الرئيسية / كلمة العدد / سيرة قلم و تجربة انسان !
مودي حكيم
مودي حكيم

سيرة قلم و تجربة انسان !

لن تحرز النجاح وأنت تنظر أسفل قدميك ، أجعل سفوح الجبال غايتك ، فإن لم تصل إليها فستقترب منها لامحالة ، أمنت طوال رحلتى فى الحياة وخاصة فى غربتي بمقولة الروائية الفرنسية جورج صاند ” أذ لم أجد طريقي فى الأرض المعبدة ، فسأقتحم القمم الصخرية الشاهقة دون تذمر لأنى أعلم أن فى كل جهد الجزء الكافي عنه وأن الآفاق الواسعة تنتظرني فى آخر الطريق ” .
كانت هذه أيقونة نجاحي ، السعى والصبر والاجتهاد ، اقتحمت عالم غامض ، رغم وجع الغربة لأثبت اقدامي فى دنيا الإعلام ، ايقونتى  جذبت الصحافة المهاجرة والباحثين عن رحيق الجودة التصميمية والطباعة ، وفتحت ابواب لى فى السودان ولبيبا والسعوديه و المغرب ، ووضعت فؤاد مطر فى طريقي لأتعايش مع تجربة انسان .  . 
***
جمعنا انا و مطر الحنين لمصر والاجواء الصحافية المصرية واصدقاء مشتركون ، ثم أتت السودان وكان اللقاء بعد عودتى منه مباشرة ،  ليسألني باهتمام وبالتفاصيل عن آخر الآخبار وبمن قابلت والتقيت ، وله خبرته العريقة فى الشأن السوداني ، وعايش سنوات الحلو و المر فى المسيرة السياسية السودانية من شماله إلى جنوبه ، من صداقات ربطته بكل قيادات كل الطوائف و الاحزاب ممثلة فى اسماعيل الأزهري ، محمد أحمد محجوب ، الصادق المهدي ، و حسن الترابي ، و الشريف حسين الهندي ، عبد الخالق محجوب ، الشيخ على عبد الرحمان ، السيدة فاطمة ابراهيم ، الشيخ أحمد الشيخ ، والرئيس النميري ، والفريق أول عبد الرحمان سوار الذهب ، وعشرات القيادين المدنيين والعسكريين و رموز العمل الدبلوماسي والاعلامي ، وانتجت حصة اهتماماته السودانية مؤلفات أهمها ” الحزب الشيوعى السوداني نحروه أم إنتحر ” ،” سنوات نميري بحلوها و مرها ” ، ” أنتكسوها أم إنتكست ” وكتاب ” السودان الحائر ..الثائر .. الحائر ” . 
 
كان لقائي معه فى مكتب شركته الجديدة بمنطقة هولبورن ، الملاصقة لشارع الصحافة فى لندن ” فليت ستريت ” حيث أسس شركة للنشر تحمل تسمية “هاي لايت” صدرت عنها مجلة اسبوعية سياسية إسمها “التضامن” . وبالتعاون مع صحيفة “فايننشال تايمس” أدخل إلى المجلة ملحقاً اقتصادياً اسبوعياً بتسمية “التضامن بزنيس” وكان رائداً في هذا المجال ، يومها كان فى صحبته زوجته امتثال الجويدي وابنه البكر عامر ، وانضم الينا الصحفى الفلسطيني الأصل بكر عويضة الذي كنت قد تعرفت عليه فى البداية كمدير لتحرير جريدة العرب ، محطته اللندنية الأولي ليشد من أزر الإعلامي والوزير الأسبق أحمد الهوني في أصدار أول مطبوعة عربية يومية فى عاصمة الضباب . ويومها أختاره مطر ليكون نائبًا لرئيس تحرير المولود الجديد ، مستقطبا معه كوكبة غنية من الكتاب أمثال زكريا تامر وفاتح التيجاني ومدني صالح وماجد السامرائي وعثمان العمير و ابراهيم البرجاوي وغيرهم من الكتاب العرب. وبالطبع عثمان الميرغني الخل الوفي لبكر عويضة الذي رافقه طوال رحلته الاعلامية فى لندن ، ثم أنضم الزميل انطوان حيدر وأخرون لأسرة التضامن . 
بالإضافة إلى مجلة “التضامن” التي شعارها “مجلة العرب من المحيط إلى الخليج” أصدر مجلة “الرشاقة” أول مجلة متخصصة في قضايا الصحة والغذاء والجمال،وذلك بالتعاون مع المجلة البريطانية الرائدة في هذا المجال”سليمنج ماغازين”. وإلى هاتين المجلتين أصدر مجلة “عالم المعارض  Expo World ” التي تغطي نشاطات ظاهرة المعارض التي إنتشرت في منطقة الخليج وبالذات في دبي. كما بدأ عملية نشر مشترك للكتب بالعربية مع “جامعة كمبردج”.
***
اللقاء مع فؤاد مطر كان للاتفاق على أن أتولي عملية الانتاج لمجلته الجديدة ، بعد أن فشلت الترتيبات والمحاولات التي تولتها شخصية تعاقد معها مطر للأنتاج الاسبوعي للمجلة مما دعي لتأجيل الاصدار أكثر من مرة ، رغم أن الشخصية تنتمي لواحدة من كبري العائلات اللبنانية السنية ، عائلة الصلح ، فالشاب خلدون كاظم الصلح كان بحياته مواكبًا لعمه تقي الدين الصلح وكان يده اليمني بالانتخابات فى البقاع كذلك أثناء رئاسته للوزارة ، وكان والده يجد فيه وسيلة قادرة على تجميع الطلاب فى المدارس حول الخط السياسي القومي العربي ، وشأنه شأن العديد من أفراد عائلته رحلوا من لبنان ، فى لندن ارتبط بعلاقة قوية بالنظام العراقي ، وبعلاقات مقربة بالدكتور ناجي صبري الحديثي ” المعروف بأسم أبو ندى ” مدير المركز الثقافي العراقى قبل أن يعود الى بغداد لمؤسسات وزارة الثقافة والإعلام ، ويتولي مساعده ومعاونه الاعلامي سعد البزاز مسؤلية أدارة المركز ، وكان من الطبيعي أن يقدم الرئيس ومعاونه خلدون الصلح لمجلة ” التضامن ” الممولة من العراق . لم يوفق الصلح فى أدارة انتاج المجلة فالرجل رغم أنه كان وليفا لكل الناس على اختلاف دولهم وأعراقهم ومذاهبهم ، يدخل بحماس فى أعمال وخدمات ليس مؤهل لها ولايملك من الامكانيات لتنفيذها ، فهو يستخدم شركات من الباطن لتنفيذ أى عمل يكلف به ، ودائما يختلفا ويسقط العمل .
خلدون رحمه الله ظل يطارد أي عمل كنت مقبل على التعاقد به أو متعاقد معه بالفعل ، لأسباب لم أجد لها تفسيرًا حتى اليوم ،  مستخدما سلاح ” السعر الأرخص ” ، و دائما يفشل .و صدرت ” التضامن ” بعددها الأول في نيسان (أبريل) 1983. 
..واصبحت انا و فؤاد اصدقاء نتناول الغذاء شبه يومي فى مطعم Richoux ، بطبق سلاط نسواز الفرنسية الشهيرة Salad Nicoise ، وعندما توطدت العلاقة انضمت عائلتينا لنستمتع بالطعام اللبناني وحكاوي الغربة وذكرياته فى مصر التى عشقها بمطعم فخر الدين الشهير وكلا المطعمين بالبيكاديلي على بعد خطوات من مكتبي بالسان جيمز .  
 وفى جو عائلي حكي لى مطر وهو حكاء عظيم  لساعات عن حلمه بالوحدة العربية الذى قضي عمره فى ستينيات وسبعينيات القرن الماضى كمراسل متجول فى كل الدول العربية ، صادق الملوك والرؤساء والحكام وكبار السياسين وصناع القرار ، كانت معظم فترات إقامته بالقاهرة التى أحبها ، وارتبط بالاهرام ورئيس تحريرها محمد حسنين هيكل ، ورحبت به جريدة الأهرام واصبح كواحد من افراد اسرتها الصحافية فى سنوات الصعود السياسي والصحافي . 
ثم توسعت دائرة علاقاته الى السودان فالعراق فليبيا معمر القذافى مرورا بالجامعة العربية ومؤتمرات القمة ووثائق مقرراتها السرية».
***
الرجل لايحتاج الى تقدمة أو تعريف فقد سجل رحلة حياته  بين دفتي كتاب عنوانه: “هذا نصيبي من الدنيا: سيرة حياة .. ومسيرة قلم” ويروى فيه فؤاد مطر سيرته الذاتية.. من ولادته في إحدى قرى بعلبك ونزوله إلى بيروت ليدرس في مدارسها ويتدرج في صحافتها المتألقة في الخمسينيات والستينيات الميلادية. وعن نشأته يحكي عن والدته التى  كانت تقيم فى القرية ثلاثة موالد فى العام تجمع فيها الجارة المسيحية والصديقة السنية والأخوات الشيعيات. وتوضح لهم أن المسلم أخو المسيحى وأننا كلنا عباد الله .
كان ذلك مناخ الخمسينيات والستينيات قبل أن تتلوث لبنان ودول عربية أخرى بداء الطائفية.
كان صاحب نصيب هائل بحكم قراءاته منذ الصغر  فى المعرفة والثقافة والموهبة  .
يكتب بأسلوب صحفى بسيط وسلس دون هبوط باللغة العربية التى يجيدها مع اللغتين الفرنسية والإنجليزية . يعبر بأسلوبه عن الصحافة الراقية التى تتحدث عن مصالح الشعوب وتعبر عن طموحاتهم دون أن ينزلق فى التفاهات أو يعمل لحساب أية أنظمة. مصادره الصحفية هائلة ناتج معرفة بملوك ورؤساء جمهوريات  و زعماء وسياسيون وإقتصاديون وصحفيون كبار بعلمهم وثقافتهم .
و يكمل الحكي فؤاد مطر   ” ..أن التطورات في مصر الناصرية غدت جزءاً من عملي في “النهار” وقد تطلَّب ذلك السفر بمعدل سفرية كل ثلاثة أسابيع إلى القاهرة وبذلك طُويت إضطراراً فكرة الشروع في تحضير كتاب عن الانقلابات السورية إنما من دون صرْف النظر نهائياً.
وفي سنوات الإضطرار تلك واصلتُ إضافة ما تَيسر إلى الإضبارات من معلومات وروايات شهود كما أفادتني لقاءات ببعض رموز تلك الحقبة، أي زمن الإنقلاب الذي قام به حسني الزعيم وأتى عليه إنقلاب سامي الحناوي وصولاً إلى الإنقلاب الذي قام به أديب الشيشكلي ودفع حياته ثمناً.
ثلاثة جنرالات يمكن إعتبارهم الشتلة التي إنتهت شجرة وأثمرت إنقلابات أدخلت سوريا في دوامة، فضلاً عن أن جنرالات الإنقلابات السورية حفَّزوا جنرالات وعقداء ورواد في العراق والسودان واليمن إضافة إلى البكباشيين والصاغات في مصر على خوض هذه التجربة الحنظلية.
وأما الرموز الذين أشرتُ إلى لقاءات جمعتْني الظروف بهم فإنهم الرئيس ناظم القدسي في دمشق ثم أكرم الحوراني في بيروت وميشال عفلق في بيروت ثم في بغداد. والإثنان الأخيران شغلا مناصب وزارية في العهود الإنقلابية السورية الأُولى وكان لكل منهما دور لافت في صعود المرحلة وهبوطها.
ربطت مطر بالأستاذ هيكل علاقة حميمة . أثارت هذه العلاقة حيرة البعض وغيرة البعض، لكنها استمرت وحافظت على الود حتى رحيل الأستاذ. وفؤاد مطر لاينسى وهو يكتب عن الأستاذ زملاء صاحبوه فى برج الأهرام ممن شغلوا مواقع مهمة وكانوا له عونا فى مهامه الصحفية وتأتى فى مقدمتهم المرحومة نوال المحلاوى مديرة مكتب الأستاذ وابنة الأهرام البارة أو أيقونة الأهرام والمرحوم الأستاذ لطفى الخولى الكاتب السياسى ورئيس تحرير مجلة الطليعة الماركسية والمرحوم الدكتور عبدالملك عودة أستاذ العلوم السياسية والذى عمل لسنوات فى مكتب الأستاذ مستشارا سياسيا وصحفيا. و يقول كانت علاقتي  بالأستاذ دائما «أصيلة» صمدت أمام افتراءات من بعض ذوى الهوى الساداتى. علاقة قاربت نصف قرن . 

منذ بداياته أقدم مطر على إصدار العديد من الكتب ، جريئة التناول تتناول أحداثاً ، وملفات حفلت بأسرار ، و حوارات أجراها.  كتب لم تكن تقارير سياسية ، حفلت بتحليلات وشهادات .

احتضنه و شجعه غسان تويني صاحب “النهار” فنشر له كتابه الأول بعنوان: “رؤساء لبنان: من شارل حلو إلى شارل دباس” (1963) . كان من أشد المعجبين بمحمد حسنين هيكل فكانت ملفاته الساخنة و كتبه مصدر الهام له ، وتعلم منه صناعة الكتب واهميتها ، كان متخصصًا في الشأن السوداني ، وله العديد من الكتب والمقالات التى تعد مرجعاً لتاريخ الاحداث السودانية ، وكتابه ” الحزب الشيوعي السوداني : نحروه أم انتحر ”   الذي كتبه عقب احداث الانقلاب العسكري الفاشل الذي قاده الحزب الشيوعي السوداني من أكثر المراجع الموثقة الشاهدة على مرحلة مفصلية فى تاريخ السودان .

كتب تجاوزت الثلاثين كتاباً على هذا النهج التدقيقي التوثيقي التحليلي بمصداقية .يُحدّث فؤاد في مسيرته عن تجربة إصداره مجلة “التضامن” التي فتحتْ صفحاتها للقضايا وللأقلام العربية، مشروعاً ناجحاً في بداياته، لكن للجرأة السياسية أثمانها الفادحة ، كما للنجاح أشباحه التي تسعى لإفشاله، وللأجندات جنود لن تروها.. قاومت “التضامن” لسنوات قليلة، ولكن نجح التآمر في إجهاض التجربة. 

استمرت التضامن التي فتحتْ صفحاتها للقضايا وللأقلام العربية، مشروعاً ناجحاً في بداياته، لكن للجرأة السياسية أثمانها الفادحة ، كما للنجاح أشباحه التي تسعى لإفشاله، وللأجندات جنود لن تروها.. قاومت “التضامن” لسنوات قليلة، ولكن نجح التآمر في إجهاض التجربة. كم عبّرَ طلال سلمان في مقدمته لسيرة ومسيرة فؤاد مطر ، الى أن جاء غزو العراق للكويت ، إرتأى فؤاد مطر كناشر ورئيس تحرير وقْف إصدار “التضامن” و كل المطبوعات الأخري بعد إن اصدر من التضامن 408 عددا ، قراره جاء بعد أن واجه موقفين صادمين:الموقف المتمثل بالغزوة العراقية للكويت والحرب الأميركية – البريطانية بغطاء عربي على العراق لتحرير الكويت عام 1990 وجاء معه ارتباك أسواق التوزيع وتشديد الرقابة على النهج المتوازن لمجلة “التضامن” حيث أن طرفيْ الحدث الكبير أراد كل منهما أن تتبنى المجلة وجهة نظره. 

***

وترك فؤاد مطر وعائلته لندن ، بصحبة زوجته الكاتبة والروائية الفلسطينية امتثال جويدي ، وبقى ابنائه البكر عامر رجل الاعمال ، وغسان خبير الكومبيوتر ، وابنته علياء خبيرة تسويق اللوحات الفنية ، فى لندن ويحكي مطر تجربة العودة  ” فجأة أوجبت العودة من لندن إلى بيروت من أجْل الإستقرار فيها أن أشحن مقتنياتي وكتبي وعشرات الإضبارات التي بعضها شخصي وبعضها يتصل بمكتبي كناشر. وبينما إنصرفتُ إلى البحث بغرض التأليف وكان نتاج خمس عشرة سنة مؤلفات حول قضايا عربية واكبتُ تطوراتها السياسية والظروف المأساوية التي عاشها حكام بعضهم أصدقاء وإنتهت كوارث لبعض الأوطان لم تكن الأمور الإنقلابية مطروحة على بساط شغف الناس بالقراءة عنها ولذا ركزتُ الإهتمام على قضايا أُخرى وكان لي بعد إستقرار العودة إلى بيروت عدد مِن المؤلفات .

” ……” كما كانت العودة من الوطن الثاني بريطانيا (كوني إكتسبتُ جنسيتها) إلى الوطن الأم لبنان ثم مشاعر التقدم في العمر، مناسبة لكتابة مذكراتي التي صدرت بعنوان “هذا نصيبي من الدنيا. سيرة حياة ومسيرة قلم”. “

انها حقا قصة رجل التقيت به فى غربتي الثانية ، جمعنا حب مصر والولاء لمبدعيها ، والاصرار والإرادة والتحدي ،   وهب نفسه لصحافة الحقيقة ، وطاف بقلمه في عمق جغرافيا السياسة والصحافة العربيتين .    

مودي حكيم 

شاهد أيضاً

فى ذكري 23 يوليو :
مجلة يحمل أسمها التاريخ ( 1 )

  تغربت عن بلدي الحبيب مرتين ، تحدثت عن أولها فى كتاب صدر بالفعل عن …