إبْتَهَجَ عبد الرحمن الشرقاوي على أغوار قلبهِ, وهو يَفِرُّ الأوراق بين أصابعه, يقرأها, ثم بتأنٍ كان يعيدها الى الملف المفتوح أمامه. مرات سوىَّ من نظارته على أرنبة أنفه, ومرات هَزَّ رأسه, ومرات أخرى إمتص شفته السفلى بعد حسوة من فنجان الشاي… فلقد وجد فيما يقرأ ما طلب, وتداولنا فيه على مدى أسابيع طويلة: “مكتبة ودار نشر روز اليوسف في لندن”.
حطَّ نظره على وجهي, شعر بمدى شغفي, وتحرقي لسماع رأيه, بما صرفت عليه أسابيع في الإعداد, وَثَبَتْ كلمات حَذرة, قلقة, على طرف لسانه, طفرت في أعماقه رغبة الإفصاح:
” ممتاز… عمل ممتاز, تكتم على المشروع, أعدَّ له متى عدت الى لندن, وكن مستعداً متى أزف وقت الإفصاح عنه… إن إحتجت أي شيء, نسّق مع لويس جريس, فهو ثالثنا, والوحيد الذي على إطلاع كامل بما نعده وننوي عليه”.
على الرغم من الحبور الذي إرتسم على محياه, شعرت أن شيئاً ما تغير. بدا لي واهناً, متعباً, يائساً, هو الذي عرفته منافراً عن حق, ومنافحاً معتداً برأيه, مواجهاً الصعاب بأنَفَةٍ و بِكِبَرٍ, ولا يُهزم, فهو في عزِّ الأزمات التي حاصرته على زمن جمال عبدالناصر, والفترة الأولى من أيام أنور السادات, كان يبدو دائماَ مستبشراً, ومتفائلاً, و… قوياً, لا تفتر عزيمته.
في منتصف ستينات القرن الماضي, كان عبد الرحمن الشرقاوي في أوج عطائه, قَلَماً بتّاراً, سيالاً, لا يعرف الموالسة, يمر على الورق ويترك خلفه عقلاً وضاءاً, مستنيراً, محللاً, منافحاً حديث العارف المتيقن. وكان وحيد زمانه، يملك عنان النثر والنظم, في كتابة المقال السياسي, أم في القصيدة, أم الرواية, أم المسرحية.
وذات صباح من أيام سنة 1964, وكان وقتها من أبرز كتّاب “جريدة الجمهورية”, فوجىء بالإستغناء عن قلمه! مع أربعين كاتباً, بينهم طه حسين وعبد الرحمن الخميسي.
شعر عبد الرحمن الشرقاوي وقتها, وهو أديب وشاعر الثورة, أن جمال عبد الناصر خذله, وعجز عن حمايته, وكانت خيبته كبيرة وممضة.
غدره زمنه, ولم يسقط القلم من يده, رُدَّ له الإعتبار, وعاد الى “الجمهورية” والى المسرح والرواية.
في 15 من مايو (ايار)1971, وقف مع الرئيس أنور السادات ضد من سماهم, وقتذاك, “مراكز القوى”. فكتب عبد الرحمن الشرقاوي مقالاً أحدث دوّياً في جريدة “الأخبار”, قال فيه ما هنا مفاده, أن ما جرى في 15 مايو هو تصحيح ديموقراطي لثورة يوليو.
فما كان من الرئيس السادات إلا أن إتصل بموسى صبري رئيس تحرير “الأخبار”, في ذياك الزمن, وقال له بإعتداد:
“بلّغ عبد الرحمن الشرقاوي, أنني كنتُ أتمنّى لو إستطعت أن أكتب بقلمي, ما كتبه بقلمه”.
وبلّغ موسى صبري عبد الرحمن الشرقاوي, وتجددت العلاقة, وترسخت, ولو الى حين, بين “الريّس”, و”الأستاذ”.
ويصبح عبد الرحمن الشرقاوي على رأس “مؤسسة روز اليوسف”, يديرها عن جدارة وإستحقاق, ويرعى إبنتها “صباح الخير”. وينجح في مهمته أيما نجاح, فوصل توزيع شيخة المجلات “روز اليوسف” الى 165 الف نسخة أسبوعياً, و”صباح الخير” الى 155 الف نسخة, الى درجة أن مطابع الدار لم تستطع أن تتحمل تلك الزيادة الأسبوعية, وقسم التوزيع , في التلبية.
وكان الرئيس أنور السادات يتصل أسبوعياً, مهنئاً عبد الرحمن الشرقاوي بالنجاح الكاسح الذي حققته مطبوعات “دار روز اليوسف”, بإشرافه وإدارته.
ثم بدأت الفجوة تتسع بين “الريّس” و”الأستاذ”. كانت تصرفات السادات في رد الروح للتيارات الدينية, تُشعل هواجس عبد الرحمن الشرقاوي, وهو إبن “الحركة سان سيمونية” Saint-Simonianismوتلميذ طه حسين. كان يرى ويلمس إنهيار المبادىء التي قام عليها حكم الضباط الأحرار.
وعوضاً عن إلقاء الخطاب السياسي في ذكرى قيام الثورة في 23 يوليو, تعمد السادات إلقاء الخطبة في ذكرى المولد النبوي، وبدأ يُحّرض الشريحة العريضة غير الواعية في المجتمع, ويستثير فيها “الإنتماء الديني” بديلاً عن “الإنتماء الوطني”, كما أسر لي عبد الرحمن الشرقاوي في جلسة صفاء في لندن.
وتخوّف الشرقاوي, كما كل الواعين مثله، الى خطورة ما أقدم عليه السادات, أن يتم الإستنفار الديني لدى المسلمين والأقباط على حد سواء.
ولم يلبث أن إكتشف حقيقة النيات وراء “ثورة التصحيح”, التي أيّدها ودعمها, ووجد نفسه مخدوعاً. فالرئيس السادات وجَدَ أنه إن كان تخلّص من اليساريين والناصريين, فقاعدتهما لم تزل حصينة. والمؤيدون لهم كُثُر, فسعى لتكوين “جبهة” مضادة تناصره وتحصنه, وتقويه وتؤيد توجهاته نحو الغرب, وتحافظ على التوازن السياسي الداخلي أمام القاعدة الناصرية واليسارية… فلم يجد بداً من إعادة إحياء “جماعة الإخوان المسلمين”.. فأخرج المعتقلين من أتباع الجماعة والتيار الإسلامي المتشدد, وجعل منهم ركيزة حكمه, يتوكأ عليهم في كل ما يأتيه.
وعندما أخذ أنور السادات يعيد صياغة المجتمع والنظام بإتجاه مغاير لتفكيره, راح عبد الرحمن الشرقاوي يبتعد عن “الريّس”, مبقياً الخلاف مستتراً… الى أن كانت تظاهرات 18 و19 مايو (أيار) 1977.
لم أخف يومها أمام لويس جريس ما شعرت به, بعد لقائي “الأستاذ”. فإكتفى الرجل المجرب, الحكيم, بهز رأسه, وإطلاق تنهيدة عميقة.
فهمت, فيما بعد, أن صمت لويس جريس كان أبلغ من كل الكلام.
***
حملت ملاحظات وتوصيات وإرشادات عبد الرحمن الشرقاوي على خطة عمل وتنفيذ إنشاء دار نشر ومكتبة روز اليوسف في لندن. وعكفت, على الرغم من المهام والمسؤوليات التي كنت أتنكبها و تزداد يوما بعد يوم, على تنفيذ المشروع.
كانت مهمة الدار نشر الكتب القديمة النادرة الوجود في المكتبات, وكان هذا حلم عبدالرحمن الشرقاوي, الى جانب ترجمة أعمال الأدباء والمفكرين المصريين, وإنتقاء مجموعة من الكتّاب العرب لترجمة أعمالهم, بحيث تقوم دار النشر في تعريف الغرب عن الفكر والأدب المشرقي.
ولم أتردد في مفاتحة عدد من العاملين في القسم العربي في “هيئة الإذاعة البريطانية” .BBC وقد ساعدني كين ويتينجهام, الذي كان عاش ردحاً من الزمن في القاهرة, وتعلم اللغة العربية فيها وأصبح يتقنها, يحكيها ويكتبها, فدلّني على عدد من خيرة المترجمين في الإذاعة, وبعضهم كنت على معرفة بهم وصداقة.
أما المكتبة, فقد كنت أخطط لها أن تكون مكتبة إنترناسيونال, على شاكلة ما كانت عليه “مكتبة أنطوان” Antoine في بيروت. فتلك المكتبة الفريدة في العالم العربي كانت تضم ثمرات مطابع العالم, إضافة الى المجلات والجرائد التي تحكي كل لغات الأرض.
وكان مُناي أن تكون المكتبة ودار النشر في الطابق الأرضي من مبنى “مورلي هاوس”, حيث مكاتب “روز اليوسف”, وأبلغت لويس جريس بما أفكر به وأتمناه, فوصلني منه أن “الأستاذ” موافق ومرحب… فباشرت بمفاتحة وكيل المبنى بأمر إنتقالنا الى الطابق الأرضي الوسيع.
وفي ليلة لا أخت لها, إنهار كل شيء, وإندثر الحلم , وتناثر الأمل. فالرئيس أنور السادات, بعدما صفّق لإنجازات عبدالرحمن الشرقاوي, أقاله, وإختفت “روز اليوسف” في لندن.
***
ما أراده الرئيس السادات مما سمّاه “الإنفتاح” هو تخفيف تحكم الدولة في الإقتصاد, وتشجيع الإستثمار الخاص, إلاَّ أن تلك “الإصلاحات” التي إستغنت عن “إشتراكية الثورة” خلقت طبقة, ثرية, منتفعة, وناجحة, قبالتها طبقة متوسطة صغيرة. وجعلت البون شاسعاً بين الإثنين… ولم تكن لتلك “الإصلاحات”, من جهة أخرى, أي تأثير على حياة متوسط الحال, الذي بقي مطحوناً, مسحوقاً, مغلوباً على أمره, يرى طبقة من الناس تنعم وحدها “بخيرات الإنفتاح”, فبدأ التململ والبلبال, والإعتراض على سياسات الرئيس السادات…
وكان يكفي أن يعلن الدكتور عبدالمنعم القيسوني, نائب رئيس الحكومة للشؤون المالية والإقتصادية (وهو كان من الإقتصاديين البارزين الذين عرفتهم مصر) في “مجلس الشعب” عن إجراءات تقشفية لتخفيف العجز, وربط هذه الإجراءات بضرورة الإتفاق مع “صندوق النقد” و”البنك” الدوليين, ورفع الدعم عن السلع الأساسية, منها, الخبز, والشاي, والسكر, والغاز و والبنزين, وسلع أخرى حيوية في حياة المصريين… حتى هدرت الشوارع بالغضب, وعمَّ الإعتراض مدن مصر الكبرى, وكان أن إندس بين المتظاهرين الغلابة مَنْ في العادة ينتهزون الفرص, للنهب والسرقة, فإنتشرت عمليات التكسير والإعتداء على المتاجر, وكان مشهداً كَرِباً تكّرر في غير شارع, وغير مدينة, كانت إنتفضت, وهتفت, وندَّدَت.
وخرج الرئيس السادات عن طوره, و”إنتفاضة الخبز” و”ثورة الجياع” سمَّاها “إنتفاضة الحرامية”, فازدادت الشوارع إشتعالاً, والحناجر هتافاً وتنديداً.
وخلال يومين من تلك الحوادث, قُتل 77 شخصاً, وأصيب 566 بجروج مختلفة, من بينهم 203 عناصر من الشرطة, و633 من المتظاهرين.
و تراجعت الدولة, ولم يتراجع الرئيس السادات عن إتهام الناصريين واليساريين, بإفتعال الشغب.
وبينما جارت غالبية الصحف “الريّس” في الموقف والتسمية, وتبنت إتهاماته, وقف عبدالرحمن الشرقاوي وحيداً, ورفضت “روز اليوسف” تسمية الإنتفاضة بانها “إنتفاضة حرامية”, وأصرّت على أنها إنتفاضة شعبية ضد الجوع والفقر, والقهر الإجتماعي. وكتب عبدالرحمن الشرقاوي عن الإنفتاح السداح مداح, مفّنِداً الأخطاء, ومعّدداً الأسباب, واضعاً النقاط على الحروف.
ولم يستملح الرئيس السادات ما قرأ , فإستدعى عبدالرحمن الشرقاوي, وكان اللقاء فاتراً. إنتظر الشرقاوي, أن يناقشه الرئيس فيما كتب, أو على الأقل, يستوضح بعض النقاط الواردة في المقال, الذي أحدث دوياً في الأوساط السياسية والحزبية والجامعية. إلا أن الرئيس إكتفى بالقول:
“يا عبد الرحمن, الشيوعيين ضحكوا عليك… وصلاح حافظ إللي عينته رئيس تحرير من دون ما ترجعلي, هو الآخر ضحك عليك”.
وسكت, إنتظر أن يسمع رداً من الشرقاوي, أو حتى أن يلمح على قسمات وجهه اي إنفعال, إلاَّ أنَّ “الأستاذ” تمالك نفسه, ظل ساكتاً, ومصغياً, ولم ينجر الى نقاش لا طائل له ولا جدوى مع الرئيس, قد يُحسب عليه وضده. أكمل الرئيس:
” روز اليوسف ما عادت مجلة, أصبحت حزباً سياسياً, يتخذ مواقف ويعارض”.
حشر الغليون المشتعل بين شفتيه, عبَّ نفساً عميقاً منه, وأكمل:
“سأعين آخر, يتولى إدارتها… تعرف ليه؟”.
ولم يجب الشرقاوي, ولم ينجر الى فخ الرئيس, فتابع:
“حتى لا أقرأ “روز اليوسف” و”صباح الخير”, بعد اليوم”.
في اليوم التالي, صدر قرار إقالة عبدالرحمن الشرقاوي وصلاح حافظ وفتحي غانم، وتعيين مرسي الشافعي رئيساً لمجلس الإدارة, وعبدالعزيز خميس مديراً لتحرير “روز اليوسف” و” صباح الخير”، و هو الذي كان أرسل رسالة يستنجد بفيها بالرئيس لإنقاذه من الوضع البائس الذي يعيشه في “دار أخبار اليوم “, ويذكره بأيام قديمة جمعتهما وهما في ريعان الشباب في قضية مقتل أمين عثمان، فكلاهما كان متهمًا.
ولأن السادات كان يعرف في قرارة نفسه أن عبدالرحمن الشرقاوي إعتجن من خميرة طيبة, وهو من الأكابر أصحاب التجارب والخبرات, ومن ذوي العقول النيّرة, والرؤية الشاملة, و الحكمة الخالصة, عيّنه رئيساً للمجلس الأعلى للفنون والآداب, وسمح له بالكتابة الأسبوعية في “الأهرام”. وبعد وفاة يوسف السباعي مغدوراً, تسّلم عبدالرحمن الشرقاوي الأمانة العامة لمنظمة تضامن شعوب آسيا وافريقيا.
بعد صدور قرار الإقالة, دخل عبدالرحمن الشرقاوي مكتب لويس جريس, وقال له:
“يا لويس, أنا عاوزك تنتظر مرسي الشافعى وعبدالعزيز خميس على باب المؤسسة, لتستقبلهم وتصعد بهما هنا إلى مكتبى، لنتناول الشاي والبسكويت ونرحب بهما، وبعد ذلك تطوف معهما بالمؤسسة، لتعرفهما على العاملين فردًا فردًا ، ثم تأتى بهما إلى مكتبى مجدداً لإتمام التسّلم والتسليم”.
فأدخل الشرقاوي بذلك تقليداً, اُتّبع بعد ذلك في المؤسسات الصحفية المصرية.
والحقيقة, أن عبد الرحمن الشرقاوي لم يعرف كيف يصاحب النقيضين, عبد الناصر والسادات, وهذا ضرب من ضروب السياسة الرافضة للموالسة والتملق. ولم يدرك أيضاً, أن ليس عند العرب ساسة, يمكننا أن نخاطبهم, من دون أن نكون عند الله من الآثمين.
وقد تنبه للأمر بعد فوات الآوان.
***
لم يكن مضى ثلاثة أشهر على إقالة عبد الرحمن الشرقاوي حتى تسلمت رسالة مسجلة, وقّعها عبدالعزيز خميس, يطلب مني فيها العودة الى مصر في غضون سبعة أيام, وإغلاق مكتب لندن, وإذا لم أمتثل, أعتبر نفسي مفصولاً من المؤسسة..
أصابني الذهول، ولم أصدق هذا القرار الغريب الذي أُتخذ في لحظة إنطلاق جديدة لمستقبل واعد لمؤسسة حَلِمْ الشرقاوي بأن ينطلق بها الى آفاق جديدة و رؤية متطورة، آملًا أن يجد لها مكانة فى الإعلام الدولي.
حاولت أن أستشف من هذا القرار اذا كان يتعلق بعلاقتي بالأستاذ الشرقاوي, فتبين لي بأن خميس مصاب هو الآخر بعقدة “السَلَف والخَلَف” التي أمعنت في تخلفنا, فبدلاً من يكمل “الخَلَف” ما كان بدأه “السَلَف”, يهدمه, ويلغيه. وهكذا أخذ عبدالعزيز خميس يهدم كل ما بناه الشرقاوي, وألغى كل المشاريع التي كانت تنتظر التنفيذ, فإذا بتوزيع “روز اليوسف” و”صباح الخير” يهبط الى مستويات دنيا.
لم أكن إلتقيت عبد العزيز خميس, ولم يتجشم عناء إستدعائي والتعرف عليّ, وحتى الإطّلاع على عمل مكتب لندن, وما حققه قبل إتخاذ قرار إغلاقه. ، لكن للزميل نبيل عمر قصة طريفة في كتابه ” زوجات عمر” صوّر فيها شخصية عبد العزيز خميس:” رِبعه طويل القامة، يمشي بتؤدة بين أروقة المجلة في الدور الخامس من المبني المطل على شارع القصر العيني، يبدو متوجسا طول الوقت ولا يثق بأحد, كتب عبد العزيز نثرا عاطفيا في صباح الخير بدأه بشطرة عجيبة : أنا أنا ، وأنت أنت ، و نحن نحن ، وهم هم”!
ويكمل نبيل عمر الحدوتة: ” فطست على نفسي من الضحك, ولم أصدق ما قرأت، وبشقاوة طفولية بريئة رُحت على مكاتب الزملاء أسأل: هل فيكم من يفهم مغزى هذا الشعر الحلمنتيشي؟ ردود ساخرة عابثة مستهزئة، وسط أكواب الشاي وضحكات تصعد إلي عنان السماء”.
كان نبيل عمر وقتها يعمل في “قرية الأطفال العالمية” SOSوينشر بالقطعة خبراً, أو تحقيقاً, أو حواراً, على فترات كمحرر” تحت التمرين”. وكان أسبوعياً يحضر لإجتماعات التحرير, في انتظار تعيينه, كما وعده مرسي الشافعي قبل وفاته. ويتابع نبيل الحكاية: “مرت شهور وعُيّن عبدالعزيز خميس رئيسا لمجلس الادارة ورئيسًا لتحرير روزا .. وذات يوم أوقفني موظف الاستعلامات: “أستاذ …أنا آسف جداً, عندي تعليمات بعدم دخولك”. كان قرار حرمانه من التعيين مثل زملائه “تحت التمرين”, ومنعه من دخول الدار ردًا على رأي عمر في أشعار خميس “الحلمانتيشية”.
***
” تصرف أحمق ومتسرع, من رجل لا يعرف ماذا يفعل”.
لف الحزن نبرات لويس جريس, وهو يصف قرار إغلاق مكتب لندن.
وقد جاء القرار في وقت بدأ فيه العرب يتهافتون على لندن, ولكلِ سببه في اللجوء الى العاصمة البريطانية. المصريون أصابهم رذاذ الإنفتاح المفاجئ والتضييق، اللبنانيون عصفت بهم نار الإحتراب الداخلي، وآخرون من دول عربية أخرى هربوا من الضغوط النفسانية لحكم ديكتاتوري و أناني فى بلادها.
وبعد أن كان هناك بائع واحد للصحف والمطبوعات باللغة العربية, نبتت في ” ادجوير رود” القريب من “ماربل آرش”, و”أوكسفورد ستريت”, منطقة “كوينز واي”, مكتبات أشبه بواحات للثقافة العربية محتوياتها كتب ومطبوعات كانت صدرت في القاهرة وبيروت وهات أصابعك نعد عليها: “مكتبات رمضان “, و إيمان “فى “كوينز واي “, و” سامي ستورز “فى” ادجوار رود “, “دار المعرفة”, “دار الحكمة”… ثم لحقت بهم “مكتبة الساقي” في Westbourne Grove ، و”مكتبة الكشكول” فى “نايسبردج “Knightsbridge و”الحكمة” فى “شالتون ستريت” وثلاث وكالات لبيع الصحف الإنجليزية والعربية فى” ماربل آرش” و “كينزنجتون” و “إيرلز كورت”. كانت المكتبات في مناطق ينحصر فيها السفارات، وعشرات الآلاف من منازل أبناء الجالية العربية المتلهفون لمعرفة ومتابعة أخبار العالم العربي. وقد شهدت تلك المكتبات فوضى الكتاب العربي المهاجر، بأشكاله المتنافرة المتناقضة الصادرة في العواصم العربية, أو الممنوعة فيها, وأعيدت طباعتها في لندن, مع محاولة تصديرها مهربة الى العالم العربي, كتب في السياسة, أو السيّر الذاتية, و الجنس… كان لها زبائنها من العرب المقيمين أو الزائرين للعاصمة البريطانية, من الصعب الحصول عليها في بلادهم. وبالطبع كانت هذه المكتبات تعيد طباعة الكتب العربية القديمة غير المعروف أصحاب حقوق نشرها, أو كتب لأدباء معروفين, يدفع الناشرون مبالغ كبيرة لإمتلاك حقوق نشرها, فينعكس ذلك على سعر الكتاب المرتفع نسبياً. ويجني المزورون، ومعظمهم لاعلاقة لهم بالنشر, أرباحاً مستغلين حاجة و ظمأ الجالية العربية للكتب.
كانت لندن, وقتذاك, تحاول أن تكون عاصمة النشر لكتب العرب, بعد حريق بيروت النيروني العبثي. لذلك, فقد كانت تحتاج الى مؤسسات نشر جادة, تضع حداً “للقرصنة” وفوضى النشر. وكم تمنيت أن تكون” دار روز اليوسف”, هي التي تتولى تلك المهمة.
من هذا المشهد الثقافي الذي خرجت منه “روز اليوسف” طواعية بعد القرار العجيب بغلق مكتبها بلندن، تصدرت المشهد ثلاث مشاريع ثقافية، كان أولها ظهور “مكتبة الساقي “سنة 1979 ثم إعلان ولادة ” شركة الشروق انترناشيونال” ومقرها لندن، وفي وقت لاحق” مكتبة الكشكول” 1986 .
منذ البداية سعت “مكتبة الساقي”, بأن تكون جسرًا بين الثقافتين الغربية والعربية من أجل تشجيع الحوار والنقاش بينهما, والتعريف بالثقافة الغربية وتقديمها إلي القراء العرب، وايضاً إطلاع الغرب على قضايا تهمّ المجتمع العربي. ومن هذا المفهوم أطلق أندريه كسبار, المحامي والكاتب (من كتبه “الحقيقة أغرب من الخيال”, ترجم الى أربع لغات) و مي غصوب “أول مكتبة عربية في لندن “, خاصة بالكتب المعنية بالشرق الأوسط باللغة الانجليزية, وبعد أن نال المشروع الثقة أخذ الشريكان على عاتقهما مهمة الترويج للحداثة الفكرية, ولنهضة الثقافة العربية، وبدأَت “الساقي” في النشر باللغة العربية.
كانت مي غصوب زوجة الكاتب الصحفي حازم صاغية, إمرأة متعددة المواهب، فلها تاريخ حافل في النشر والكتابات الإبداعية, وادارة العديد من الندوات الفكرية. ولقد فارقتنا مبكرًا بعد إعتلال مفاجئ في صحتها عن 54 عامًا. درست الأدب الفرنسي في الجامعة اللبنانية و الرياضيات في الجامعة الأميركية, قبل أن تنتقل الى باريس لدراسة فن النحت, والى لندن لتؤسس “دار الساقي” مع رفيقها أندريه كسبار. ألفت العديد من الكتب التى تطرقت للكثير من القضايا الحساسة منها ” المرأة العربية و ذكورية الأصالة “، و “الرجولة المتخيلة” و أعدت مع الباحثة إيما سنكلير ويب ” الهوية الذكرية والثقافة في الشرق الأوسط “. ثم شاركت فى تأسيس ” دار الساقي ” في بيروت عام 1991 قبل رحيلها بستة عشر عاماً.
في الدور الأرضي ببناية” مورلي هاوس “, حيث كانت مكاتب “روز اليوسف”, كان مقر “دار الشروق انترناشيونال” التي هاجرت من بيروت, مع شرارة الإحتراب الأولى الى لندن. ومكتبتها كانت تعرض مؤلفات الأدباء المصريين. وحاولت, ونجحت الى حد ما, في أن تكون مكتبة شاملة, متنوعة.
وعلي بعد أمتار من متجر” هارودز” المعروف, في أغلي وأرقي مناطق لندن” نايتسبريدج” Knightsbridge ، إفتتح رياض نجيب الريس مكتبته ” الكشكول”, بعدما أن جرب النشر وأخفق. ففي سنة 1977 نشر جريدة “المنار” الأسبوعية, فلم تدم ( وعندي عنها وعن ناشرها الكثير, سأرويه في حينه), ليصدر بعدها مجلة “الناقد”, وتتوقف هي الأخرى. وبعدها كانت “النقاد”, بتمويل من الملياردير السوري وفيق سعيد, والتجربة الثالثة فشلت, بعدما توقف وفيق سعيد عن التمويل (ولهذا أيضاً حكاية نرويها متى حان وقتها). فأسس مع عبدالغني مروة ووليد الحاج “شركة رياض الريس للكتب والنشر”, والتمويل الأساسي كان عماني المصدر.
وقد ترك رياض نجيب الريس على أرفف المكتبات العربية العديد من الكتب منها ” الخليج العربي و رياح التغيير”, و ” رياح الجنوب” و ” رياح السموم ” و ” رياح الشرق ” و ” صحافي ومدينتان ” و ” قبل أن تبهت الألوان”.. “صحافة ثلث قرن ” و ” الحياة فى زمن التفاهة” و آخر كتاب حمل توقيعه هو ” صحافة النسيان “.
***
ومع هذه المشاريع , وإنتقال الآلاف من منطقة الشرق الاوسط الى العاصمة البريطانية, صرت تشعر أن بعض شوارعها يشبه الشوارع في أي عاصمة عربية, أصوات عالية مُنفِرة, ومكبرات الصوت على مداها تصدح بالأغاني العربية, تطلع من من أجهزة التسجيل, فإختفى الهدوء والصمت الحضاري. وراحت شوارع لندن تتعرف على سيارات لم تكرج عليها من قبل: “بوجاتي” و ” فيراري” و “لامبورجيني” و “مازاراتي”, يتشاوف فيها الخليجيون على غيرهم, وظهرت العباءات في شوارع العاصمة, وإنتشرت في أماكن سكنى العرب المقاهي التي تقدم “الشيشة” مع الشاي والقهوة, كأي قهوة في أي عاصمة عربية, وتغيّرت واجهات المحلات لترضي حملة البترو دولار, وهكذا بدأ العرب يحتلون عاصمة الإنجليز!
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة