الرئيسية / كلمة العدد /
الغربة الثانية (٥١)
الصروح الورقية الموروثة  !
مودي حكيم
مودي حكيم

الغربة الثانية (٥١)
الصروح الورقية الموروثة  !

خلال حياتنا اليومية كل منا معرض بأن يمر بتجربة صادمة خارجة عن السيطرة ، تجربة مصيرية من الصعب مواجهتها والتغلب عليها، و لكن عند بعض الأشخاص مثل هذه التجارب تسبب ردة فعل قد تستمر لأشهر او حتى سنوات. الصدمة المباغتة التي داهمت أمية اللوزي بعد اغتيال الزوج كانت قوية ، ووجدت أمية اللوزي صعوبة فى تخطي الموقف، فالعبء كبير، سيطر عليها الخوف من رهاب موقعها الجديد كصاحبة عمل و رئيسة مجلس إدارة مؤسسة، مسئولية كبيرة ، وخاصة أن سليم اللوزي الذي عرف بانه كان من ألمع الصحفيين اللبنانيين وأكثرهم جرأة في فتح ملفات القضايا الساخنة كان يقول للعاملين معه : ” الحوادث ” خط سياسى ، هي رسالة ، حافظوا عليها من بعدي ، لكن كيف تحافظ عليها ؟ ومن أين تبدأ ! …

كان من الصعب إعادة التوازن إلي الجسد المترنح على البساط المسحوب. سيطر الفراغ الإداري على مفاصل الحوادث ، وفقدت قدرتها على الإبداع . وتعلقت الأنفاس، أنفاس آلاف القراء المتعلقون بنبض الحياة من الحقائق والمعلومات والتحليل للأجندات المختلفة والصراحة فى معالجة كل مايدور فى العالم ، والإستقصاء الصحفي فى  صباح كل يوم جمعة. وتوتر فريق العمل من الصحفيين الكبار وأصحاب الفكر والعطاء فى مجلة الحوادث ، بما قد يحدث من تداخلات وتفاعلات وإتخاذ قرارات عشوائية لصاحب الدار الجديد قد تقود المؤسسة الي الضياع. وكان من الطبيعى أن تخرج الأقنعة لأشخاص لمن نالوا من الفشل نصيبهم ، متسلقون يجيدون فنون المداهنة والتملق ، انتهازيون إلتفوا حول أمية اللوزي، قادهم شخص من عائلة ” آل المقدم” ، تقرب وتودد من امرأة ضعيفة حائرة ضائعة تبحث عن مخرج ، ومن باب الحرص والخوف على أموالها، جاء لها بمشروع شراء أجهزة طباعية وبشخص إسمه رؤوف القبيسي لإدارة المشروع ، و كان لابد من دخول من يريد إنتهاز الفرصة واغتنامها واقتناص الفرص منهم خلدون الصلح .

واجهت امية اللوزي بأسلوب اداراتها معارضة شديدة من كثيرون من المخلصين الأوفياء للحوادث ولأستاذهم المؤسس، كانوا حريصين على إستمرار الحوادث كما كان يريد لها صاحبها. تولي سليم نصار وريمون عطالله إدارة التحرير، وإستقطبت أمية إبن اختها وليد العلايلي، زوج ابنته أسما سليم اللوزي ليتولي الأمور الإدارية. حاولت أن تتدخل فى الشؤون التحريرية ولكنها لم تنجح.

لم تتحمل أمية اللوزي ضغوط العمل ، وبناتها صغار لا يمكن لهن استكمال المسيرة . فقررت بيع الحوادث لصياد الصحافة اللبنانية النقيب ملحم كرم.

*** 

تعرفت على ملحم كرم أثناء إقامتي ببيروت فى هجرتي الأولي، قدمني له الصديق الصحفي اللبناني سامي غميقة رئيس تحرير مجلة ” ألف ليلة وليلة ” إحدي اصدارات جريدة ” البيرق ” التي كان يصدرها ويرأس تحريرها ملحم كرم. وجدت فيه رجل علاقات عامة من الطراز الأول، موهبة يستغلها فى صحافته وإصداراته، وأبقته فى منصبه نقيبًا للمحررين طوال نحو أربعة عقود ونصف العقد، من دون أن ينافسه أو يُزاحِمه أحدٌ من زملائه خلال تلك الفترة القياسية. له حضور شخصي قوي، يملك حميمية، ويشعرك أنك صديقه، متابعا لكل شاردة وواردة فى مجريات العمل الصحفي، حياته متناقضة بين العمل النقابي ورئاسته لمجموعة من الإصدارات المطبوعة بلغات مختلفة. ومع ارتباطاته العديدة لم تحظ مطبوعاته بالمستوي المهني المطلوب، وهو ما عبر عنه  الصحفي اللبناني زياد كاج فى كتابه ” مونداي مورنينج ” Monday Morning  الذي يحمل عنوان مجلة إسبوعية تصدر باللغة الإنجليزية، والتي أقتناها ملحم كرم، ومن خلال التجربة المهنية للمؤلف كمحرر وشاهد فى المجلة لسنوات : ” المجلة عرفت تراجعاً كبيراً في مستواها المهني إثر انتقال ملكيتها إلى نقيب المحررين. وكان يصدر عن الدار صحيفة “البيرق” اليومية، وثلاث مجلات أسبوعية، هي: “الحوادث” (بالعربية) و”مونداي مورنينغ” (بالإنجليزية) و”لا ريف دو ليبان” (بالفرنسية). وجميعها حملت إسم النقيب ملحم كرم رئيساً للتحرير…. وعرفت مجلة “مونداي مورنينغ” في عهد مؤسسها الصحفي الفلسطيني فواز ناجية مرحلة ذهبية خلال سبعينيات القرن الماضي، وعمل فيها صحفيون كبار، مثل الدكتور رامز معلوف وفضيل أبو النصر والصحفي البريطاني روبرت فيسك. وتحوّلت المجلة في تلك الفترة مرجعاً للصحفيين الأجانب وعلامة فارقة للصحافة الناطقة بالإنجليزية في بيروت. لكن ذلك المجد المهني سرعان ما تبخّر بعدما انتقلت ملكية المجلة إلى ملحم كرم، إذ أصبح العمل في عهده على طريقة “خزّق ولزّق”( copy & paste)، وفق تعبير كاج. وراحت المجلة تمتلئ بالأخطاء المطبعية في كل عدد… ويتراجع مستواها المهني حتى كاد يندثر.” .

***

وهذا ما حدث لمجلة ” الحوادث ” لم يستطع ملحم كرم أن يبعث فيها الحياة. إعتمدت في أركانها الإخبارية على عرض ممل ومتكرر لصور شخصيات سياسية وحزبية وبرلمانية لبنانية وعربية تخص الوزراء والأمراء والرؤساء، صفحات ثابتة للحديث عن ” انجازات العائلة السعودية ” وأخر ” عن برامج ونشاط الرئيس التونسي بن علي ”، وإحتفظت بصفحة التسلية (ابراج، كلمات متقاطعة ….)، و بصفحات مصورة عن حفلات وأفراح تخص الوزراء والأمراء وفعاليات إجتماعية وثقافية . أصبحت مجلة لبنانية سياسية  ضعيفة المستوى والمحتوى الى أبعد حد. عنوانها هو انها مجلة الملوك والرؤساء العرب، لذلك تدخل كل البلاد العربية وهي ممولة من هؤلاء! .

فارق ملحم كرم الحياة وترك الحوادث لأخيه عصام كرم ليتولى رئاسة تحريرها، بعد أن أصبحت “كسفينة متصدّعة تكاد تشرف على الغرق إعلامياً وصحفياً” ، وسرعان ما لفظت انفاسها و توقفت ” الحوادث ” . فالحوادث شأنها شأن الصحافة اللبنانية الموروثة لم تستطع أن تحول نفسها الى مؤسسات قابلة للحياة ، فعلى مدى تاريخها الذي يزيد على قرن ونصف القرن كانت صحافة عائلية أو شخصية، فصحف النهار والأنوار والسفير، و مجلات الحوادث والصياد والوطن العربي وغيرها توقفوا إما لوفاة أصحابها أو إعتزالهم العمل الصحفي.

***

بعد 36 سنة من اغتيال سليم اللوزي، تم اتصال من البطريركية المارونية بزوجته السيدة أمية اللوزي طالباً منها الحضور الى الصرح البطريركي ليقدم لها “لوحة بابوية” محفوظة في الأرشيف تحمل تاريخ 5 ديسمبر “كانون الأول ” 1975. لوحة تتصدرها صورة قداسة البابا بولس السادس، مع نصٍ منه، يبارك فيه سليم اللوزي وأسرة “الحوادث” في لبنان، بكلمات نورانية تكاد كل منها أن تكون صلاة ودعاء. تسلمتها الزوجة، وكتبت : ” في العُرف، لا تكريم، مهما علا شأنه وكبر شكلُه يعادل التكريم الرسولي الصادر عن الكرسي البابوي، وعن قداسة الحبر الأعظم في حاضرة الفاتيكان. هذا ما يجمع عليه كل من حظي بهذا التكريم الذي هو بمثابة هدية مقدسة ومباركة من العُلى. ”

***

لطالما كان الصحفيون الكبار مُحاطون بـ “هالة” من الإحترام والإعجاب في مجتمعاتهم العربية، تقديراً للصروح الورقية الكبرى التي شيّدوها، من صحف ومجلات ذاع صيتها محلياً، أو عربياً. لكن فى النهاية رحل سليم اللوزي  حاملًا  إرثه وتراثه وحوادثه.

 

 

شاهد أيضاً

اخطر من أدمان المخدرات
امنعوه !

تلاحظ وأنت تتجول فى شوارع لندن أن السجائر وكل ماله علاقة بالتدخين غير معروض على …