
باحث اقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع
تتعدد الآثار الإيجابية لتطبيق السياسات المتعلقة بالابتكار في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وحماية البيئة والموارد الطبيعية، وتقليل مستوى الانبعاثات الكربونية، وكل ذلك يؤثر بشكل كبير على جودة وشكل الحياة.
الابتكار من أجل الاستدامة
الابتكار في هذا السياق لا يقتصر على تطوير منتجات جديدة، بل يشمل إعادة التفكير في العمليات وسلاسل التوريد وأساليب الإدارة بهدف تقليل الأثر البيئي وتحقيق كفاءة أكبر، فالغاية الأساسية هي تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة والعدالة الاجتماعية، وهو ما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة (SDGs)، ويظهر ذلك بوضوح من خلال التوسع في حلول الطاقة المتجددة مثل استخدام الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بدلاً من الوقود الأحفوري.
عالمياً هناك جهود ونماذج متعددة، فقد بذل الاتحاد الأوروبي جهوداً واضحة في هذا المجال، حيث ظهر ما يُعرف بإطار الموازنة الخضراء (Green Budgeting Framework)، وتم تطبيق نظام الوسم الأخضر (Green Tagging) لتصنيف كل بند إنفاق حسب مساهمته في أهداف المناخ والاستدامة داخل الموازنة، وكانت فرنسا من أوائل الدول التي نشرت «موازنة خضراء» عام 2020، وأصدرت تقريراً رسمياً يوضح نسبة الإنفاق المستدام، كما بدأت دول مثل المكسيك وإندونيسيا والفلبين تجارب مشابهة تحت إشراف البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
تعد مصر من أكثر دول العالم بحكم موقعها الجغرافي تأثراً بتغير المناخ وذلك بسبب ارتفاع مستوى البحر في دلتا النيل وزيادة موجات الحرارة والجفاف.
ولذلك تبذل مصر جهوداً كبيرة في التمويل الأخضر بأشكال غير تقليدية، ووفقاً للبنك الدولي، أصبحت مصر أول دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تصدر سنداً أخضر سيادياً (Sovereign Green Bond)، حيث أصدرت سنداً بقيمة 750 مليون دولار أميركي لمدة خمس سنوات بعائد يقارب 5.25% في أواخر سبتمبر 2020.
كما أطلقت الحكومة التقرير السنوي عن الاستدامة المالية والموازنة الخضراء، وبدأت بتطبيق تجربة «الوسم الأخضر» على قطاعات محددة (مثل الصحة، والتعليم، والإسكان، والنقل)، وفي موازنة الحكومة المصرية لعام 2022/2023، تم وضع استهداف لنسبة 15% من الاستثمارات العامة لتكون استثمارات خضراء، على أن ترتفع تدريجياً إلى 30%.
بالإضافة إلى تدشين برنامج «نوفي»، حيث تم إطلاق منصة لتمويل المشروعات التنموية الخضراء بالتعاون مع بعض المؤسسات الدولية والتي تهتم بالتنمية المستدامة وخصوصاً «أمن الطاقة والمياه والغذاء».
وهناك تقديرات تشير إلى أن هناك استثمارات مخططة بقيمة 4.6 مليار دولار في مشاريع طاقة متجددة، وهناك عدة مشاريع يمكن استعراضها كنموذج للتجربة المصرية.
مشروع بنبان للطاقة الشمسية
تتمثل أهمية هذا المشروع في تغيّر فلسفة التوجه الحكومي نحو استدامة الطاقة في مصر، فالمشروع يأتي في إطار سياسات حكومية ثابتة وراسخة للتحول نحو مصادر طاقة غير تقليدية، وقد تم دعم المشروع من قبل وزارة التربية والتعليم من خلال إنشاء مدرسة متخصصة في الطاقة الشمسية لتأهيل كوادر متعلمة ومؤهلة لدعم المشروع، حيث تم إطلاق مدرسة Benban Solar Technical School كمسار متخصص في الطاقة الشمسية داخل هذه المدرسة.
يعظم المشروع استفادة مصر من موقعها الجغرافي المتميز، إذ تم تدشينه في منطقة تُعد من أكثر المناطق سطوعاً بالشمس، وفقاً لدراسات وأبحاث مصرية ودولية، وأرى أن التوجه نحو الطاقة الخضراء أصبح أمراً ضرورياً وملحاً، خصوصاً في ظل الزيادة السكانية وقلة الموارد الاقتصادية المتاحة.
يوفر المشروع نحو 10 آلاف فرصة عمل، ما يؤكد دوره في تعزيز التنمية الاقتصادية في محافظة أسوان وصعيد مصر بشكل عام، كما يأتي المشروع في إطار شراكة متميزة بين القطاعين الحكومي والخاص، ويؤكد وجود فرص واعدة لمشروعات مشابهة تسهم جميعها في تنمية المجتمع المصري.
محطة جبل الزيت
تُعد هذه المحطة من أكبر محطات الرياح في الشرق الأوسط وإفريقيا، وتقع على ساحل البحر الأحمر بين الغردقة ورأس غارب، وتبلغ قدرتها الإنتاجية نحو 580 ميغاوات، وتضم أكثر من 300 توربينة رياح، وتسهم في خفض أكثر من 500 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، وقد تم تنفيذها بالتعاون بين الحكومة المصرية والاتحاد الأوروبي والوكالة اليابانية للتعاون الدولي (JICA) وبنك التعمير الألماني (KfW)، ما يعكس نموذجاً ناجحاً للتعاون الدولي في مجال الطاقة النظيفة.
المتحف المصري الكبير والاستدامة
وبالحديث عن الاستدامة في المباني الذكية الموفرة للطاقة، لا يمكن إغفال المجهود الكبير المبذول في بناء المتحف المصري الكبير، وهو مشروع عملاق يُعد أكبر متحف في العالم للحضارة المصرية.
حصل المتحف على الشهادة الدولية EDGE Advanced للمنشآت الخضراء، ليكون الأول من نوعه في إفريقيا والشرق الأوسط بهذا التصنيف.
تم تصميم المتحف وفق مواصفات متقدمة لخفض استهلاك الطاقة بنسبة 60% مقارنة بمبنى تقليدي، وخفض استهلاك المياه بنحو 34% تقريباً، مع استخدام سقف عاكس يقلل الامتصاص الحراري وتظليل خارجي وعدّادات ذكية لقياس استهلاك الطاقة، إضافة إلى نظام لتوليد الطاقة الشمسية.
كما تم توقيع اتفاقية لإنشاء محطة طاقة شمسية لخدمة مباني المتحف ضمن خطة مصر للتحول إلى الاقتصاد الأخضر، وذلك في إطار رؤية مصر 2030 والتزامها بالأبعاد البيئية والاقتصادية والاجتماعية للموارد والمجتمع.
كل هذه الجهود لا تزال تواجه تحديات كبيرة سواء من حيث التمويل والروتين أو التنفيذ لتحقيق نتائج ملموسة بشكل كبير على أرض الواقع.
في النهاية، يُعد الابتكار في تحقيق التنمية المستدامة أمراً ضرورياً في ظل ندرة الموارد وارتفاع عدد سكان العالم.
ورغم الجهود الكبيرة والنماذج الإيجابية التي تقدمها المؤسسات والحكومات حول العالم، فإن الطريق لا يزال طويلاً نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة، خصوصاً في ظل عدم استقرار سياسات الدول الصناعية تجاه قضايا البيئة والمناخ.
ولذلك، أرى أنه من الضروري إطلاق مؤشر عالمي لقياس إنفاقات موازنات الدول على مشروعات التنمية المستدامة، بحيث يتم تقييم الموازنات وفق معايير واضحة، ويمكن القول إنها “موازنات خضراء” تراعي معايير الاستدامة.
وأعتقد أن مؤسسة دولية لها قدر من الاستقلالية كمنتدى دافوس، ربما تكون هي الأجدر في تبنّي هذا المؤشر الجديد، على أن يتم التقييم من خلال مجموعة من السياسات والإجراءات التي تتخذها الحكومات، مع تخصيص نسبة لا تقل عن 15% من المصروفات العامة للتنمية المستدامة.
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.
مجلة 24 ساعة