الرئيسية / صحافة ورأي / من النفط إلى القيمة.. كيف تعيد الإمارات كتابة معادلة الطاقة؟

من النفط إلى القيمة.. كيف تعيد الإمارات كتابة معادلة الطاقة؟

علي الشمّري
علي الشمّري
الرئيس التنفيذي لشركة جلوبال ساوث يوتيليتيز، التابعة لشركة ريسورسز إنفستمنت الاستثمارية في أبوظبي
لم تعد الطاقة مجرد ما يُستخرج من باطن الأرض، بل ما يُبنى فوقها. ولم يعد السؤال من يملك النفط بل من يملك القرار؟ ومتى يختار أن يستخدمه؟ 

وسط هذا التحول، يأتي قرار دولة الإمارات بمغادرة منظمة [http://قرار خروج الإمارات من أوبك يسمح لها بضبط سوق النفط جاءت خطوة دولة الإمارات بإعلان خروجها من منظمة الدول المصدرة للبترول «أوبك» و«تحالف أوبك+» اعتبارا من مايو المقبل، ليسمح لها بالمساهمة في ضبط سوق النفط الذي يعاني من اضطرابات في الامدادات تحت ضغط الحرب في إيران واضطراب مضيق هرمز. وأعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة قرارها الخروج من منظمة الدول المصدرة للبترول «أوبك» و«تحالف أوبك+»، على أن يسري القرار بدءاً من الأول مايو المقبل، وفق ما نقلته وكالة أنباء الإمارات (وام). وكشفت (وام) نقلاً عن الحكومة الإماراتية أنه قد جاء القرار بعد مراجعة شاملة لسياسات الإنتاج والقدرات الحالية والمستقبلية، في ظل متغيرات السوق العالمية، والتقلبات الجيوسياسية التي تؤثّر في إمدادات الطاقة، خاصة في منطقة الخليج ومضيق هرمز. يهدف القرار إلى منح الإمارات مساحة أوسع لإدارة مستويات الإنتاج بما يتناسب مع احتياجات السوق العالمية، بعيداً عن القيود الجماعية، مع الاستمرار في اتباع نهج تدريجي ومدروس في زيادة الإنتاج. وأوضحت (وام) أن استقرار منظومة الطاقة العالمية يتطلب إمدادات مرنة وبأسعار مناسبة، وهو ما تسعى الدولة إلى تحقيقه من خلال استثمارات مستمرة في تطوير مواردها، إلى جانب تعزيز كفاءة الإنتاج وخفض التكلفة والانبعاثات. نقاش ممتد لسنوات.. ورؤيتان داخل السياسة النفطية يقول بشار الحلبي، محلل أسواق النفط والطاقة لدى شركة Argus Media، في مقابلة مع ]أوبك وتحالف أوبك+ كنتيجة طبيعية لمسار واضح واستثمارات طويلة ورؤية محسوبة. ما نشهده اليوم هو انتقال إلى مرحلة مختلفة من التفكير.

لسنوات طويلة، كان التنويع في مصادر الدخل يُفهم بوصفه وسيلة لتقليل الاعتماد على النفط. كان ذلك ضرورياً في مرحلةٍ سابقة، حين كان النفط يشكّل العمود الفقري الوحيد للاقتصاد. أما اليوم، فقد نضج هذا المفهوم.

فلم يعد السؤال: كيف نبتعد عن النفط بل أصبح كيف نستخدمه بأقصى كفاءة، وفي الوقت ذاته نبني ما بعده بثقة؟

من هنا، لا يبدو هذا القرار خروجاً من إطار، بقدر ما هو انتقال إلى مرحلة مختلفة من إدارة الموارد؛ مرحلة يُعاد فيها تعريف قيمة كل برميل نفطي، ليس ككمية تُصدَّر بل كمنصة صناعية واقتصادية تبدأ من الحقل ولا تنتهي عنده.

الصناعات البتروكيماوية، في هذا السياق، ليست خياراً إضافياً، بل امتداداً طبيعياً لهذا التفكير. هي الطريقة التي يتحول بها النفط من مادة خام إلى منظومة إنتاجية متكاملة تخلق فرص عمل، وتبني سلاسل قيمة طويلة، وتعزّز حضور الاقتصاد في قطاعات أكثر تقدماً.

لكن هذه العودة الواعية إلى تعظيم قيمة النفط لا تأتي بمعزل عن تحولات أوسع. على العكس، هي تتقاطع مع تسارع الاستثمار في الطاقة المستقبلية. فالإمارات، وهي تعيد صياغة علاقتها بالهيدروكربونات، تمضي في الوقت ذاته نحو تنويع مصادر الطاقة نفسها. سنشهد، في المرحلة المقبلة، مشاريع طاقة مختلفة، هدفها دعم النمو وتقليل الاعتماد على الطاقة الهيدروكربونية بشكل تدريجي ومدروس.
وفي قلب هذا التحول، تبرز نماذج جديدة لإنتاج الطاقة لم تكن مركزية في الماضي. على سبيل المثال، تمثل مشاريع الطاقة التجارية والصناعية أحد أبرز هذه التحولات. حين تقوم المصانع والمنشآت التجارية بتركيب الألواح الشمسية، وتخزين الطاقة عبر البطاريات، فإنها لا تكتفي بتقليل التكاليف، بل تعيد تعريف دورها داخل المنظومة الاقتصادية. لم تعد هذه المنشآت مجرد مستهلك للطاقة، بل أصبحت شريكاً في إنتاجها.
هذا التحول يحمل آثاراً متعددة. فهو يخفف الضغط على محطات التوليد المركزية، ويزيد كفاءة استخدام الطاقة، ويعزّز الاستدامة البيئية، وفي الوقت ذاته يمنح الشركات استقلالية أكبر في إدارة احتياجاتها. إنها خطوة هادئة، لكنها تعكس تحولاً عميقاً في بنية الاقتصاد نفسه، من نموذج مركزي إلى نموذج أكثر توزيعاً ومرونة.
في هذا المشهد، يتقدم النفط والطاقة المتجددة معاً ضمن مسار واحد يعيد تشكيل مفهوم الطاقة ككل؛ النفط يُستخدم بذكاء أكبر، والطاقة الجديدة تُبنى بثقة أكبر، وبينهما تتشكل معادلة أكثر توازناً واستعداداً للمستقبل.
هكذا، يمكن قراءة القرار الإماراتي بعيداً عن ثنائية «الخروج» و«البقاء».

الإمارات تعيد رسم الإطار، وتتقدم داخل سوق الطاقة برؤية ترى في كل برميل فرصة، وفي كل واط استثماراً للمستقبل. وفي عالمٍ لم يعد يقيس القوة بحجم الموارد فقط، بل بكيفية إدارتها، تبدو هذه الخطوة امتداداً طبيعياً لدولة اعتادت أن تتحرك قبل أن تفرض الظروف خياراتها.

وفي خلفية هذا التحول، لا يمكن فصل هذه الخطوة عن نهج قيادي رسّخ، على مدى عقود، فكرة أن الطاقة ليست مورداً فقط، بل أداة لبناء المستقبل. هذا النهج يُبنى على الاستثمار في الإنسان، وتنويع الاقتصاد، واستباق التحولات العالمية بدلاً من انتظارها.

ما نراه اليوم هو امتداد عملي لهذه الرؤية -رؤية لا تكتفي بإدارة الموارد، بل تعيد تعريف دورها في عالم يتغير بسرعة.

تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.

شاهد أيضاً

القصر الكبير” يستعيد السنوات الأخيرة من مسار ماتيس 

مهى سلطان أعاد ماتيس في سنوات الشيخوخة صياغة عالمه الداخلي عبر القصاصات الورقية الملونة والأشكال السابحة في …