الرئيسية / صحافة ورأي / يواصل ستارمر سياسة التنازل؟

يواصل ستارمر سياسة التنازل؟

في صباح صاف بارد، مرصع بالنجوم، من شهر مايو (أيار)، قبل 44 عاماً، خرجت من زورق إنزال إلى شواطئ جزر فوكلاند، أو “مالفيناس”، كما يسميها الأرجنتينيون، وهي تسمية يبدو أنها باتت تحظى بقبول متزايد لدى دونالد ترمب.

كان الماء بارداً إلى حد قارس. وكانت فرقاطة تطلق بين الحين والآخر قذائف فوق رؤوسنا، بينما كانت الكتيبة الثانية من فوج المظليين تنزل إلى الجزيرة. وكان بإمكاني أن أشم رائحة البارود المحترق.

كوني أول صحافي بريطاني يطأ الشاطئ مع انطلاق الحملة القصيرة لاستعادة الجزر إلى حكم التاج البريطاني يبدو تفصيلاً صغيراً في سيرتي الذاتية، لكنني أستعيد تلك الحرب الصغيرة في فوكلاند عام 1982 بشيء من السخرية من مفارقات التاريخ المعاصر وغرائب الأساطير السياسية.

وصلت إلى فوكلاند في الـ21 من مايو 1982، برفقة نحو 4 آلاف جندي وعنصر عسكري آخرين. وبحلول 14 يونيو (حزيران) 1982 كان كل شيء انتهى، إذ سيطرت القوات البريطانية على العاصمة الصغيرة ستانلي، واستسلم أكثر من 11 ألف جندي أرجنتيني، وكانوا يريدون فقط العودة إلى ديارهم. ومنذ ذلك الحين، أعادت الحكومات الأرجنتينية المتعاقبة إحياء مطالبتها بالسيادة على الجزر. وقال الزعيم الحالي خافيير ميلي إن الجزر تابعة للأرجنتين، بل ظهرت حتى على الأوراق النقدية الأرجنتينية. ويعد ميلي الواجهة المفضلة لتيار “ماغا” في أميركا اللاتينية، وقد موله ترمب بما يقارب من 40 مليار دولار.

ويصعد ترمب الآن موقفه، بعدما أفاد إيجاز صادر عن البيت الأبيض بأن “الولايات المتحدة باتت تميل إلى تفضيل” الموقف الأرجنتيني في شأن فوكلاند. ولا يمكن اعتبار ذلك مجرد مناورة، فمنذ عام 2010 كشفت احتياطات نفطية ضخمة وقابلة للاستثمار، ويعتقد أنها تزداد جدوى من الناحية التجارية. وقد تشكلت لهذا الغرض تكتلات عدة من الشركات، تتقدمها مجموعتا “نافيتاس” و”سي ليون”. ومن المتوقع أن يبدأ الحفر التجاري في حقل “سي ليون”، الذي تقدر احتياطاته بنحو 500 مليون برميل من النفط، عام 2028.

وفي المجمل، يعتقد أن مجموعة الحقول الأربعة حول فوكلاند تحوي احتياطاً غير مستغل يبلغ 60 مليار برميل، بما في ذلك حوض مالفيناس، الذي يمتد إلى المياه الإقليمية الأرجنتينية ويصل جنوباً إلى تييرا ديل فويغو عند تخوم القارة القطبية الجنوبية. أما فنزويلا، صاحبة أكبر احتياط في العالم، فلديها احتياط يبلغ 300 مليار برميل.

يحب ترمب النفط، وخصوصاً النفط الذي يمكن أن يقع ضمن النفوذ الأميركي، كما توحي مواقفه من احتياطات فنزويلاوآبار النفط في الكاريبي. لذلك، لا تبدو تهديدات فريقه في شأن فوكلاند مجرد ضجة عابرة، بل مسألة أكثر جدية بكثير من ادعائه الخيالي في شأن غرينلاند. ففي استراتيجية الأمن القومي التي أصدرها في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وباستعادة واضحة لنهج الرؤساء مونرو وماكينلي وثيودور روزفلت، اعتبر ترمب أن القارة الأميركية كلها، بكل ما فيها، تقع ضمن “نصف الكرة الخاص بنا”.

النزاع التاريخي على ملكية فوكلاند ملتبس ومربك. فالحجة الأرجنتينية تقول إن جمهورية الأرجنتين ورثت السيادة على الجزر من الإمبراطورية الإسبانية، التي سيطرت عليها لفترة وجيزة في مطلع القرن الـ19. غير أن القوات البريطانية والفرنسية كانت موجودة هناك قبل ذلك وبعده.

وتستند الحجة الأرجنتينية أيضاً إلى مبدأ الاتصال الجغرافي، ومفاده أن الأقرب ينبغي أن تكون له السيطرة. فالأرجنتين لا تطالب بفوكلاند وحدها، وهي جزر نائية في الأطلسي تبعد عنها 600 ميل، بل تطالب كذلك بجورجيا الجنوبية وسلسلة كاملة من الجزر، منها أوركني الجنوبية وشتلاند الجنوبية وثول الجنوبية، وهي كتلة هائلة من الجليد والصخور وفضلات الطيور، تمتد آلاف الأميال عبر محيطات القارة القطبية الجنوبية.

وهذا ما يدفعني إلى الاعتقاد بأن فريق ستارمر، المنحاز إلى المعارك القانونية لا المواجهات العسكرية، سيتخلى عن فوكلاند بلا تردد، على رغم التأكيدات الراهنة بأن القرار يعود إلى سكان الجزر أنفسهم. ولست واثقاً مما قد يحدث إذا مارست بوينس آيرس ضغطاً قوياً. وبالنظر إلى السياسات المتبعة والأداء حتى الآن، لا أرى أن هيرمر ولامي وكوبر وريفز وهيلي، ومعهم المستشاران جوناثان باول وفيليب ساندز، سيخوضون دفاعاً عن فوكلاند، لا من حيث المبدأ، ولا استناداً إلى القانون الدولي، ولا من حيث الممارسة، ولا بقوة عسكرية حاسمة. ففي النهاية، هم يعيدون الآن إحياء مساعي تسليم جزر تشاغوس إلى موريشيوس، بنظامها الموالي للصين، وعلى الأساس نفسه.

هنا تحديداً قد تواجه عقيدة “الحرب القانونية لا الحرب العسكرية” التي يتبناها معسكر ستارمر اختبارها الأصعب. فهيرمر ومحامو الحكومة سيجدون أنفسهم مضطرين إلى اللجوء إلى الأمم المتحدة، كما يفعلون في قضية تشاغوس. وقد عرض ملف فوكلاند مراراً على هيئات الأمم المتحدة المعنية بإنهاء الاستعمار. لكن الأقاليم الصغيرة التابعة للتاج البريطاني، بما لها من مجالس منتخبة ديمقراطياً، ليست حالاً عادية، ولا سيما إذا لم تكن تعد قادرة على إدارة حكمها ودفاعها بالكامل بمفردها. ثم إن الديمقراطية، أي إرادة سكان فوكلاند، وعددهم اليوم ثلاثة آلاف، لها اعتبارها. وهذا الاعتبار حاضر في فوكلاند وسانت هيلينا كما هو حاضر في جبل طارق، وهي أقاليم تبدو كلها اليوم، بحسب كل المؤشرات، في مرمى أنصار “الحرب القانونية”.

الدفاع عن فوكلاند مكلف، وهذه شكوى دائمة لدى وزارتي الخزانة والدفاع. وبصراحة، فإن القدرات الدفاعية هناك باتت ضعيفة إلى حد بعيد، لكن ذلك ينبغي ألا يغري الأرجنتين بمغامرة متهورة أخرى شبيهة بما حدث في أبريل (نيسان) 1982، حين أودت الحرب بحياة 255 عسكرياً بريطانياً وثلاثة من سكان الجزر و649 عسكرياً أرجنتينياً، بينهم 323 بحاراً من طاقم الطراد “بلغرانو”.

وأظن أن النتيجة المرجحة الآن قد تكون صيغة من الحكم أو السيادة المشتركة مع بوينس آيرس. وقد يصبح ذلك ضرورياً، لأن فوكلاند وحدها قد لا تكون قادرة على إدارة طفرة النفط والغاز المرتقبة وتوفير البنية والشروط اللازمة لاستغلالها.

وينبغي لأنصار “الحرب القانونية” ألا يغفلوا بعداً آخر في أهمية فوكلاند، وهو ما تتيحه لبريطانيا من دور في أبحاث القارة القطبية الجنوبية. فالجزر تشكل قاعدة لوجيستية لسلسلة من المختبرات والمحطات البحثية العالمية الرائدة التابعة لـ”هيئة المسح البريطانية للقطب الجنوبي”. وقد كانت بريطانيا سباقة إلى تكريس القارة القطبية الجنوبيةللأغراض السلمية وحدها، وكانت المهندس الرئيس لمعاهدة القطب الجنوبي لعام 1959. ولا تزال تلك المعاهدة نموذجاً للتعاون الدولي، استلهم لاحقاً في معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967.

قد لا يكون ذلك مما يستهوي ترمب وفانس وهيغسيث، لكنه يظل رمزاً للتقدم والأمل، في وقت يتجه فيه كوكب الأرض، من قطبيه إلى فضائه القريب والبعيد، نحو حرب باردة جديدة.

The Independent News

شاهد أيضاً

القصر الكبير” يستعيد السنوات الأخيرة من مسار ماتيس 

مهى سلطان أعاد ماتيس في سنوات الشيخوخة صياغة عالمه الداخلي عبر القصاصات الورقية الملونة والأشكال السابحة في …