشّاق الذين ظلوا أوفياء لتاريخ الشاشة.
راح رزق الله يطرح على خان أسئلة عن أسماء مخرجين، وممثلين، وتواريخ إنتاج أفلام من الماضي، كأنه يخضع ذاكرته لاختبار ودي. استجاب خان للعبة بشغف، ودخل معه في هذا التحدي المحبّب، قبل أن يتحول النقاش إلى “خلاف” حول التيارات السينمائية الأكثر تأثيراً في تاريخ الفن السابع. كان لي رأي مختلف عن رأيهما، لكنني أدركت سريعاً أنني أمام نموذج نادر من عشّاق السينما الموسوعيين. ذلك الصنف الذي بدأ يتراجع تدريجاً أمام سرعة العصر وتبدّل طرق اكتشاف الأفلام. لم ألمس أي ادعاء بالمعرفة، ولا ذلك النوع من الاستعراض الثقافي الجاف. كان الأمر أقرب إلى حب طفولي صادق للأشياء.
اللغة الوحيدة

لم يكن خان يعيش على أمجاد الماضي (له 24 فيلماً روائياً طويلاً أقربها إلى قلبه “موعد على العشاء” بطولة سعاد حسني وأحمد زكي). كان يشاهد، ويناقش، ويختلف، ويضحك، ويحضر الندوات والعروض، كما لو أن علاقته بالشاشة بدأت للتو. بدت السينما وكأنها اللغة الوحيدة التي وجد نفسه يتقنها. حتى عندما كان يتحدث عن طفولته، تبدأ الحكاية دائماً من دار العرض. السينما هي الإيقاع الذي انتظمت عليه حياته. يروي كيف كان يشاهد أربعة أو خمسة أفلام أسبوعياً وهو صبي، ويقول بابتسامته الطفولية وصوته الذي لا يزال في أذني: “السينما أمر شبيه بالتدخين”. توصيف دقيق لإدمان جميل استمر حتى يومه الأخير.
نشأ خان في الخمسينيات، ولطالما تذكر أسماء الصالات كما يتذكر المرء أسماء أفراد عائلته. سينما “برادي” و”الصيفي”، ويوم الإثنين الذي يحمل معه فيلمين جديدين… كلها تفاصيل بقيت حاضرة في ذاكرته بعد عقود طويلة. ذلك الطفل الذي كان يهرب من المدرسة لمشاهدة فيلم، ثم يعود ليروي أحداثه لأستاذ اللغة الفرنسية العاشق للسينما، لم يغادره. حتى أنه كان يخترع أفلاماً من نسج خياله ويحكيها لزملائه على أنها أعمال شاهدها بالفعل، فيصدقونه! يصعب العثور على حكاية تكشف طبيعة محمد خان أكثر من هذه الحكاية، ففيها المشاهد، والحكّاء، والمخرج الذي كان يولد تدريجاً ولا يدري ذلك.

خان ابن وحيد لعائلة تقاطعت فيها الثقافات. أب باكستاني، أم إيطالية ولدت في مصر في زمن كوزموبوليتي آخر، وجواز سفر بريطاني رافقه سنوات طويلة قبل أن يحصل على الجنسية المصرية بقرار رئاسي قبل نحو عامين ونصف العام على رحيله. وصف نفسه بـ”البزرميط”، ولكن هذا الخليط بدلاً من أن يدفعه إلى البحث عن هوية بديلة، جعله أكثر التصاقاً بالمكان الذي أحبّه ونشأ فيه وعاش. كان يتحدث عن الوطن بطريقة تختلف عن الخطابات الرنانة. بالنسبة له، الوطن هم الناس. فإذا شعر بأن الناس يرفضونه، يصبح المكان غريباً. أما الأرض وحدها، فلم تكن تكفي لتعريف الانتماء. خان ضاق بالشعارات واستبدلها دائماً بتجربة الإنسان. القاهرة في أفلامه لها مزاجها وطباعها وتناقضاتها. يعرف أحياءها، ويعرف إيقاعها، ويعرف كيف تتحول الأرصفة والمقاهي والحافلات إلى عناصر درامية لا تقل أهمية عن الممثلين. إنها القاهرة التي يعيش فيها الناس العاديون، الذين يركضون خلف لقمة العيش والحب والكرامة والأحلام الصغيرة.
عندما سافر إلى لندن لدراسة الهندسة، اكتشف بالمصادفة أن السينما يمكن أن تُدرَس. قال إن عبارة واحدة غيّرت حياته كلها، عندما أخبره زميل سري لانكي: “أنا أدرس السينما هنا”. التحق بـ”لندن سكول أوف فيلم تكنيك” (“عبارة عن شقتين في سوق خضر”)، اكتشف يومها أن خلف عملية الإخراج عالم كامل لم يكن يراه وهو طفل. أما لندن الستينيات، المدينة التي كانت تعيش انتفاضة فنية وثقافية وموسيقية فصنعت جزءاً من وعيه. الرجل الذي تأثر في شبابه بهيتشكوك وأنتونيوني وغودار وتروفو وملفيل، لم يقع في فخ التقليد. كان بريطانياً عندما يتحدث عن سنواته في لندن، ومصرياً قحاً حين يقف خلف الكاميرا، وعابراً للانتماءات في فهمه للسينما. وظل مصرياً إلى أبعد حد في خياله السينمائي.
ما كان يثير الإعجاب فيه أنه لم يتوقف عن التعلم. كثير من المخرجين يكتفون بالأفلام التي صنعتهم، ثم يتحولون إلى حراس لماضيهم. أما خان، فظل حتى النهاية يطارد كل جديد، معايناً الأفلام الجيدة والسيئة على السواء، رافضاً فكرة إن الوقت لا يُمنَح إلا للروائع. في نظره، حتى الفيلم الرديء قد يكشف شيئاً عن عصره أو عن صانعه أو عن الجمهور الذي يتوجه إليه.
ولعل أجمل ما قاله خلال أحاديثنا المتكررة، كان رداً على سؤال عن اللحظات المصيرية التي قد تدفع الفنان إلى التفكير في هويته أو في موقعه من العالم. أجاب ببساطة: “أعيش اللحظة. أستمتع بإنجاز الفيلم. مثل الرسام الذي يستمتع برسم لوحته”.
Independent News
مجلة 24 ساعة