الرئيسية / صحافة ورأي / الأزهار تلازم حياة البشر وتمنحها معاني الزمن المتقلب

الأزهار تلازم حياة البشر وتمنحها معاني الزمن المتقلب

فان غوخ في عالم الزهور (متحف الرسام)

ي كتابه “كيف صنعت الأزهار عالمنا”، الصادر حديثاً عن دار بنغوين، يأخذنا عالم الأحياء الأميركي ديفيد هاسكل إلى أرض العجائب، حيث تتخلى الزهرة عن كونها مجرد رمز للحب أو بلسم للفقد، لتظهر كفاعل اجتماعي كلي القدرة، يصنعالتاريخ ويهندس شروط الوجود بأكمله.

يستعرض الكتاب بأسلوب يمزج بين الدقة العلمية والتدفق الأدبي كيف أعادت الأزهار صياغة كوكبنا، بدءاً من تفجير ثورة الألوان والروائح التي أعادت تشكيل أدمغتنا، وصولاً إلى دورها الحاسم في تطور التنوع البيولوجي وتأمين سبل البقاء للأنواع. إنه ليس مجرد كتاب في علم النبات، بل سيرة ذاتية للأرض تكشف كيف منحتنا هذه الكائنات الرقيقة الحواس التي نرى بها العالم اليوم.

سر الانفجار الزهري

لفترة طويلة من عمر الزمن، ظلت الأرض أسيرة “رتابة خضراء” دامت لأكثر من 300 مليون سنة، كانت الغابات فيها صامتة، تفتقر إلى صخب الألوان. ومع أواخر العصر الجوراسي وقع ما يشبه “الانقلاب الجمالي”، إذ لم تكتف الأزهار بالظهور، بل اندلعت كشرارة في حقل جاف، محدثة ما يوصف بـ”الانفجار التطوري” الذي أعاد رسم “باليتة” الحياة على الكوكب بأسره.

لقد تدفقت الأزهار عبر شقوق الأرض وقسوتها بمرونة فنان يطوع المادة الصلبة، محولة التحديات البيئية إلى حوافز للإبداع التكيفي. في صحارى أستراليا الحارقة، تقف النباتات المزهرة اليوم كشاهد إثبات على هذه العبقرية، حيث تتكاثر بغزارة في بيئات عدائية، لتثبت أن الحياة لا تزدهر على رغم القسوة، بل بفعلها، تماماً كما تولد اللوحة العظيمة من رحم المعاناة.

هذا الظهور المباغت هو ما وصفه “تشارلز داروين” يوماً بغيظ: “لغز بغيض”، لا يزال يمثل المعضلة الكبرى في تاريخ الطبيعة. وعلى رغم أن العلم يضع “التضاعف الجيني” كأحد المفاتيح التفسيرية، فإن الفجوة الزمنية بين الحدث ونتائجه تشير إلى أننا أمام “سيمفونية” تضافرت فيها عوامل كونية وبيئية أعمق من مجرد طفرة واحدة.

منذ تلك اللحظة الفارقة، لم تعد النباتات المزهرة مجرد “ضيف محلي” على الهامش، بل تحولت إلى المايسترو الذي يقود أوركسترا الأرض. وخلال 150 مليون عامن، بسطت الأزهار هيمنتها على الكوكب، لتعيد صياغة النظم البيئية الكبرى، وتمنح العالم الهوية البصرية والحيوية التي نعرفها اليوم.

حين تثور الأزهار

يبدأ هاسكيل في زعزعة مركزيتنا المتوهمة حين يدعونا للنظر إلى أنفسنا كـ”قرود عشبية” مدينة بوجودها لثورة الزهور. فنحن في جوهرنا لسنا مجرد كائنات تقتات على النبات، بل “نتاج خالص” لتلك الطاقة المركزة التي ضختها الأزهار في أحشاء بذورها وثمارها. وبنظرة ثاقبة، يرى أن “الإندوسبيرم”، ذلك النسيج المغذي داخل حبة القمح والذرة، لم يكن مجرد مخزن للنشا، بل كان “الوقود الحيوي” الذي أشعل فتيل الحضارة، فلولا هذا الاختراع الزهري العبقري، لما امتلك الدماغ البشري الطاقة الكافية لينمو ويتعقد، ولما عرف الإنسان الاستقرار ليبني أولى مدنه.

حتى حواسنا التي نفخر بها ليست إلا صدى لهذا التأثير، فقدرتنا الفريدة على تمييز الألوان ليست سوى “بصمة” تركتها الأزهار في أعصابنا، حين صاغت حواس أسلافنا لرصد ومضاتها الملونة وسط متاهات الغابة الخضراء. إننا، بمعنى ما، لا نرى العالم بأعيننا، بل بأعين الزهور التي منحتها لنا.

يقودنا هذا إلى أطروحة “معضلة آكلة اللحوم” لمايكل بولان: نحن لا نستخدم الذرة والقمح، بل هي التي “تستخدمنا” كمركبات لنشر جيناتها عالمياً، محولة الإنسان إلى مجرد “وسيلة مواصلات” للأعشاب المزهرة، فهل كان الانتقال من الصيد إلى الزراعة مجرد “فخ” نصبته لنا الحبوب؟ لقد قدمت لنا فائضاً من السعرات عززت أدمغتنا، لكنها في المقابل قيدتنا بالأرض. وهو ما يذهب إليه يوفال نوح هراري في كتابه “العاقل” بجرأة حين يقرر: “نحن لم ندجن القمح، بل القمح هو من دجننا”.

إنترنت الزهور فائق السرعة

يصل هاسكيل إلى ذروة الإثارة العلمية حين يستعرض “حلقة الغواية اللانهائية” بين الزهرة والحشرة، تلك الشبكة المعقدة التي تجمع بين الإغواء والتمكين، وبين الاحتيال والتبادلية. في هذا العالم، تبدو الزهور كـ”محركات تطورية” استثمرت شهوة الحشرات عبر بتلاتها، لتعيد صياغة وجه الحياة وتملأ فراغات العالم بهذا التنوع الذي نعيشه اليوم.

في عالم “الأوركيد” تحديداً، يتهاوى وهم “الفردانية” المقدس، فهذه الزهرة الرقيقة تبدأ حياتها ككائن هش لا يملك مخزوناً غذائياً، ولا يملك حق البقاء إلا عبر “عناق فجري” مع فطريات التربة، لتصبح التجلي الأسمى لما وصفته سوزان سيمارد بـ”شبكة الغابة الواسعة”، حيث تكشف لنا هذه الشراكة أن أجمل ما في الطبيعة لا ينمو بالاستقلال، بل بحسن الاتصال. الأوركيد لا يقتات على الفطريات، بل ينسج معها لغة كيماوية تحول التربة المظلمة إلى منصة لدعم الوجود. هنا تترسخ “أخلاقيات حيوية”: العزلة في الطبيعة تعني الفناء، والوجود في جوهره، شبكة من العلاقات.

أما فيزياء الزهور، فتنتقل بنا إلى تخوم الخيال العلمي، إذ يصور هاسكيل الحقل كضجيج صاخب من الإشارات الكهرومغناطيسية. وكأن الزهور تدير “إنترنتاً لاسلكياً” فائق الدقة، فقبل أن تهبط النحلة تجذبها “هالة كهربائية” تبثها الزهرة كمنارة غير مرئية ترشد الملقحات في عتمة الضوء. والمذهل حقاً هو ما يحدث لحظة التلامس، إذ تتغير شحنة الزهرة فوراً مرسلة إشارة “لاسلكية” للنحل الآخر مفادها: “لقد نفد الرحيق، يرجى البحث عن زهرة أخرى”.

بهذه الدقة، تُفك شيفرات الكيمياء الزهرية كأنظمة بث واستقبال سبقت ثورة التكنولوجيا البشرية بملايين الأعوام. لقد حولت الزهور الطبيعة إلى “شبكة عصبية كبرى”، كل رائحة هي رسالة، وكل لون هو تردد، وكل شحنة هي أمر بالاستجابة، لتبدو الزهور في نهاية المطاف كـ”مهندسات اتصالات” صممن نظام الوجود قبل أن نعرف نحن معنى الإشارة.

في حضرة الجمال

يعزي هاسكيل حبنا للأزهار إلى “حكمة موروثة” نقشتها يد التطور في نهاياتنا العصبية وكيمياء أدمغتنا، ففي حضرة الأزهار، تتوهج حواسنا، ويستيقظ الجمال الساكن في أعماقنا ليعتقنا، ولو للحظة، من قشرة الأنا الصلبة. لكنه في ختام رحلته، يتركنا أمام حقيقة مربكة، فهذه الكائنات التي صنعت عالمنا ومنحتنا حواسنا وأمدت أدمغتنا بالطاقة لشييد الحضارة، تقف اليوم بالفعل على حافة الزوال. إنها لا تواجه هذه المرة “يداً غافلة” فحسب، بل تواجه “غفلة كوكبية” تهدد العمود الفقري للحياة.

لقد برهنت الأزهار عبر التاريخ الجيولوجي على قدرة فذة في تحويل الاضطرابات البيئية إلى فرص للتجدد، مسهمة في بناء وصيانة أعظم الأنظمة البيئية، من الغابات المطيرة إلى السافانا والبيئات الساحلية، لتغدو المحرك الخفي الذي حفظ توازن الأرض واستمراريتها. لذا، تتجاوز رسالة هاسكيل للجيل الحالي مجرد الحفاظ على الزهور لتربية الجمال، لتصبح دعوة لإعادة الاعتبار لهذا الذكاء الفطري، فكل نوع ينقرض اليوم هو حبل اتصال نقطعه بأيدينا من شبكة الوجود المترابطة.

Independent News

شاهد أيضاً

يواصل ستارمر سياسة التنازل؟

روبرت فوكس في صباح صاف بارد، مرصع بالنجوم، من شهر مايو (أيار)، قبل 44 عاماً، …