الرئيسية / صحافة ورأي / السينما والمدينة… التاريخ كما لو كان ذاكرة حية

السينما والمدينة… التاريخ كما لو كان ذاكرة حية

الكاتب أشرف الحساني
الكاتب أشرف الحساني
يؤدي فضاء المدينة دوراً أساساً في تشكيل المشهد السينمائي، إذ لا يكاد فيلم سينمائي واحد يخلو من معالم المدينة وجمالياتها، باعتبارها فضاءً تتبلور فيه القصص والحكايات، فهي تشكل العلامة البصرية التي تنطبع بها ذاكرة الأفلام وتبني عبرها خصوصياتها الفنية ومرجعياتها الجمالية. إنها بمثابة ذاكرة ميتة تغدو حية وهي تتنقل داخل سيرة المشاهد السينمائية، فالصورة تضمن للمدينة حياتها وسيرورتها في المتخيل الجمعي، بحيث تخرجها من سراديب النسيان وتزج بها في مباهج الوجود. وعلى رغم وفرة الفيلموغرافيا الغربية والعربية التي جعلت من السينما أفقاً بصرياً لعوالمها ومعالمها، فإن المرء لا يعثر داخل المكتبة العربية على كتب حول تاريخ المدينة المعاصرة، لا باعتبارها فقط مجرد تراث معماري ينبغي الحفاظ عليه، وإنما ما تمارسه المدن من سحر خلاق على أجسادنا. إنها تسكننا قبل أن نسكنها. فهي تشبه الرائحة التي نظل نحملها معنا أينما ذهبنا، بيد أن المؤرخ لا يتعامل هنا مع المدينة وفق هذه النظرة النوستالجية الحالمة، في كونها مختبراً قادراً على إنتاج الصور والأحلام والرؤى، ولكن بوصفها الفضاء الآسر الذي من خلاله نستطيع استنشاق عبق الماضي. ذلك أن مدناً من قبيل بيروت وعمان والقاهرة ودمشق وغيرها، يستطيع المرء أن يشعر بحرارة التاريخ، انطلاقاً من فضاء المدينة، فهي تقدم لنا صورة حقيقية عن الماضي.

تاريخ المدينة

لذلك فطن عديد من المؤرخين الفرنسيين إلى ضرورة كتابة التاريخ انطلاقاً من المدينة، بحكم ما تتيحه مآثرها وجدرانها وساحاتها وبناياتها من إمكانات مذهلة في كتابة تاريخ الهامش، بعيداً من جغرافيات المركز التي استنفذت مادتها على مستوى الوثائق التقليدية المكتوبة، التي ظلت تكرسها المدرسة المنهجية أو الوضعية مع كل من لانغوا وسينيوبوس. وإذا كانت هذه النظرة الحداثية في مقاربة التاريخ من خلال باب المدينة وعوالمها، قد حظيت باهتمام عديد من الباحثين في مجال تاريخ الفن، فإن المرء لا يعثر في العالم العربي على دراسة حقيقية تنتمي إلى مجال البحث التاريخي، جعلت من المدينة وشجونها أفقاً للتفكير في كتابة مونوغرافيات تاريخية محلية حول مدن بعينها.

لذلك فإن المخرج السينمائي المنشغل بجماليات بعض المدن العتيقة، يجد صعوبة في التعامل معها كفضاء جمالي في بنية العمل السينمائي، أمام غياب معلومات دقيقة حول تاريخ بعض المدن. ذلك أن الكتابة التاريخية لم تفطن إلى هذا البعد الابستمولوجي الذي تمنحه المدن للتاريخ المعاصر، إذ تعد أكثر الشواهد المادية تأثيراً في الخطاب التاريخي، بحكم صدقيتها وقدرتها على تقديم مادة مصدرية قوية أكبر بلاغة من الوثائق الأخرى المكتوبة.

إننا هنا أمام طفرة علمية وجدت طريقها نحو التحقق في التربة الغربية، لكنها تعيش التهميش والنسيان من لدن المؤرخين العرب الذين وإن انفتحوا على مفاهيم ومواقف وأفكار لوسيان فيبر ومارك بلوك وفرناند بروديل في إطار التاريخ الجديد، تظل كتاباتهم تضمر عسراً في فهم هذا النمط من الكتابة الذي وسع مفهوم الوثيقة وجعلها تنفتح على آفاق رحبة على مستوى الاشتغال.

لقد أثر غياب الدراسات المونوغرافيات حول تاريخ المدن العربية على بنية العمل السينمائي، بما جعل عديداً من المخرجين السينمائيين يقومون بتخييل المدن القديمة انطلاقاً من خيالهم من دون الاستناد إلى الهندسة الحقيقية التي وجدت عليها المدينة. وعلى رغم الطابع التخيلي الذي ينضح به العمل السينمائي، فإنه يفرض على المخرج ضرورة وجود بعض الحقائق، لا سيما حين نتحدث عن أسماء الأماكن أو مدن حقيقية عرفت بأحداث تاريخية معينة.

وهو أمر يدخل ضمن صناعة الأكسسوار الخارجي الذي يعد شرطاً جمالياً في بنية العمل السينمائي. بالتالي، فإن الإخلال بهذا العنصر الواقعي المرتبط بتشكل المدينة يمثل خرقاً حقيقياً لجوهر الفيلم السينمائي وجمالياته. لذلك يرى عديد من الباحثين والنقاد أن معظم المخرجين الذين يشتغلون على سيناريوهات تاريخية لا يجدون معلومات كافية حول المدن العربية وتاريخها ونظم عيش ناسها، بما يدفعهم بصورة تلقائية إلى محاولة اجتراح أفق سينمائي مغاير لما توجد عليها المدينة في أرض الواقع. إن الحديث عن المدينة في علاقتها بالسينما لا يأتي بمعزل عن مفهوم التاريخ فهو الخيط الرابط بينهما، لأن المخرج حين يستعيد تفاصيل المدينة، سواء كأكسسوار بصري أو فضاء سينمائي، فهو يستعيد بصورة مضمرة جزءاً من التاريخ المنسي ويجعله يحتل مكانة في المركز من جديد.

التاريخ والمدينة والسينما

إن العلاقة بين المدينة والتاريخ داخل السينما تبدو متشابكة وأكثر عمقاً على مستوى التفكير أكثر مما نعتقد، لأنها علاقة مؤسسة على جدلية علمية لها علاقة بـ”الاستعادة” و”التوثيق”. هذا الأخير، يعد مفهوماً مشتركاً بين المؤرخ والسينمائي، على رغم أن ما يقدمه المؤرخ (المعرفة) يختلف عن الهواجس الفنية والجمالية التي يؤمن بها المخرج في سبيل اجتراح صورة سينمائية، حتى لو كانت توثيقية ملتصقة بمسام المدينة وذاكرتها. مع العلم أن هناك كثيراً من الأفلام السينمائية العالمية، حين نعيد مشاهدتها نشعر وكأنها عبارة عن تاريخ للمدن ترويه الصورة، إذ لم يعتمد مخرجوها مقاربة استحضار التاريخ في السينما، بما يجعلهم يستندون إلى التاريخ كأرضية أو كفضاء سينمائي قابل للتخيل، بقدر ما حرصوا على أن تكون الكاميرا باعتبارها كتابة جديدة تكسر حدة الكتابة التاريخية الرسمية وتسعى إلى نقد كثير من اليقينيات التاريخية المبنية على وثائق تقليدية طالما عمل المؤرخ الفرنسي فرناند بروديل على نقدها بحكم استنادها على التاريخ الحدثي وليس البنيوي، بما جعل يطرح تصوراً فكرياً يستند على مفهوم “المدة الطويلة” في مقاربة التاريخ.

تطرح المدينة داخل السينما أسئلة فكرية خاصة حين يتعلق الأمر بالكتابة التاريخية المعاصرة، فهي وثيقة بصرية مهمة تظهر بقوة تحولات المجتمع والمسار التاريخي الذي طبعه، إذ هناك ادعاء كبير من لدن الباحثين الجدد بأن المؤرخ فطن في الأعوام الأخيرة، إلى أهمية الفيلم وقدرته على أن يصبح في المنزلة العلمية للوثيقة المكتوبة، من خلال ما يمكن أن يقدمه للمؤرخ من إمكانات هائلة في تحرير الكتابة من تقليديتها وفتحها على منافذ جديدة تحتمي بها.

لكن حين يهم المرء في التنقيب داخل المكتبات العربية بلغاتها المختلفة، لا يعثر على دراسات أكاديمية عربية قوية البنيان وشامخة التشييد، بما تطرحه من أسئلة فكرية قوية علاقة التاريخ/ المدينة بالصورة السينمائية. فهناك مقالات متناثرة داخل عدد من المجلات العربية، لا تصل حتى لتقديم الخطوط العريضة حول ثنائية المدينة والسينما، وذلك بسبب صعوبة الموضوع وعدم وجود مراجع علمية عربية وغربية تسعف المؤرخ أو الباحث على التفكير في الدور الذي تلعبه المدينة في تحرير الكتابة التاريخية، وتجديد مفاهيمها ووثائقها وأرشيفاتها بطريقة يصبح معها المؤرخ يمتلك قدرة علمية على كتابة تاريخ آخر، يبتعد عن الخطابات الرسمية الموجودة في المراجع العلمية الأكاديمية والمقررات الدراسية، التي لا تعمل سوى على تكرار الكلام وإعادة إنتاج المعلومات ذاتها بالاعتماد على الوثائق التقليدية نفسها.

سينما المدينة

تعد السينما اللبنانية أكثر النماذج التي أعادت الاعتبار لمفهوم المدينة داخل المنجز السينمائي العربي، إذ هناك عشرات من الأفلام التي أنجزت خلال فترة الحرب الأهلية اللبنانية (1975 – 1991) مع مارون بغدادي وجان شمعون وجوسلين صعب، أدت دوراً كبيراً في القبض عن هسيس المدينة وجراحها، ذلك أن هذه الفيلموغرافيا صورت بيروت بطريقة جعلت المشاهد يدرك من خلالها فظاعة الواقع، بيد أن المقاربة البصرية لمفهوم المدينة ظلت خاضعة لتصور كل مخرج، إذ ليس هناك إجماع على تاريخ واحد للمدينة، بل هناك رؤى مختلفة يشرع المخرج من خلال آلة الكاميرا إلى تصوير جوانب مختلفة من جسد المدينة، والتركيز على عناصر تبدو له مهمة أكثر من أخرى.

لكن عموماً خضعت بيروت إلى نمطين من التصوير: الأول، يقدم المدينة بوصفها مسرحاً لاحتضان القصص والحكايات كما هو الأمر في أفلام جان شمعون، بحيث أنتج لنا هذا النمط نوعاً من السينما التي تنفلت من قبض التوثيق وتكسر من حدة الوثائقي، بما يجعل الصورة ترنو إلى الخيال من طريقة هذه القصص التي يستعيدها جان شمعون، بنفس ينزع عن الوثائقي قداسته تجاه الواقع ويعطي للصورة أن تبني معالمها انطلاقاً من الحكاية المبثوثة داخل الفيلم. أما النوع الثاني، فقد صور بيروت في كونها أكسسواراً يحيل على كل ما له صلة بالموت والخراب والنفي والتشظي والمعاناة. وأسهمت هذه النظرة الضيقة في إنتاج أفلام “تسجيلية” لا تتعامل مع المدينة إلى بوصفها عنصراً جمالياً لا أكثر.

لكن في الحالتين معاً، تظهر المدينة في كونها فضاء خاضعاً لسلطة معينة، حيث يرتفع منسوب الرقابة في مواجهة الأحلام والصور، لكن ما يميز هذه الأفلام أنها تبدو للمشاهد وكأنها سينما مدينة، فهي معنية بتصوير الخراب والموت الذي يتجول بين الدروب والأزقة والحكايات المنسية تحت التراب. على هذا الأساس، نجحت السينما البديلة في لبنان أن تكون النموذج الأكثر تعبيراً والتصاقاً بحميمية المدن المنكوبة في تلقائيتها وجرحها وفوضاها، لكن مقاربتها ظلت خاضعة إلى نفس عناصر السينما الغربية مثل العمارة وتبدلات المدينة والسير والعلاقات المختلفة وغيرها من الممارسات اليومية التي تنتمي إلى هوية المدينة، كما نلمحها في أفلام من قبيل “سائق التاكسي” لمارتن سكورسيزي، و”نهاية الأسبوع” لجون لوك غودار، و”روما” لفليني، و”باريس، تكساس” لفيم فانديرس، و”حدود السيطرة” لجيم جارموش.

Independent News

شاهد أيضاً

يواصل ستارمر سياسة التنازل؟

روبرت فوكس في صباح صاف بارد، مرصع بالنجوم، من شهر مايو (أيار)، قبل 44 عاماً، …