في تاريخ الصحافة في مصر, أسماء يشع ضياؤها في ذواكر الناس, فهي محفورة فيها, ونتاج هؤلاء , كتابة وفناً, باقٍ من جيل الى جيل.
ما أكثر موليد قرائح الكتاب, تنشر عطر الكلمة على أعمدة الجرائد, ذاك الزمان, فكان القراء يتلهفون لقراءة جديد كاتب أدمنوا على متابعته, أو قصيدة لشاعر مفتون بالقوافي, فقد كانت الجرائد, تنشر قصائد الشعراؤ لى جانب المقالات السياسية والأدبية, وقد درجت على ذلك جريدة “الأهرام” زمن رئاسة أنطون الجميل لتحريرها.
ومن المفارقات التي شهدتها الصحافة في مصر, تشابه الأسماء بين الكتاب والناس العاديين, أو, بينهم وبين فنانين, وسياسيين… وهذا ما كان يسبب حرجاً.
وحدث أن إختلط الأمر على أحد الظرفاء, عندما وقف أمام شاب طويل القامة, بهي الطلة, قدمه له أحدهم على أن إسمه يوسف السباعي , فراح صاحبنا يشد على يد الشاب, ويمتدح كتاباته السياسية, ورواياته وقصصه القصيرة, فما كان من الشاب الخجول الى أن قال له بصوت خافت, محاذراً احراجه:
“أنا لست يوسف السباعي الكاتب والروائي, أنا يوسف عبدالمعطي السباعي”.
فرد عليه وهو يسحب يده , راسماً على شفتيه ابتسامة تعمدها لرفع الحرج عنه:
” صحيح… يخلق من الأسم أربعين”.
تيمناً بقول العوام:”يخلق من الشبه أربعين”.
وتكرر الحكايات والمفارقات المحرجة التي يتسسب فيها تشابه الأسماء:
حرف “النون” كان مشكلة التشابه بين محمد حسنين هيكل الصحافي وبين محمد حسين هيكل الشاعر, فكان الأمر يختلط على كثيرين, تماماً كما كان بين كامل الشناوي الصحافي والشاعر, وبين, كمال الشناوي النجم السينمائي.
عندما جاء الصديق صلاح الدين حافظ, الكاتب والصحافي, الى لندن, التي كنت سبقته إليها, وبدأ العمل في إحدى الجرائد العربية المهاجرة, زارني في مكتبي , فقال لي وقد انفرجدت أساريره :
” الحمد لله أنني أتيت الى لندن ، ولا أظن أن صورة استاذنا صلاح حافظ رئيس تحرير ” روزا اليوسف ” ستوضع الى جانب مع عناوين مقالتي بعد الآن”.
الروائي والصحافي صبري موسى , الذي زاملته في “صباح الخير” و “روز اليوسف”, كان يخلط اسمه دائماً مع موسى صبري, رئيس تحرير “الأخبار”, الذي كان قامة من قامات الصحافة المصرية ، وعلى نفس المنوال الموسيقار المبدع محمد عبد الوهاب ,والشاعر الغنائي الرهيف الحس عبد الوهاب محمد ، فقد درج المصريون, كما العرب, على ذكر “عبد الوهاب” وإغفال الاسم العلم” محمد”, لذلك كان يختلط الأمر عند الناس بين الموسيقار والشاعر.
كثيراً, ما كنت أنا ضحية التشابه بيني وبين مودي الإمام, إبن حسن الإمام, “مخرج الروائع “كما أطلق عليه أحد النقاد, فهو جاري في “المقطم” وإسم العلم “مودي” كان كافياً لساعي البريد, (حفظه الله إن كان حياً ورحمه إذا كان اخترمه الموت ) ليخلط بيننا, فكنت اتلقى على عنوان منزلي رسائل, وعلى هاتفي” اوردرات ” عمل لمودي الأمام …
***
عالم تدريس الإعلام , هو الآخر , عانى من تشابه الأسماء العاملين فيه. و”الصاوي”, العائلة المصرية العريقة, شكلت إشكالاً في الاسماء بين الشيخ الصحافيين أحمد الصاوي ومحمد, وبين الأكاديمي الفنان أحمد حسين الصاوي.
بدأ أحمد الصاوي محمد, مشواره مع الصحافة سنة 1943 فأصدر مجلة أدبية فنية سماها “مجلتي” ,لكنها لم تعمر طويلاً, فأغلقها وحمل قلمه كاتباً في “الأهرام” فنشر تعليقاته واجاداته في عمود “ما قل ودل”، واستمر يكتب فيها, عند صدور جريدة “أخبار اليوم ” سنة 1944 انتقل إليها, استمر تعاونه تعاونه مع الأخوين مصطفى وعلي أمين خمس سنوات, عاد بعدها الى “الأهرام”, فطلب منه إعادة النظر في تبويب وشكل الجريدة , وتطوير التحرير والاخراج الصحافي. كان الصاوى , وقتها, رئيس التحرير الفعلى للجريدة, لكن مجلس الإدارة لم ينص على ذلك صراحةً إلا عام 1952 فقرر تعيينه رئيساً للتحرير. و بعد سبع سنوات ترك “الأهرام”, وعاد الى “اخبار اليوم”, وأصبح واحد من رؤساء تحرير “الأخبار”، وبعدها ,تولى رئاسة مجلة “آخر ساعة”. وظل يشارك أحمد بهاء الدين, ومحمد زكي عبد القادر, في رئاسة تحرير “جريدة أخبار اليوم “, وبعد فترة انضم إليهم بعدين انضم إليهم حسين فهمي، وكمال الدين الحناوي.
فى منتصف الستينيات تولى أحمد الصاوي أحمد, رئاسة تحرير “الأخبار” مع كل من: حسين فهمي، ومحمد زكى عبد القادر، وموسى صبري .
على الرغم من أنه لم يكن من أسرة تدريس الإعلام , إلا أنه كان أول من شارك بتدريس الصحافة كعلم , حيث حصل على ديبلوم الصحافة من” جامعة السوربون “الفرنسية العريقة بعنوان ” الفرنسيون والصحافة المصرية”.
أما الصاوي الآخر: أحمد حسين الصاوي فكان الأكاديمي والاستاذ المحاضر في فن الإخراج الصحافي, فاستنجد به أحمد الصاوي أحمد لتطوير, “الأهرام”, في أسلوب التحرير, والتبويب, والإخراج,.
وما قام به أحمد حسين الصاوي, في “الأهرام” بدأ الحديث عن أهمية الإخراج الصحافي, للجرائد والمجلات, الى جانب التصوير الصحافي والطباعة .
ولأول مرة , في حقبة ستينات وسبعينات من القرن الماضي , بدأ الحديث في الصحافة المصرية عن أهمية “الاخراج” كفن يريط الشكل بالمضمون، وكلما تناسب الشكل مع المضمون كان الاخراج ناجحاً. وبدأت تتفتح, بفضل الصاوي , المدارك , حول ماهية الاخراج , الذي هو تحويل الحروف والصور والكلمات المبعثرة على الصفحة الى حروف وصور متناسقة على وفق أسلوب معين، فيستخدمه المخرج مستعينا بالأسس, و الاساليب الاخراجية مقرونة بالخبرة الشخصية والحس الفني الذي يتمتع به …
بدأ الدكتور أحمد حسين الصاوي رحلته في عالم الصحافة بعد تخرجه في كلية الآداب جامعة القاهرة، فعمل في جريدة “أخبار اليوم،” فتولى القسم الخارجي.. ثم تفرغ للبحث العلمي, وتدريس الصحافة , وفنون الإخراج في قسم الصحافة بكلية الآداب جامعة القاهرة، وقد شارك في تأسيس القسم… ثم في الجامعة الأمريكية بالقاهرة حتى وفاته.
وله عدة مؤلفات أبرزها: “المعجم العلمي المصور” , بإشراف دائرة المعارف البريطانية ، الصادر عن الجامعة الأمريكية – قسم النشر، و”قصة الكتابة والطباعة”, صدرعن “مكتبة الأنجلو” المصرية, ثم كتاب ” فجر الصحافة في مصر: لطائف في إعلام الحملة الفرنسية “, وكان صضدر عن عن “الهيئة المصرية العامة للكتاب”, “التدريس الإعلامي في الدول العربية ” صدر عن “جامعة الرياض”،” تقرير مقدم إلى ندوة الدراسات الإعلامية في العالم العربي التي عقدت في الرياض 1978″ . بالإضافة إلى ” الإخراج الصحفي ” (بالاشتراك مع آخرين), صدر عن” الاتحاد العام للصحفيين العرب”, “طباعة الصحف وإخراجها”, عن “الدار القومية “، وكذلك “تاريخ الكتابة والطباعة”.
***
ثلاثة برزوا في تدريس فن الاخراج الصحافى فى قسم صحافة بجامعة: الدكتور أحمد حسين الصاوي ، والدكتور إبراهيم إمام ، وتليمذهما أحمد فؤاد سليم .
تعرفت على أحمد حسين الصاوي عندما قرر الانتقال للجامعة الامريكية والتفرغ لها لتدريس مادة ” الاخراج الصحافي ” ، وكنت قد تخرجت من كلية الفنون الجميلة ، وتخصصت فى الاخراج الفني الصحافي ، وقتها كان الإخراج الصحافي تتجاذبه مدرسة , تولي المضمون أولويتها ، ومدرسة أخرى تنافسها, تسخر الحس الفني وفنون الجرافيك لأبراز المضمون بالشكل الجاذب دون الإقلال من أهميته … الأولى كانت “مدرسة الأهرام “, التي تولاها هشام توفيق بحري ، أشهر سكرتير تحرير فى الصحافة المصرية ، المولع بالعلم والتكنولوجيا , والمتابع المثابر, لكل جديد فى “تكنولوجيا إنتاج الصحيفة”, واستخدام أدواتها الحديثة ، والمدرسة الثانية المنافسة ,كانت “مدرسة روزاليوسف” التي برز فيها عبد الغني ابوالعينين ، و حسن فؤاد , وهذه المدرسة الفنية تخضع ادوات الطباعة للشكل وتتحكم فيها ، مستخدمة مفردات فن الجرافيك ، والابداع وجمال الخط العربي ، لجذب القارئ لمضمون الكلمة منتشياً بالإبداع الفني وحلاوة الكلمة و عمق المضمون ، والنشوة الدائمة وحب القراءة .
الغريب أن المدرسة الأولى كانت تطلق لقب “سكرتير التحرير” على من يعمل بالاخراج الصحافي , على الرغم من أن تعريف عمل سكرتير التحرير الأساسي، هو الأطلاع على المادة التحريرية المقدمة, و اجراء التعديلات اللازمة لها, من عنونة, الى إعادة صياغة في أحايين كثيرة, ثم, وتوزيع المواد على الصفحات , لينصرف بعدها الى تنسيق شكل الصفحات مع المخرج الفني. والمدرسة الثانية تستخدم لقب “المشرف الفني”, بعد سنوات الخبرة يصبح لقبه “المستشار الفني” . لذا, كانت علاقتي بأساتذة الصحافة , تتمحور حول معرفة المزيد, والاستفادة بما لم أدرسه أكاديميا, فعرفت الكثير منهم ، تقاربنا لتبادل المعلومات ، أو كما كان يطلق عليها الدكتور احمد حسين الصاوي “تبادل المنفعة”, فقد كنت أمضي معه ساعات طويلة من الحوار, في مكتبه في الجامعة الأمريكية بميدان التحرير ،وفي أحيان كثيرة كان يزورني في مكتبي في “روزاليوسف” القريب من مكتبه, وهو فى صحبة تلاميذه للتدريب بالمؤسسة الصحافية العريقة .
***
وعن مزيد من اساتذة الإعلام الصحفي وجيل الرواد في عيدهم ، و مع مرور 85 عاماً على بداية تدريس الصحافة الأكاديمية فى مصر … سنتحدث.
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة