« إيه إللي فَكَرّك؟ »، أقرأها في عيون الصُحاب الذين يتابعون بشغف ما أتذكّره، و أدَوّنه، و أرويه عن ماضي أيامي، مع الناس الآخرين الذين أثروا الصحافة المصرية بإبداعاتهم، و إجاداتهم، و ممتعاتهم، فكرا، و كتابة، و فنا.
« إيه إللي فكرك ؟ » بهؤلاء الذين رحلوا عن دنيانا، و كانوا من زمن، يحبون أن يسموه اليوم « الزمن الجميل».
سيرةة هؤلاء الذين أفتكرهم، و أفكر بهم، و أكتب ما عشته معهم، و ما عرفته عنهم، مرصوف في كتب، على أرفف المكتبات، أكَلها العثّ، و غطّاها الغُبار، و لم تمتد يد لفرّ صفحاتها، و الإستزادة من فهم حقيقة « الزمن الجميل ».
في طواف العمر على السنين، تعلمت الكثير من سيرة المبّرزين في الفكر، و الأدب، و الفلسفة، و السياسة، و الفن … ألهموني، علموني، كيف أفكر، أجادل، أناقش، أحاجج، و أنتج، و دلّوني على الحق و الخير و الجمال.
كان بنجامين فرانكلين يجمع مقالات المفكرين، و العلماء، يدرسها، يغوص فيها، ينخلها، يُصفيها، يُدوّن ملاحظاته حولها، ثم يعيد صياغة النظريات، و المفاهيم العلمية التي كان يستبحر فيها بفهمه، و بأسلوبه، ثم يقرأ بتأنِ ما كتب، و يُعيد الصياغة، مرّة و مُثني و ثلاثا… حتى يتيقن أن ما كتبه، يحاكي بالمستوى ما وضعه هؤلاء المفكرين، و الفلاسفة، و العلماء.
أقف بحسرة و ألم، أمام واقعة مريرة: ففي إحدى الجامعات المصرية الخاصة، سأل الأستاذ المحاضر أحد الطلاب، عما يعرف عن جمال عبد الناصر… فرد عليه الطالب بتلقائية:
« إسم محطة مترو الإسعاف ».
لم تكن تلك الواقعة تندرًا، أو هزءا، أو إستهزاء من أحد، إنما واقعة حقيقية، تدل على واقع مرير، و وضع مخيف، لجيل لا يعرف رجالات بلاده، ولا تاريخها، لا القديم و لا الحديث، و لا يريد أن يتزود بأي معلومات عن العصر.
في جامعاتنا، تتفشى لوثة الجهل، و الغباوة، و الأمية الفكرية و الثقافية.
طلبة مشوهون، ملوثون، لا يقيمون وزنا للمعرفة و للقيّم، غير مبالين، ينتمون الي اللاشيء.
و هذا ما حدا برئيس البلاد عبد الفتاح السيسي، بأن يعلن عن حاجتنا الى تحرك قوي، سريع، فاعل و فعال، من أجل إعادة بناء الشخصية المصرية لمواكبة العصر الحديث، و ما سبقنا إليه غيرنا، من علم، و تكنولوجيا، و فكر، و فلسفة، و سياسة، و فن، و إبداع و خلق. فنكون مبدعين، خلاّقين، لا تابعين، متأثرين، مستهلكين.
عندي أن لا سبيل لبدء البناء، إلا بالتعرف على السيرة الذاتية للناجحين في العالم، علما، و فكرًا، و أدبًا، و فنا، و…سياسة. فنفهم طُرُق تفكيرهم، و توّجهاتهم، و نظرياتهم ، و مناهجهم، لنتخلص من الإبتذال، و الإستسلام، و اللاثقافة، و من الأمية الفكرية و الثقافية، و ننتشل الجيل الطالع من ثقافة « نمبر وان »، و فن « شاكوش »، الى التفكير الرصين، المبدع، الخلاق.
و بدل الإكتفاء بالنحيب، و اللطم على الوجوه، و سباب الظروف ، ثم نعود و نرجو، و نتمنى، و نُمني النفس بالأوهام … بَدَل ذلك كله فلنُشّمر عن سواعدنا و نبدأ عملية بناء الشخصية المصرية.
أظن انني أجبت عن السؤال:
« إيه إللي فَكَرّك؟ ».
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة