الرئيسية / كلمة العدد /
ثلاثية انحدار البيت والمدرسة والإعلام
إنقاذ شاشة وعقول الوطن (3)
مودي حكيم

ثلاثية انحدار البيت والمدرسة والإعلام
إنقاذ شاشة وعقول الوطن (3)

 

الحديث عن البيت والمدرسة والإعلام يتواصل في ظل الجدل وحالة الشد والجذب المستمرة حول مشكلة ماسمي بأغاني المهرجانات وسلبيات شاشة التليفزيون وماتقدمه من أغاني ملوثة بالرداءة والخلاعة ودراما مقززة تستنزف عقل جيل سيحكم يوما هذه البلاد ، والدخول في منعطفات ودروب حرية الإبداع وذوق الجماهير .. أي ابداع هذا في ظل اللهث وراء شركات الإعلان ومتعهدي أفراح الأزقة والعشوائيات الباحثين عن الربح السريع مقدمين أنكر الأصوات وأغرب الأفكار تحت شعار ” الجمهور عايز كده ” متحكمين في المحتوي محققين الأرباح الضخمة مندفعين في إنتاج المزيد من الأعمال التي تحض علي البلطجة والعنف والخروج علي القانون .. ومعه الخطر قادم بعد غياب البيت المصري وإنشغال الآباء والأمهات بأمور الحياة الدائمة.
إن الخلل في المؤسسة التربوية الأولي جسيم وفيها يترعرع الطفل ويفتح عينيه في أحضانها حتي يشب ويستطيع الإعتماد علي نفسه قبل أن يلتحق بالمؤسسة التربوية الثانية وهي المدرسة المكملة للبيت .
أن الإنشغال الدائم للآباء والأمهات عن أبنائهم يشكل خطورة كبيرة علي نشأتهم، فشعور الأبناء بإفتقاد القدوة ومصدر الأمان الأول في الحياة يؤدي الي البحث عن مصادر بديلة، الأمر الذي يجعلهم فريسة لبدائل قد تكون خطيرة ، أقلها إدمان الجلوس أمام شاشة التليفزيون لساعات دون رقابة في عالم سماواته مفتوحة للغث والثمين، أو ألعاب الأجهزة الذكية ومعظمها لايتناسب مع الأطفال ويجعلهم أكثر ميلا للعدوانية وإيمانًا بأن البطل هو من
يخالف القوانين وهذا بسبب مشاهد العنف وإنتصارات بطل اللعبة ، والجلوس علي القهاوي مختلطين بكل أطياف البشر دون رقابة أو توجيه .
المدرسة هي المؤسسة التربوية الثانية للطفل وفيها يتقبل غيره ويتعامل مع الكبار والصغار فتنمو لديه بعض العادات الاجتماعية ، ويبدأ الطفل في تقليد كل مايراه مختزناً في تعليمه أنماط السلوك الجيد.
وجود الأطفال بالمدرسة فرصة مواتية للمعلم والمربي لغرس المبادئ الحميدة في نفوسهم مثل غرس المبادئ الكشفية وحب الخدمة العامة وإنكار الذات وحب الخير للآخرين وبذل كل المساعدة للمحتاجين والعطف علي الكبار ومساعدتهم ، ولاشك أن درجة النمو الاجتماعي لطالب المرحلة الأولي الدراسية تتأثر بطبيعة البيت الذي نشأ فيه ودرجة وعي الوالدين ومايسود الأسرة من علاقات ، وكذلك كل ماتوفره المدرسة من خبرات اجتماعية من خلال برامج الأنشطة من الفرق الرياضية المختلفة ، وفرق الخدمة الاجتماعية، ومجموعات حماية البيئة، ومجموعات الأزمات ومجالس الطلبة وغيرها والتي توفرها المدرسة لتنمية هذا الجانب الهام من حياة الطالب والتي ترافقه لسنوات طويلة من حياته في المستقبل.
لقد اصاب التربوي ” جون ديوي ” الفيلسوف وعالم النفس الاميركي وأشهر خبراء التربية الحديثة في العالم عندما عرف المدرسة بأنها ” الحياة والنمو “.
لكن أين نحن الآن .. العرف والتقاليد، التربية والمبادئ أصبحت نظريات نتغني بها وتاريخ نتحدث عنه، وعند مواجهة الأزمات نتذكرها في غياب البيت وإنحدار مستوي التعليم وغياب المدرسة التي إنفلت فيها العيار فأصبحت لا تعرف الفرق بين الطالب والأستاذ، وبعد أن إفتقدنا إحترام الصغير للكبير والإلتزام بسلوكيات التواضع والتراحم والإيجابية والتفكير المضئ والقيم الرفيعة، وتحولت الطرقات لحلبة سباق وتعددت السلوكيات في الطرقات من ” بصق ” الي إلقاء المخلفات والقمامة وعدم الالتزام الأخلاقي بين المارين الصغار وكبار السن، ومايحدث الان ثمرة فساد الإعلام والتعليم والتربية المنزلية وأشياء كثيرة اكتسبناها بايدينا.

أن تفاقم حال التعليم وتحوره مثل فيروس كورونا أصابنا بعشوائيات السلوكيات ، وتصرفات ومفاهيم تسللت لمفاصلنا في الشارع والبيت والمدرسة كقيام أحد المدرسين بتدخين” النرجيلة ” في أحد مدارس مدينة 6 اكتوبر ، وتشغيل فيديوهات مبتذلة علي السبورة الذكية بأحدي مدارس محافظة الشرقية .. علامة أن خطر ” كورونا ” العشوائيات تمددت الي العقول وخلايا التفكير والتصرف .
أن ثلاثي الإنحدار : البيت والمدرسة والإعلام ، مع غياب البيت وإهمال التعليم وفوضي الإعلام يحتاجان الي إنقاذ قبل أن ينفجر اللغم في وجوهنا.
الأسرة لابد أن تعود لدورها ولسنا نطالب بتقبيل الابن ليد أبيه كما تربينا أو عدم علو صوت الإبنة علي صوت أمها، بل أن تسود المحبة والاحترام بين أفراد الأسرة. وإذا اردنا أن نصلح حال أولادنا فلا بد أن نصلح أنفسنا أولا، لابد أن نكون قدوة لهم في كل سلوكياتنا وتعاملاتنا اليومية .
التعليم يحتاج وقتا للإصلاح فهو متابعة ومراقبة مسئولية ، وليس “بالتابلت ” وحده ينصلح التعليم فهو الأساس الذي يقوم عليه بناء الإنسان. إننا نحتاج الي برنامج إصلاح فوري لتدريب وتأهيل المعلم.
أما الإعلام فنحن لسنا في حاجة الي تأسيس كيانات إعلامية أو مجالس لتنظيم الإعلام، فيكفي أن نعود لبروتوكول تأسيس الإذاعة عام 1934 المبني علي الارتقاء بالمجتمع والحفاظ علي اللغة العربية وجمع كل مفردات الثقافة والإعلام لتثري آذان المصريين، وإشاعة التذوق الجمالي ووضع حالة من التفاعل مع قضايا الوطن وإحتياجاته ومد جسور التواصل مع الشعوب العربية.
لسنا في حاجة لوضع نقطة ونبدأ من اول السطر، فالقوانين وضعت في السابق بعباقرة الإعلام وأساتذته .. إعلام آمن بأن البشر هم الثروة الحقيقية للأمم ومحور التنمية وغايتها، إعلام تزاوج مع الثقافة ووضع إستراتيجية واضحة لدورهما في عملية التنشئة وتكوين شخصية الإنسان المصري .
الإعلام اليوم يحتاج الي التخلص من سلبياته ، وتحديد رؤية مستقبلية ، وأن يدرك كل إعلامي ومثقف رسالته ودوره في المجتمع وإستعادة ضميره ، فليس من المعقول أن تستضيف القناة الأولي المصرية بعد الإعلان عن تطويرها المرتقب و انطلاقتها الجديدة واحدًا من هؤلاء الفنانين مثيري الجدل ممن أفسدوا الأخلاق والذوق ليكون ضيف اليوم الأول من التطوير في سهرة كاملة أصابت المشاهد برذاذ فيروسات الغرور الحاملة لأمراض الحقد والإتهامات لزملاء أثبتوا نجاحهم بتاريخهم الفني ونجوميتهم المؤصلة، بدلًا من إستضافة الرجال الذين كرمتهم دولة الإمارات لمسيرتهم في العطاء كنماذج مشرفة داخل مصر وخارجها ومنهم سير د. مجدي يعقوب أمير القلوب وطبيب الغلابة د. مجاهد مصطفي معوض اللذين منحهما الشيخ محمد بن راشد حاكم دبي جائزة “صناع الأمل ” .
ويطرح السؤال ” من أين نبدأ ” نفسه من رحم ثلاثية إنحدار البيت والمدرسة والإعلام ..
فالبيت لابد ان يعود باستقراره الأسري بالتكامل بين الزوجين من حيث توزيع الأدوار والمهام والعمل معًا لتكوين الشخصية وبناء سلوكيات إيجابية، والمدرسة بدورها في تثقيف الأطفال وزرع القيم والمبادئ الي جانب دورها التعليمي، أما ثالث الثلاثي فمهمته أكبر وأهم من الترفيه والتسلية والنقل الخبري. وعلي الدولة أن تدعو قنوات الإعلام المرئي الي تفعيل الوسائل التكنولوجية لمنع الأطفال من مشاهدة الأفلام والبرامج الهابطة خلسة بعيدًا عن رقابة الأسرة ” بالرمز السري ” وإعطاء مساحة أكبر لثقافة الطفل بزيادة المساحة الزمنية المخصصة لبرامج الأطفال وإستحداث قنوات خاصة بالطفل، وتقديم النماذج الإيجابية من العلماء والأدباء والمبدعين علي شاشتها
ليحتذي بها الكثيرون بدلًا من التفاهات التي لا يمكن أن تنتصر علي القيم الحقيقية لمجتمع يسعي للنهوض.
ولأهمية الطفل نصيب أكبر الأسبوع القادم.

مودي حكيم

شاهد أيضاً

البطة ” دوني ” والكلب ” برودي ” ضمّن مشجعى المونديال!

  لندن : من مودي حكيم أراح السيد ترامب العالم ، وانشغلت شعوب العالم ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.