
المدير التنفيذي في مجموعة كونتيننتال
تنطلق مبادرة موفمبر (Movember) للتوعية بصحة الرجال في شهر نوفمبر من كل عام، حاملةً معها مزيجاً فريداً من روح الدعابة والرغبة الجادة في إجراء تغييرات هادفة على العادات الصحية، وقد تطورت فكرة المبادرة من مجرد تحدٍ وديٍّ بين الأصدقاء إلى حملة عالمية لتشجيع الرجال على الاهتمام بحالتهم الصحية، وحثّهم على إجراء الفحوص الطبية، وتحويل نقاط الضعف إلى قوة. وفي دولة الإمارات، يكتسب الحوار حول هذه الأولويات الصحية زخماً متزايداً، سواء كان ذلك في المكاتب أو النوادي الرياضية أو المنازل.
وتدور الأحاديث في العادة حول أهمية تعزيز اللياقة البدنية، والالتزام بنظام غذائي متوازن، وإجراء الفحوص الطبية الدورية، إلا أنها غالباً ما تفتقر إلى أحد أهم الجوانب المتعلقة بصحة الرجال، وهي الصحة المالية. ولطالما تمحورت مبادرة موفمبر حول سُبل الوقاية من الأمراض، وهي رسالة يتطلب تحقيقها اهتماماتٍ وإجراءات تتجاوز الجوانب الجسدية. ويشمل ذلك وضع خطة متكاملة ومتوازنة، تتيح للأسرة الصمود في مواجهة الظروف الطارئة، والحفاظ على استقرارها المالي في حالات المرض المفاجئ.
أرقام وإحصائيات مهمة
يستند تقرير مطالبات العملاء 2025، الذي أعدته شركة زيورخ العالمية للتأمين على الحياة، إلى بيانات جُمعت على مدار 3 سنوات في دولة الإمارات والبحرين وقطر، ويُظهر أن أمراض القلب والسرطان تأتي في طليعة الأسباب المؤدية إلى المطالبات التأمينية لدى الرجال. وأشار التقرير إلى أن نحو 60% من المطالبات الأفراد بمزايا تكاليف المعيشة بمبالغ التأمين المرتبطة بمنافع الحياة تعود إلى الإصابة بالنوبات القلبية أو السكتات الدماغية، بينما كان ثلث هذه المطالبات مرتبطاً بالأمراض السرطانية. أما بالنسبة للمطالبات في حالات الوفاة، فقد بلغت نسبة الوفيات المسجلة بين الرجال بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية 50%، في حين بلغت نسبة الوفيات الناجمة عن الأمراض السرطانية 25%.
تعكس هذه الأرقام المشهد السائد على مستوى المنطقة، وتؤكد أن مستويات الاستعداد المالي لم تستطِع مواكبة الوتيرة المتنامية للوعي بأهمية التأمين. وتُشير البيانات إلى المشكلة الشائعة في هذا المجال؛ وهي أن العائلات تمتلك في العادة تغطية طبية، لكنها تفتقر إلى الدعم المالي الكافي لتحمل التكاليف التي تلي مرحلة العلاج، مثل تكاليف إعادة التأهيل، والاستشفاء، والأشهر الطويلة التي تسبق استئناف العمل.
من المعروف أنّ التأمين الطبي يقتصر على تكاليف العلاج في المستشفى، ولا يمتد ليشمل تغطية نفقات الإيجار والرسوم المدرسية وفواتير الخدمات المنزلية ريثما يتماثل الفرد للشفاء. وهنا تبرز أهمية تغطية الأمراض الحرجة، بحيث تشمل الفترة الممتدة بين التعافي والعودة إلى العمل.
وفي منطقة الخليج العربي، يتولى كثير من الأفراد إعالة أسر كبيرة من مصدر دخل واحد، لذا فإن صعوبة التأمين المالي لمرحلة ما بعد العلاج قد تحمل آثاراً طويلة الأمد؛ فالرجال يعتبرون أنفسهم ركيزة الأسرة ومصدر أمانها، لا أشخاصاً يمكن أن يصيبهم المرض ويحدّ من قدراتهم. وينبع هذا المفهوم الراسخ من إحساس الرجل بالمسؤولية، لكنه قد يترك العائلات عُرضةً للمخاطر. لذا فإن التعامل الجاد مع فكرة الحماية المالية والتأمينية هو في جوهره علامة نضج ووعي، ينشأ من إدراك الفرد لتقلبات الحياة وإمكانية فقدان الاستقرار.
دروس مستخلصة من الحياة اليومية
يروي المستشارون الماليون قصصاً تلخّص العلاقة الوثيقة بين الوعي بوجود الخطر والتحرك الفعال لتجنّبه. وتتعلق إحدى هذه القصص بخبير مخضرم في العقد السابع من العمر، قرر أن يعزّز خطته الحالية بدلاً من شراء وثيقة تأمينية جديدة، خشية ارتفاع أقساط التأمين. وقد تعرض لأزمة قلبية بعد أشهر قليلة من ذلك، فسمح التعويض الذي حصل عليه بفضل هذا القرار ببقاء أسرته مستقرة مالياً طوال فترة علاجه الطويلة.
وتكشف مثل هذه الحالات دور بعض الخيارات البسيطة والمدروسة في الوصول إلى نتائج مختلفة جذرياً، فخلال خمسة عشر عاماً، قد لا يتجاوز الفرق بين تكلفة وثيقة تأمين أساسية وأخرى تشمل تغطية الأمراض الحرجة مبلغ 67 ألف درهم إماراتي. ولا يشكل هذا المبلغ إلا جزءاً ضئيلاً مما يمكن أن تتطلبه تكاليف العلاج والسفر وفقدان الدخل في حالة المرض، وبالتالي فإن عدم اقتران الوعي بوجود الخطر مع التحرك الفعال لتجنّبه هو السبب الأبرز في تدهور الاستقرار الصحي والمالي.
إعادة تعريف مفهوم المرونة
حققت حملات موفمبر في بداياتها نجاحاً لافتاً بفضل روح الدعابة والتضامن التي بثّتها، لكنّ أثرها الأعمق تمثّل في إعادة صياغة مفهوم القوة والصلابة لدى الرجال. وقد نجحت المبادرة في لفت أنظار الرجال إلى أن المرونة ترتبط بالجاهزية لمواجهة الأزمات الصحية والحالات الطارئة وغير ذلك، بعد أن كان المفهوم التقليدي مقتصراً على اعتبارها مرادفاً للصلابة والعمل الدؤوب والحيوية الدائمة.
أصبح ترسيخ هذه المفهوم ضرورة مُلحّة في دولة الإمارات، لا سيما وأنها تصنَّف بين أسرع الاقتصادات نمواً في العالم، حيث يتشابك العمل بالحياة الأسرية بشكل وثيق. واستناداً إلى هذا المفهوم، فإن المرونة تتجلى بشكل أكبر في إمكانية توقع الأزمات والاستعداد لها، وليس فقط في القدرة على التحمل، لضمان ألا تتحول الحالات الصحية الطارئة إلى أزمات مالية خانقة. لذا، يتوجب توفير آليات بنّاءة تضمن الاستقرار في حال وقوع أزمة صحية، بعيداً عن فكرة الخوف من المستقبل وما يمكن أن يحدث.
وقد تطور الحوار حول صحة الرجال ورفاههم، فلم يعد الحديث عن الصحة النفسية مثيراً للحرج كما في السابق، ودخلت مفاهيم اللياقة البدنية والوقاية الصحية إلى صميم الحياة اليومية. وفي ضوء ذلك، تبرز الثقافة المالية بصفتها الثغرة الأكبر ضمن هذه الحوارات، نظراً لضرورة فهم آلية عمل وثائق التأمين، ومعرفة بنود الاستثناءات، ومدى شمول التغطية، بما يوازي أهمية معرفة ضغط الدم أو مستوى الكوليسترول.
إن هذا الفهم الأوسع لمسألة العافية والرفاهية يشجع على إقامة تعاون أكبر بين العائلات وأصحاب العمل والمستشارين الماليين؛ فيمكن لأماكن العمل التي تشجع على إجراء الفحوص السنوية أن تعزز مساعيها في هذا المجال من خلال تنظيم جلسات مخصصة للتوعية المالية. أما العائلات، فيمكنها إدراج مراجعة تغطية التأمين ضمن خطتها السنوية، تماماً كما تفعل مع الفحوص الطبية الدورية. وتتحول هذه الممارسات مع مرور الوقت إلى عاداتٍ مجتمعية ثابتة، ترسّخ فكرة أن الحماية ليست قراراً فردياً بل جهداً جماعياً يضمن استقرار الأسرة واستدامة الحياة.
تغيير المفهوم السائد عن الحملة
تحقق حملة موفمبر نجاحاً سنوياً مبهراً بفضل حفاظها على جوهرها الإنساني البسيط، فهي تدعو الرجال إلى متابعة أحوالهم الصحية والاطمئنان على بعضهم بعضاً. ويكتمل النجاح عند توسيع هذه الرسالة لتشمل التوعية بضرورة تأمين الحماية المالية اللازمة، فالوعي يجب أن يقترن بأفعال ملموسة.
ويمكن للتحديات الصحية أن تطرأ دون سابق إنذار، لذا فإنّ ضمان الاستقرار المعيشي يوازي في أهميته عملية الاستشفاء، ويشمل المحافظة على تماسك الحياة الأسرية ومواصلة التعليم والسعي نحو الأهداف طويلة الأمد، كما أن بناء شبكة أمانٍ مالية قبل الحاجة إليها هو عمل رعايةٍ بحد ذاته، لا يقل أهميةً عن أي فحصٍ طبي أو إجراءٍ وقائي.
وتكمن قوة حملة موفمبر في بساطتها الفريدة، فهي حوار ودي قائم على تشجيع الاهتمام بالنفس والاطمئنان على الآخرين. ولا شك أن توسيع هذه المبادرة لتشمل مقومات الصحة المالية يمنحُها بُعداً جديداً ورسالة أكثر شمولاً، فالخطوة الأهم التي يمكن للرجال اتخاذها بعد التوعية وإجراء الفحوصات تتجلى في ضمان استقرار عائلاتهم في الحالات الطارئة، بما ينسجم مع المعنى الحقيقي للرعاية المستدامة.
CNN Business News
مجلة 24 ساعة