أعاد ماتيس في سنوات الشيخوخة صياغة عالمه الداخلي عبر القصاصات الورقية الملونة والأشكال السابحة في فضاءات محترفه الذي ملأه بنباتات الحدائق وأجساد النساء. ويستعيد معرضه في “القصر الكبير” (غران باليه) في باريس هذه السنوات الأخيرة بوصفها إحدى أكثر مراحل الفن الحديث خصوبة وحرية وتأثيراً على مشهدية فنون ما بعد الحداثة، ليس في فرنسا فحسب، بل أيضاً في تطور التجريد لدى مدرسة نيويورك.
مع معرض “هنري ماتيس 1941-1954″، المقام من 24 مارس إلى 26 يوليو 2026، يقدّم الغراند باليه بالتعاون مع مركز جورج بومبيدو ، ما يتجاوز حدود المعرض الاستعادي التقليدي، إذ يفتح نافذة على التحوّل الأخير لفنان أعاد، عند عتبة النهاية، تعريف معنى الخلق الفني. أكثر من 300 عمل، من لوحات ورسوم و”غواشات” مقصوصة وكتب مصوّرة ونوافذ زجاجية ومنسوجات ومشاريع كبرى، تتجاوَر ضمن مسار نابض، لا يروي سيرة ماتيس بقدر ما يكشف دينامية ولادته المتأخرة.

لا يُعدّ اختيار السنوات الممتدة بين 1941 و1954 تفصيلاً زمنياً، بل هو جوهر المعرض. ففي عام 1941، وبعد عملية جراحية خطيرة بسبب إصابته بسرطان القولون، ظنّ ماتيس أنه يقترب من النهاية، غير أن تلك المحنة تحوّلت إلى شرارة بداية جديدة، سيدعوها لاحقاً «حياة ثانية». ومن سرير المرض، ومن محدودية قدرات الجسد، انطلقت واحدة من أكثر المغامرات التشكيلية جرأة في القرن العشرين. في هذا السياق يشير مؤرخ الفن “بيار شنايدر” في كتابه المرجعي عن ماتيس إلى أنه “كان على رائد الوحشية، الذي أمضى حياته يبحث عن التوافق بين الرسم واللون، أن يقطع الحبال التي تشدّه إلى المرافئ القديمة كي يبلغ فردوساته الجديدة”. وهكذا، ابتعد عن مينائه الأول منذ عام 1939 بعد إعلان الحرب، مغادراً باريس إلى نيس، وانفصل عن زوجته أميلي، ثم تخلّى تدريجياً عن كثير من عاداته السابقة، مبسّطاً لغته البصرية إلى أقصى حدودها، ومحوّلاً محترفه في Nice إلى عالم داخلي يفيض بالنباتات والنساء والطيور وكائنات البحر. ومن هذا التوتر بين هشاشة الجسد واتساع المخيلة، وُلدت أعماله الأخيرة التي لا تبدو خاتمة لمسيرة طويلة، بل بداية أخرى أكثر صفاءً وحرية.
تكمن إحدى نقاط قوة هذا المعرض لعام 2026 في جمع مجموعات متفرقة نادراً ما تلتقي في مكان واحد. فقد جاءت أعماله من مؤسسات وطنية وعالمية كبرى مثل متحف الميتروبوليتان، والناشيونال غاليري، ومتحف الفن الحديث في نيويورك، ومتحف كوبنهاغن، إضافة الى متحف ماتيس، ضمن مسار زمني وموضوعي في آن واحد، يستحضر أجواء مرسم ماتيس، حيث كان يعمل مباشرة على الجدار في فندق ريجينا وفي فيلا Le Rêve. ويتيح المعرض مشاهدة أعمال في تتابع نادر، من بينها: سلسلة “العاريات الزرق” مكتملة، و”حزن الملك”، (آخر اعماله الكبرى)، وباقات “نبات الأكانتوس”، و”الحلزون”، و”ذاكرة أوقيانوسية”، كما تُعرض اعمال تُقدم للمرة الأولى في فرنسا مثل: البهلوان الأزرق، ولوحة Zulma (غواش كبير على ورق مقصوص)، ونافذة الزجاج المعشّق La Vigne (الكرمة)، التي دخلت مجموعات مركز بومبيدو عام 2024، إلى جانب نافذة “ليلة عيد الميلاد”، وبعض لوحات من سلسلة داخل كنيسة الوردية Chapelle du Rosaire في فانس Vence.
الغواشات المقصوصة: لغة ابتكرها في نهاية العمر

منذ أربعينيات القرن العشرين، طوّر ماتيس تقنية ستغدو إحدى أبرز سماته: “الغواشات المقصوصة”. يقوم مبدأ هذه التقنية على بساطة ظاهرية: يلوّن أوراقاً بالغواش (الألوان المائية السميكة)، ثم يقصّها، ليعيد تركيبها في تكوينات جديدة، غير أنّ أثرها كان عميقاً. إذ لم يعد يرسم قبل أن يلوّن، بل صار يرسم داخل اللون نفسه. وأصبحت الحركة مباشرة، شبه غريزية، وتولدت الأشكال من اندفاع اليد والجسد، ما غيّر علاقته بالفضاء جذريًا. فغدت التكوينات أكثر انفتاحًا وجرأة، وأحيانًا ذات طابع ضخم، بينما تراجع الخطّ التقليدي لصالح انسجام خالص بين اللون والشكل.
ولهذا تحتل هذه الأعمال موقعاً مركزياً في المعرض، إذ تمثّل ذروة مسار طويل من البحث. وتشير القيّمة كلودين غرامون إلى لحظتين حاسمتين: الأولى مع كتاب Jazz عام 1943، حين طلب الناشر تيرياد، المتعاون السابق في مجلة Verve، “مخطوطاً مزوّداً بلوحات حديثة”. انطلق ماتيس من هذه الفكرة ليبتكر عملاً قائماً بالكامل على تقنية الغواش المقصوص، سيصدر لاحقًا في كتاب Jazz.
أما اللحظة الثانية فكانت عام 1947، عندما وصل إلى فيلا Le Rêve في مدينة Vence . كان يعاني من الأرق، فيقضي الليل على الكرسي المتحرك وهو يقصّ الأوراق الملونة، ويطلب من مُساعِدته (ليديا)، تثبيتها على الجدران كأنها أجنحة فراشات. كان فعلاً عفوياً بلا تخطيط نهائي، ووسيطًا متحوّلاً لا يستقر؛ إذ كانت هذه الغواشات تُنقل من دعامتها إلى القماش ثم تُثبت لاحقًا للعرض أو البيع. ومن هذه الطبيعة «العارضة» تحديداً أخذت تنبع خفّة هذه التقنية بالمعنى الحرفيّ والمجازيّ.

غير أن “الغواشات المقصوصة” لم تحلّ محل الرسم لدى ماتيس. ويشدد المعرض على هذه النقطة الجوهرية: فالممارستان ظلّتا متجاورتين. وتقدّم لوحات “داخل كنيسة فانس”، المنجزة بين 1946 و1948، دليلاً ساطعاً على ذلك. ففيها تتمدّد الألوان، ويتّسع الفضاء، ويبدو التكوين أحياناً كما لو أنه يتجاوز حدود الإطار. في هذه المرحلة، يدفع ماتيس مبادئ الوحشية إلى أقصاها، بينما تتكاثر في الوقت نفسه الأشكال المقصوصة على جدران محترفه. كان يعمل على عدة أعمال في آن واحد، ينقل العناصر ويعدّلها ويعيد تركيبها بلا توقف، حتى غدا محترفه فضاءً في حالة تحوّل دائم. وتلخّص عبارته هذا المسار حين كتب: «لا قطيعة بين لوحاتي القديمة وأعمالي المقصوصة، بل إنني، بمزيد من الإطلاق ومزيد من التجريد، بلغتُ شكلاً مُصفّى حتى الجوهر». فهل تمثّل سنواته الأخيرة تتويجًا لفن زخرفي، أم انفتاحاً على التجريد؟
عند تأمل الغواشات المقصوصة الكبرى في أواخر مسيرته، مثل «ذاكرة أوقيانوسية» و«الحلزون»، التي وصفها بأنها «تجريد قائم على جذر من الواقع»، يتّضح ميلها نحو التجريد. لكن جوهر هذا المسار يكمن في تركيبٍ يجمع بين الخط واللون، وهما عنصران بقيا في توتر دائم داخل أعماله، ليُعالجا معًا وفي آن واحد، بما ينسجم مع طموحاته التي أعلنها منذ المرحلة الوحشية.
وقد عبّر ماتيس عن ذلك بوضوح في كتابه “ملاحظات فنان” Notes d’un peintre الصادر عام 1908، حين قال إن «سنتيمتراً مربعاً من الأزرق ليس أزرقَ بالقدر نفسه الذي يكون عليه متر مربع من الأزرق ذاته». في إشارة إلى أن قوة اللون تتحدد بامتداده على السطح. وتقوم أعماله في مرحلة «الغواشات المقصوصة» على هذا المبدأ: إيجاد توافق كامل بين اللون والمساحة. وقد كان لهذا التحوّل أثر بالغ في فناني الولايات المتحدة في ستينيات القرن العشرين، ولا سيما Ellsworth Kelly، كما ترك بصمته في ذلك الجيل، تماماً كما فعلت لوحة “المحترف الأحمر” المحفوظة في متحف الفن الحديث (MoMA). وهكذا وُلد تجريد ماتيس من أقصى درجات تبسيط الوسيط التشكيلي.
منذ بداياته، كان ماتيس يبحث عن التوازن بين الرسم واللون، ضمن جدل كلاسيكي موروث من القرن التاسع عشر: هل يُرسم الشكل أولًا ثم يُلوَّن، أم يُفكَّر فيه عبر اللون قبل تحديده بالخط؟ لكن مع تقنية القصّ، لم يعد يرسم حدود الشكل ليملأها، بل صار يقتطع الشكل مباشرة من مساحة اللون.
وفي عام 1941، تحدّث عن «تفتّح جديد في رسومه بعد خمسين عامًا من الجهد». وقد جُمعت هذه الرسوم في ألبوم “موضوعات وتنويعات” (1943)، صدّره الشاعر لويس أراغون، كاشفاً منهجه في الرسم: «الموضوع» مرسوماً بالفحم بكثافة ظلّية، و«التنويع» منفّذًا بالقلم أو الحبر بخط واحد مباشر. ويظهر هنا الطابع التسلسلي للرسم بوصفه خياراً واعياً. ومن أبرز محطات هذا المسار ألبوم Jazz (1947)، الذي مثّل منعطفًا حاسمًا في تجربته، إذ تناول فيه موضوعات مثل السيرك والأسطورة والحرب بحرية شكلية كاملة، وتُعدّ أعمال مثل “إيكاروس” من أشهر نتاجه. ويَعرض المعرض الصفحات النهائية إلى جانب مراحلها التحضيرية، ما يتيح فهماً أعمق لتعقيد هذه التجربة وثرائها.

يبرز خيط ناظم آخر في المعرض من خلال المكانة التي يمنحها للشخصيات النسائية. فالعارضات، والمساعدات، والملهمات، يحضرن بكثافة في عالم ماتيس الفني. ومن ليديا دلكتورسكايا Lydia Delectorskaya مدبرة شؤونه الفنية وموديله خلال سنوات المرض وأعمال القصاصات الورقية، إلى الشخصيات المؤسلبة في سلسلة «العاريات الزرق». يغدو الجسد الأنثوي موضوعاً محورياً، يستكشفه الفنان في تجلياته المتعددة، لا بوصفه موضوعًا عابراً، بل عنصراً أساسياً في بناء لغته التشكيلية. شكّلت “العارية الزرقاء” لدى ماتيس مختبرًا بصريًا أعاد فيه صياغة الجسد عبر اللون الخالص والخط المختزل، فغدت العارية كياناً من الإيقاع أكثر منها جسداً واقعياً. وقد أُنجز هذا التكوين الأيقوني فيNice داخل محترف Hôtel Regina، وهو محفوظ اليوم في Centre Pompidou، ويشهد على ذروة بحث ماتيس في تمثيل الجسد والفضاء. أمّا وجود أربع نسخٍ منها، فيعود إلى عودة ماتيس إلى هذا الموضوع بين 1952 و1953 ضمن سلسلة Nu bleu المقصوصة بالورق الملوّن، حيث استكشف في كل نسخة توازناً جديداً بين الكتلة والحركة والفراغ. وتكمن فرادة هذه السلسلة في استخدام الفراغات بين الأشكال، إذ تتحوّل إلى عناصر بنائية توحي بالحجوم والمفاصل والحركة، وتتيح للشخصية أن تدخل في حوار مع الفضاء المحيط بها. وبعيداً من مجرد التفكيك الشكلي، تعبّر هذه القصاصات عن رؤية شديدة الإحكام، ينساب فيها الضوء بحرية، مانحاً الجسد بعداً يكاد يكون حيّاً ومتنفّساً.
كنيسة فانس
لا يمكن الحديث عن السنوات الأخيرة من مسيرة ماتيس من دون التوقف عند كنيسة الوردية في فانس. فبين عامي 1948 و1951، صمّم الفنان المشروع بأكمله: العمارة الداخلية، والنوافذ الزجاجية الملوّنة، والخزفيات، والأثاث الطقسي والأثواب الكهنوتية. إنه عمل كليّ تتلاقى فيه مختلف أبعاد ممارسته الفنية. وفي معرض «ماتيس 1941–1954»، تُعرض عناصر عدة من هذا المشروع، ولا سيما الدراسات التحضيرية والنوافذ الزجاجية، وأبرزها نافذة «أورشليم السماوية» التي تُعرض للمرة الأولى. ويتجلى في هذه الاعمال اختزال بالغ للغة التشكيلية؛ إذ تتحول الأشكال إلى علامات، فيما الألوان المختزلة إلى بضع نبرات ، تنظّم الفضاء بأسره.
وفي المشهد الثقافي الباريسي، يفرض معرض ماتيس 2026 نفسه حدثاً محورياً. فبفضل حجمه، ونوعية الأعمال المعروضة، ووجاهة الزاوية التي ينطلق منها، يتجاوز حدود المعرض الاستعادي التقليدي. مقدماً قراءة متجددة لأعمال ماتيس من خلال تسليط الضوء على مرحلة طالما اعتُبرت ثانوية، لكنها تبدو هنا مفتاحًا لفهم مجمل منجزه الفني.
وهكذا يتجلّى ماتيس في سنواته الأخيرة لا كفنان يودّع العالم، بل كمبدع يفتتح، عند عتبة النهاية، أفقًا جديدًا للون والفضاء والحرية.
Independent News
مجلة 24 ساعة