الوطن واجهته وحوائطه .. طرقاته وأزقته أصابها عفن ‘وعطن ‘ لغة تغلفها الرداءة و كلام مبتذل مفرداته شتائم وأصبح مثل كل الأشياء والظواهر الشاذة كالمخدرات والتحرش والشتائم . وطن هاجمه ‘الواغش ‘ والدهماء الآتين من رحم ثورة داهمتنا في شهر يناير من عام نتمني ان يسقطه التاريخ من حياتنا. أفسدوا الأخلاق والذوق العام ، فتسلل الأدعياء والكارهون لكل ماهو جميل فأفسدوا المشهد بالبذاءات التي دخلت كل بيت من خلال أغاني بأصوات رديئة إقتحمت الآذان وشاشات سمحت بعرض هذا الفن الردئ تحت ما سمي بأغاني المهرجانات، رغم أن أغاني المهرجانات المعروفة في العالم تقام سنويًا منها مهرجانات موسيقي “الجاز” والموسيقي الكلاسيكيـة والأوبرات العالمية. وفي العالم العربي 9 مهرجانات محترمة منها مهرجان ‘ موازين ‘ وهو ثاني أكبر مهرجان في العالم و مهرجان “جرش” في الأردن و”قرطاچ” الدولي في تونس ، ومهرجان “البستان” الدولي في لبنان ومهرجان”Red Fest DXB“ في دبي و”بعلبك” بلبنان بأغانيه العربية الأصيلة و “فاس” للموسيقي العالمية ، و”المهرجان الدولي للموسيقي السيمفونية” بتونس و”كناوة” بالصويرة بالمغرب.
ولا أعلم من أطلق إسم مهرجان علي هذه الحفلات التي يقيمها بعض من أطلقوا علي أنفسهم لقب مطرب، وكأن الغناء العشوائي أصبح مباحاً، أشباح تطاردنا بأصوات قبيحة، غناء فتح أبواب السلوكيات الغريبة والتحرش والجرائم والإسفاف وهبوط لغة الحوار مصحوبًا بوهم وتأثير ورائحة المخدرات.
عديد من الأسماء تطرح نفسها علي ساحة الغناء، بدون ذكر الاسماء حتي لا أساهم في الترويج لهذه الشخصيات، ممثل ذاع صيته وجني ثروة هائلة من جراء أدوار بطولة تحض علي البلطجة والعنف والخروج علي القانون في حواري الأحياء الشعبية مطلقًا علي نفسه No. 1 و”الأسطورة” وغيرها من الألقاب التي منحها لنفسه لتحقيق مزيد من الأرباح الضخمة، وغيره مغنين وأغاني موصوفة بالرداءة والخلاعة وتحض علي العنف، وأصبح الذوق العام يفتح صدره لمثل هذا الغثاء ، ومئات الآلاف من فئات إجتماعية مختلفة يتذوقون هذا النمط من الأغاني والموسيقي والأصوات القبيحة والكلمات الرديئة المصحوبة بالرقص بالأسلحة البيضاء من السيوف والسنج والمطاوي مع تعاطي كل أنواع المخدرات والمشروبات، فلم تعد قاصرة علي العشوائيات الفقيرة بل إمتدت لعشوائيات الأغنياء في مباراة من البذاءة. انها ثقافة التوك توك التي بدأت بالعشوائيات وإنتقلت الي الفنادق الضخمة وإستاد القاهرة الرياضي، وانتهت بالوصول الي المدارس، فقد اقتحمت هذه الأغاني مدارسنا كالوباء .
ورغم أن الإحصائيات الرسمية أعلنت ان شباب مصر يشكلون 60% من تعداد مصر، ويشكل الفتية من الفئة العمرية أقل من 15 سنةً 34.2 % ، فإننا لم ننتبه للإرهاب الحقيقي وخطره علي شباب هذا البلد من إسفاف ونشر ثقافة القبح، فلقد غابت مؤسسات الدولة المعنية بشئون الأسرة والتعليم والثقافة و إهتمت بالغذاء الجسدي قبل الروحي والتربوي ، بالمواد الدراسية قبل المبادئ والقيم، أهملت الثقافة والفنون ، وتخبط الإعلام وهو من أهم وأقوي عناصر المواجهة، فقد إنسحب البعض، وتواطأ آخرون في مواقف سادت فيها لغة المصالح وتصفيات البعض للبعض ، وهناك من قبض الثمن ومن دفع الثمن.
انتبهوا أيها السادة قبل ضياع اولادنا في البلطجة والمخدرات وتوهان العقول، إننا في أشد الحاجة أن نستثمر في الأخلاق فمجتمع بلا أخلاق هو مجتمع بلا مستقبل ، وإعادة بناء المجتمع المصري أصعب من بناء الطرق والكباري والبنايات الخرسانية، وخاصة بعد سنوات أطفئت فيها أنوار المسرح ” أبو الفنون ” وأغلقت قصور الثقافة ” أكثر من 500 قصرًا منتشرة في أنحاء المحروسة، وهي من أهم عوامل بناء الإنسان ؛ وتراجع الإنتاج السينمائي بعد أن جلس أفضل مبدعيها في بيوتهم، وإختفت الثقافة الفنية في مدارسنا وجامعتنا فإنقرض المسرح المدرسي والجامعي الذي تخرج منه أعظم الفنانين بدءا من عادل امام، سمير غانم، چورچ سيدهم، يحي الفخرانى، رغدة، خالد الصاوي، هاني رمزي، مني ذكي و مصطفي شعبان وصولا الي أحمد فهمي، حسن الرداد وعلي ربيع.
وتغيبت حصة الرسم والموسيقي والمطالعة بمكتبة المدرسة وحصة الأشغال اليدوية والمنزلية والفلاحة.
إن انهيار القيم والأخلاقيات يعود الي تراجع دور الأهل في تربية الأبناء والأحفاد ، وغياب المدرسة عن الإرتقاء بفكرهم وثقافتهم، وعلينا أن نتصدي للعقلية العشوائية التي يمكنها أن تحيل أي تطور ونظام وجمال في بلادنا الي تخلف وفوضي وقبح، و ذلك بتبني كل ما يفيد ويرتقي بوسائل الثقافة حتي يعود الفن والثقافة المصرية الي مجدهما، فهما قوتنا الناعمة .
والي لقاء .. لنستكمل معا الحديث عن البيت والمدرسة والإعلام.
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة