” رب صدفة خير من الف ميعاد ” ، صدفة تسعى الينا ، يضعها القدر فى طريقنا ، فتصبح أجمل المواعيد ، بالصدفة التقيت بهم فى مكان بعيد لم أتوقع أن ألقاهم هناك ، فمن عشرون عاماً أو أكثر ، اصطحبت زوجتي فى رحلة لمصحة علاجية فى مدينة براتيسلافا عاصمة سلوفاكيا ، لألتقي هناك بالمصادفة البحته بالصديق العزيز الكاتب محفوظ عبد الرحمن الذي أتي للعلاج ومعه زوجته الفنانة سميرة عبد العزيز ، وفى صحبتهم نجمة المسرح العربي سميحة ايوب وقد أتت للعلاج الطبيعي بعد أن اجرت عملية جراحية بمصر لإستبدال مفصل الركبتين ، قضينا الوقت بين جلسات العلاج وحديث عن الذكريات ، وتبادل الاراء فى الفن وسنينه ، مع جرعات من الألم على الاوضاع الفنية وتراجع الإقبال على المسرح بشكل كبير ، فالستار يفتح فى العرض الاول عن مسرحيات بدون جمهور ، ملقية النجمة اللوم على مايقدمه السواد الأعظم من الكتاب للضحك فقط مبتعدين عن الرسالة الحقيقية للمسرح، وتأثيرها بقضايا المجتمع، فما يتم تقديمه الآن مجرد “هيافة” على حد قولها بدون فكرة، وبدون رسالة. وكيف أنها قدمت رسائل من خلال الكثير من الأعمال المسرحية وعددها 180 مسرحية ، لذلك التف وتعلق بها الجمهور”… وهنا تدخل صديقى محفوظ عبد الرحمن طيب الله ثراه ليعلق ، بأنه دائما يقدم النصح لزملائه من كتاب المسرح ، مطالباً بأن يقدِّموا أعمالًا تخاطب الشباب، تخاطب الأم والأب، وتوجِّه رسائل توعية في أهم القضايا التي تحيط بنا خاصة في الفترة الحالية ، لهذا ابتعد الجمهور عن الفن الراقي . وعقبت سميحة أيوب على مقولة الكاتب المبدع بقولها : “اشتغلت في السينما للصرف على المسرح، تعبنا واجتهدنا، وعلى الشباب يجب أن يعمل بجد فهذا دورهم، ويجب أن يكون لهم هدف، يسعوا لتحقيقه”.
جلسات حوارية ممتعة أتت” بالصدفة ” من نجمة وكاتب مبدع ، ذكرتني يومها بسهرات القاهرة الأدبية فى النوادي و المقاهي الثقافية ، استرجعتها وان اكتب عن سيدة المسرح العربي .وعن بداية نشأتها التى لم تكن مصادفة ايضا.
***
فأن تولد نجمتنا سميحة ايوب في حي شبرا 8 مارس ” أذار ” عام 1932 و بعدها بعشرة اشهر يناير كانون ثان 1933 تُوَلّد النجمة العالمية داليدا ، ليس مصادفةً أيضا ، فلقد أنجب حي شبرا الكثير من رواد الفن السينمائي في مصر، منهم المخرج هنري بركات، الذي ينتمي إلى أسرة شامية، هاجرت إلى مصر ، إبان الحوادث الطائفية التي شهدتها بلاد الشام بين أتباع المذاهب والديانات المختلفة، التي على أثرها هاجر الكثيرون من الشوام إلى مصر.. فى نفس المنطقة التاريخية والشعبية الكبيرة الحاضنة للفن والمبدعين . ، ليخلقوا عالماً جديداً، انصهرت فيه ثقافاتهم المتباينة، وتبلورت في هذا الحي العريق.

كانت شبرا في القاهرة تشهد حراكاً ثقافياً نشطاً، خاصة في الأنشطة المسرحية المدرسية ، و عرفت مبكراً فن السينما على أيدي الأجانب، تحديداً عام 1910، فيما يسمى بـ”غران سينماتوغراف”. وعام 1915، عرف الأهالي سينماتوغراف شانتكلير لأول مرة . وكان العقار 104 شارع ساحل سليم في منطقة روض الفرج شاهداً عام 1937، على إنشاء استوديو سينمائي كبير، شيده المخرج كوستانوف. في هذا الاستوديو تم تصوير فيلم جحا وأبو نواس في القرن العشرين ، .. وعلى مسارح روض الفرج، قام علي الكسار وفرقته التمثيلية على مسرح روض الفرج، ومن الحي نفسه خرجت أمينة رزق وحسين رياض وفاخر فاخر، وبعد ذلك نبيلة عبيد وسعاد نصر. علاقة شبرا بالسينما ظهرت بوضوح في انتشار عدد كبير من دور العرض في شوارعها، مثل سينما شبرا بالاس، والأمير، وبلازا، حيث الحفلات الصباحية. وسينما روي، التي كانت تعرض الأفلام الأجنبية، وفريال، والنزهة.
***
إذا كانت المصريات نجمات ساطعات فى السينما والمسرح ، ففى حياتنا الفنية طوال أكثر من قرن ونصف من الزمان تقريبا لم نشهد سوى ثلاثة سيدات أرتبطت بأسمائهن ومكانتهن صفة السيادة (وذلك دون الأخذ في الاعتبار لقب سيدة مصر الأولى التي تزول بزوال مكانة زوجها .
والسيدات الثلاث هن: (أم كلثوم) سيدة الغناء العربي، و(فاتن حمامة) سيدة الشاشة العربية، و(سميحة أيوب) سيدة المسرح العربي، حيث لم ترتبط تلك الصفة بكل منهن فنيا وإعلاميا فقط، بل وجماهيريا أيضا على مدى سنوات طويلة فيما يقترب من الاستفتاء الشعبي، وبالتالي لم تستطع أي فنانة أخرى منافستهن على هذا اللقب . لم تسعى الفنانة (سميحة أيوب) للحصول على هذا اللقب ولكنه ارتبط بها بعد تألقها المسرحي بمنتصف ستينيات القرن الماضي. ونجاحها في تجسيد عدد كبير من الأدوار المركبة، التي حظت بإشادات نخبة من كبار النقاد، كما حققت لها النجاح الجماهيري والشهرة، فكان من المنطقي أن تتوج تلك المسيرة بحصولها على بعض مظاهر التقدير والتكريم واستلامها لأعلى الشهادات والأوسمة، ومن بينها لقب (سيدة المسرح العربي) ، فهى صاحبة أطول مسيرة فنية متواصلة فى تاريخ المسرح العربي ، وأول امرأة تدير المسرح القومي ، و تخرج مسرحية في الوطن العربي . قدّمت حوالى 180 عملاً مسرحياً مميزاً لروايات عظيمة ، أجادت فيها و بذلت الجهد الكبيرا ، منها ، “أنطونيو وكليوباترا” و”الندم” و”رابعة العدوية” و”الوزير العاشق” و”دماء على أستار الكعبة” و”الخديوي” و”الإنسان الطيب” و”السبنسة” و”سكة السلامة” . كما خاضت خمس تجارب مسرحية عالمية، منها “فيدرا” التي قدّمَتهَا في باريس لمدة 15 يوماً على خشبة أضخم المسارح هناك، وكتبت عنها الصحف الفرنسية يومذاك، ومسرحية “أونكل فانيا” مع مخرج سوفياتي، و”الطباشير القوقازية” مع مخرج ألماني، و”أنطونيو وكليوباترا” مع المخرج الإنكليزي فيردز بوس . روت سميحة ايوب فى كتاب ” “أسطورة المسرح العربي ” أن لقائها بجان بول سارتر كان من المحطات المهّمة فى حياتها ، فقد لعبت دور ألكترا فى مسرحية ” الندم ” لسارتر وأعيد عرضها حين زار سارتر مصر و فوجئت بصعود سارتر على خشبة المسرح فى نهاية العرض ليقبل يدها ، ويقول ” وأخيراً وجدت أكترا فى القاهرة ” ، فكان بمثابة واحد من أهم الأوسمة التى نالتها في حياتها .
ضمن التكريمات لها ، حصدت الفنانة القديرة سميحة أيوب وحصلت على لقب “سفيرة الفن الأصيل” من مجلس الإعلاميين الدوليين، تكريماً لمسيرة فنية، خدمت فيها الفن المصري والعربي، وعلى أثره مُنحت لقب “سيدة المسرح العربي”، لكثرة أعمالها المسرحية التي مثّلت فيها مصر والوطن العربي ، وفي مقدّمهم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر الذي منحها وسام الجمهورية ، وكانت فى بدايتها ، والرئيس الراحل أنور السادات. ، ومنحها الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى. كما قلّدها الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان وساماً برتبة فارس.
.. حظيت سميحة ايوب بتكريم آخر منذ عامين ، وقبل أن تفارقنا إلعام المنصرم ، عندما قدمت وزارة التربية والتعليم فى المناهج التعليمية للصف السادس الابتدائي ، مادة المهارات ، وفى الدرس الثامن كانت سميحة ايوب فى مقدمة الشخصيات المصرية المؤثرة ممن رصدت تجاربهم ،ضمن تعريف الطلاب بأبرز الشخصيات فى مجال المسرح ، وجاء في نص الدرس ” ولدت السيدة سميحة أيوب «سيدة المسرح العربي»، في القاهرة في العام 1932، ودرست التمثيل في معهد التمثيل «المعهد العالي للفنون المسرحية حاليا» وتخرجت منه في العام 1953، لتختار بعدها التمثيل مهنة لها، ومع ذلك، لم يقتصر نطاق عملها على التمثيل فحسب، إذ تولت مهام إدارة المسرح المصري الحديث والمسرح القومي المصري ” .
وتمت تسمية القاعة الأكبر في المسرح القومي المصري باسمها .
كرست الفنانة والنجمة سميحة ايوب مسيرتها المهنية لتثقيف جمهورها وتنويرهم لا ترفيههم فحسب، فحرصت بذلك على قبول الأدوار الهادفة التي تحمل في طياتها رسائل مهمة. شاركت صوتيا في أوبرا «بنت عربي» التي هدفت إلى تسليط الضوء على التحديات التي تواجه أصحاب الهمم يوميا. ولطالما كانت السيدة سميحة مرشدة للشباب، فتراها تنصح أولئك الراغبين في احتراف التمثيل إلى تحسين مواهبهم ومهاراتهم، وتنصح بأهمية المطالعة، إذ ترى فيها وسيلة لصقل تصوراتهم الفنية ودعم خيالهم ، وثقت محطات التليفزيون حياتها الحافلة عبر المقابلات التلفزيونية، وتمّ تأليف كتب عن حياتها، ككتاب «الساحرة.. مشوار من الإبداع». وحصلت على ميدالية جائزة النيل الذهبية .
فارقتنا فى منتصف العام الماضى عن 93 عاماً لكن بقت واحدة من أهم الفنانين ثقافة ً فى تاريخ الفن المصري.
مجلة 24 ساعة