الرئيسية / كلمة العدد / كاهن معبد الحب الذى علمنا أن الحياة حلوة

كاهن معبد الحب الذى علمنا أن الحياة حلوة

لفتة حضارية وبادرة وتقليد رائع اختص به مهرجان الجونة السينمائى بتكريم واحدا من أنبل الكُتاب وفارسا تنوعت كتاباته بين السياسة والفن. علمنا أن الحياة حلوة من خلال عشق الحياة والفن والبشر فهو قبل أن يكون كاتبا وصحفيا إنسان رقيق نثر عطره الأدبى وبصْم بأفكاره حياتنا، فالكاتب الكبير الذى احتفل الوطن العربى ومصر بعيد ميلاده المائة هذا العام قد ولد فى الأول من يناير عام 1919 وكرمه مهرجان الجونة السينمائى فى دورته الثالثة بمعرض لمقتينات كاتب الحب والحرية، الكاتب الكبير الراحل إحسان عبدالقدوس.

ضمن فعاليات المهرجان افتتح المعرض فى الجامعة الألمانية بمدينة الجونة وأقيم بمناسبة مئوية ميلاده حيث خْصّ نجله أحمد عبدالقدوس المهرجان بمقتنيات الأديب الكبير بعرض لمكتبه وكرسيه الذى شاهدا ولادة معظم أعماله الأدبية وأوراقه وصور النجوم أكثر من 60 فيلما قدمها للسينما المصرية فى عصرها الذهبى والتى كتب الكثير من سيناريوهاتها عميد الرواية العربية وصاحب نوبل نجيب محفوظ.

إحسان عبدالقدوس الكاتب السيسى صاحب القضية السياسية الشهيرة قضية الأسلحة الفاسدة وصاحب الحملات الصحفية السياسية كتب العديد من القصص بنكهة سياسية تحولت إلى أفلام كفيلم «فى بيتنا رجل» يحكى رحلة اختباء أحد المناضلين المصريين من جنود الاحتلال الإنجليزى فى منزل صديقه الجامعى قبيل ثورة 52 ليقع فى حب شقيقته وتساعده خلال رحلة التخفى، وتدور أحداث الفيلم حول المواجهات بينه وبين البوليس الحكومى حتى ينتهى باستشهاد البطل فى آخر عملية نفذها ضد الاحتلال وفيلم «الرصاصة لاتزال فى جيبى» يجسد قصة جندى مصرى مختبأ من الإسرائيليين فى غزة الفلسطينية ثم عاد بعد نكسة 67 إلى قريته محطما، بعد توبيخ أهل القرية له، ثم يشارك بعد ذلك فى حرب 73 التى انتصر فيها الجيش المصرى بعبور القناة، ويعود إلى دياره بفخر وكرامة ويتزوج ابنة عمه.

ثم تناول فيلم «الراقصة والسياسى» بعض أنواع الظلم والتعسف فى استغلال السلطة وضياع الأخلاق، ويحكى عن علاقة غير شرعية بين رموز سياسية وراقصة معروفة تكشف عن أسرار وخبايا كبار المسئولين فى الدولة.

وعلى المستوی الاجتماعى أفلام اثارت جدلا كبيرا لجرأتها وحصدت انتقادات وتعليقات سلبية ووصفت بالهادمة التى تشوه صورة المجتمع المصرى لكن إحسان كان يملك من الشجاعة ما يجعله يدافع عن رأيه ولا يبالى بهذه الانتقادات ويحمل فى رواياته وأعماله الأدبية وجهة نظر تختلف عن السائد وتعبر عن المجتمع المصرى دون خجل أو حاجة إلى تجميل مزيف، فقرر أن يتناول العلاقات العاطفية بتقلباتها وانفتاحها، كما لو كانت أعماله تركز على وجهة نظر المرأة وقضاياها ومشاعرها.

إحسان عبدالقدوس حاول أن يرصد فى روايته «لا أنام» من خلال فتاة تحب أبيها بكل الأفعال التى أدت إلى فساد حياته، فرحل عنها النوم وهى تفكر وبالها مشغول، وحسب وجهة إحسان «لا لأن الأمور ليست دائما كما تبدو عليه، فمحبتنا قد تصل بنا إلى درجة الهوس، وتجعلنا نرتكب الخطأ، ظنا منا أننا نعرف الأصلح والأفصل لمن نحب».

القصة تحولت إلى فيلم وتعتبر من علامات السينما المصرية وتم تصنيفه فى المرتبة الـ ٢٩ ضمن قائمة المجلس الأعلى للثقافة لأفضل الأفلام المصرية «أنا حرة» نموذج للمرأة القوية التى تؤمن بحريتها، التى تصمد أمام المجتمع لتطرح أفكارها بكل جرأة وثقة دون أن تهاب أحد، الفيلم الذى تدور الفتاة البسيطة التى تسكن مع عمتها رافضة كل القيود التى تفرض عليها لكونها أنثى حتى تقابل عباس «شكرى سرحان» ذلك الكاتب السياسى الذى ترتبط به وتتعلم منه المعنى الحقيقى للحرية التى تطالب بها، فالحرية ليست فى الخروج من الأصدقاء والعودة للمنزل فى أوقات متأخرة من الليل وإنما الحرية هى هدف عام ومصلحة جماعية، الحرية هى تحمل المسئولية كاملة دون التقاعس عن أدائها.

عقب تيترات البداية للفيلم مقطع يعبر عن رأى إحسان فى الحرية «ليس هناك شىء يسمى الحرية، وأكثرنا حرية هو عبد للمبادئ التى يؤمن بها، وللغرض الذى يسعى إليه. . إننا نطالب بالحرية لنضعها فى خدمة أغراضنا وقبل أن تطالب بحريتك اسأل نفسك لأى غرض سنهبها؟

فى «النظارة السوداء» كانت «ماجى» دائما تحاول إخفاء ملامحها خلف نظارة سوداء فهى الفتاة العابثة التى تعيش الحياة يوما بيوم، وتنتقل بين الرجال كتبادل الليل مع النهار، فهى مثالا للفتاة السطحية التى تنتمى للطبقة الارستقراطية والتى لا تعرف عن الحياة إلا ما رأته حولها فهى من ذلك النوع الذى ينعته المجتمع بالرخيصات.

تتعرف «ماجى» على المهندس «عمر» الذى يؤمن بضرورة العطاء، وإن الإنسان لن يدرك السعادة إلا إذا كان ذو نفع وفائدة لمن حوله، ويجد فيها الفتاة الضائعة فيجاهد لوضعها على الطريق القويم، وتتعلق به «ماجى» كما يتعلق الغريق بقشة. . ونجح «عمر» فى أن يحولها إلى فتاة أخرى.. إنسانة تحس بالألم والسعادة. . وتطوف مع الأحلام.. ولم تعد نظارتها سوداء.

إحسان عبدالقدوس كاهن معبد الحب، خلد اسمه فى سماء المبدعين سواء فى الرومانسية أو السياسة أو الصحافة سواء فى الرواية أو القصص القصيرة أو الأفلام السينمائية، كتب أكثر من 600 قصة وقدمت السينما عددا كبيرا من قصصه، ورغم أنه أتهم أنه كاتب جنس فقد تحمل سخط الناس مؤمنا بمسئوليته ككاتب فقد كان واضحا وصريحا وجرئيا فكتب عن الجنس حين أحس أن عنده ما يكتبه سواء عند الطبقة المتوسطة أو الطبقات الشعبية دون أن يسعى لمجاملة طبقة على حساب طبقة أخرى، ولم يكن إحسان الكاتب الوحيد الذى كتب عن الجنس، فهناك المازنى فى قصة «ثلاثة رجال وامرأة» وتوفيق الحكيم فى قصة «الرباط المقدس» ونجيب محفوظ عالج الجنس بصراحة أكثر منه.

إحسان صاحب عبارة «تصبحون على حب» التى كان يقولها مع نهاية كل حديث إذاعى ابن الفتاة اليتيمة اللبنانية «روزاليوسف» التى تألقت على المسرح كنجمة وشكلت حياة إحسان ومنها استمر رؤيته للحب، وأسست «روزاليوسف» مجلتها وهو فى سن الخامسة وحملت العدد الأول لتضعه بين يديه الصغيرتين ليتولى رئاسة التحرير المجلة وهو فى الخامسة والعشرون من العمر ليصبح واحدا من أكثر كتاب العلم استحقاقا للاحترام فلم يتنازل يوما عن قناعاته طوال حياته.

وكتب مقالته الشهيرة وهو فى الثالثة والعشرون «هذا الرجل يجب أن يرحل» طالبا فيه بخروج المندوب السامى لأكبر دولة فى العالم.

ويأتى عام 1945، وبوعيه السياسى يكتب «يا عرب تضيع الآن فلسطين» ، ثم جاءت حرب 1948 ليكشف فضيحة الأسلحة الفاسدة، ويتلقى خنجر أمام عمارة الإيموبيليا بوسط القاهرة، ردا على شجاعة مواقفه، ثم تأتى الثورة ويؤيدها جميع المثقفين، وبحسه السياسى كتب إحسان مقاله المشهور «الجمعية السرية التى تحكم مصر» ، ويدفع الثمن ويسجن.

ويعود إحسان لمجلته ليحولها إلى معمل تفريخ للمواهب سواء كانوا مفكرين مثل أحمد بهاء الدين أو شعراء كصلاح عبدالصبور أو جاهين، أو حجازى وكذلك فنانى الكاريكاتير كجورج وبهجت وغيرهم.

كنت واحدا من هؤلاء المحظوظون فى معمل إحسان عبدالقدوس، فد بدأت علاقتى بالأستاذ بعد تخرجى من كلية الفنون الجميلة وبعد أن تركت عملی فى المركز الإقليمى لتعليم الكبار بسرس الليان ASFEC التابع لمنظمة اليونسكو كرسام وكان يرأُسْنى فيه فنان تشكيلى من الدانمارك، ليقدمنى الفنان الإنسان جمال كامل للأستاذ ليوقع أوراق تعيينى كمشرف فنى لمجلة «صباح الخير» براتب شهرى 25 جنيها مصريا، خفضها مدير المستخدمين بالمؤسسة «على عنتر» إلى 17 جنيه لأنى خريج جامعى.

كنت سعيدا وأنا أحبو فى بلاط صاحبة الجلالة، أتلمس طريقى فى «روزاليوسف» الزاخرة بعباقرة الكلمة والفن وأزامل نجوم الفن الصحفى وكُتْابه، ومبتهجا وأنا جالس فى مكتبى بالطابق الرابع عندما أعلم من عم «حسين» ساعى مكتب إحسان عبدالقدوس ومديرة مكتبه «نيرمين القويسنى» أن الأستاذ وصل، فهو عادة يحضر لكتابة مقاله الأسبوعى وقصصه فى التاسعة مساء ليلتقى بالمشاهير من النجوم القادمين لزيارته والاستئناس بآرائه وتجويهاته منهم عبدالحليم حافظ ونادية لطفى وسعاد حسنى وآخرين من المشاهير، فقد كان الأستاذ مرتبطا بجميع الفنانين والشخصيات السياسية والثقافية وله دور فى حياتهم الشخصية والمهنية،  وعندما يذهب الجميع يجلس إلى مكتبه ليبدأ فى الكتابة التى تمتد لساعات الفجر.

إحسان عبدالقدوس عاش حياته بالحب يدعو إلى الحب.. أحب الحياة فأعطته حلاوتها.

مودى حكيم

شاهد أيضاً

اخطر من أدمان المخدرات
امنعوه !

تلاحظ وأنت تتجول فى شوارع لندن أن السجائر وكل ماله علاقة بالتدخين غير معروض على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.