
فيلسوف وروائي
( إلى غزّة، تلك الأسطورة التي لا تُقهَر، فخرج منها الإسكندر المقدوني، الذي حكم العالم، مهزوماً وجريحا لأوّل مرة في غزواته منذ ألفي وثلاثمائة عام، وهزمت نابليون، الذي فقد على يد حاكمها رُسُلهُ، الذين أمر الحاكم بقتلهم تحدّيا لبونابرت)
هل هو عملٌ من تدبير القدر أن يتزامن ميلاد أمثالي، من أبناء جيلي، مع اغتراب فلسطين، كوطن، من خرائط الجغرافيا، فلا يُكتب لنا أن نجدها إلّا أنشودةً تسري في وجدان الشعراء، فلا أملك إلّا أن أستحي من يوم ميلادي، تلبيةً لنداء تبكيت الضمير، لأن الإحساس بالإثم، الناجم عن هذا الحدث، مزدوج في هويّته، مادام الحلول في بلاط الوجود، نتاجاً للخطيئة الأولى في المبدأ، تليه خطيئة تزامنه مع غياب وطن، ليهيمن الإحساس الغيبيّ بوجوب التكفير عن خطيئتين، بارتداء مسوح الحداد، بدل الاحتفاء بيوم الميلاد، كما جرت العادة، لأن الحكمة تقول: «الذهاب إلى بيت النوح أفضل من الذهاب إلى بيت الفرح؛ لأن يوم الممات أفضل من يوم الميلاد، كما يحرّض حكيم الجامعة في سفره العدميّ؟ وكان على أمثالي، الموسومين بختم الضياع، أن يفتّشوا عن ملاذٍ آخر لاستعادة الوطن الأبعد منالا، الذي لم يكن له وطنٌ كفلسطين، إلّا استعارةً، وهو: الفردوس المفقود، لتكون لي كوكبة الشعراء، في الطلب المحموم، دليلاً، يقيناً من أمثالي، بأن الوطن، الذي لا نستعيده في أناشيد هذه الفئة الباسلة، ليس وطناً في المفهوم، ولكنه مجرّد مساحة ملفّقة من هبة جادت بها الطبيعة الأمّ، فافتقدت رأسمال الوطن، في ماهيّته كوطن، وهو: حضور الروح!
وكان أوّل هؤلاء الفرسان، الذين حملوا إلى ربوعي بشارة وطنٍ باسم فلسطين هو الفقيد “معين بسيسو”، الذي لم يقبل على بلادي خاوي الوفاض، ولكنه حمل لي في عبّه بشارة، هي كتاب «عطر الناس والأرض في الشعر الليبي المعاصر»، حدث هذا في 1967، بدعوة من وزارة الثقافة، وجريدة «الميدان»، التي ساهمت في إصدار هذا الكتاب، الذي يرجع له الفضل في فتح كوّة إلى عالم المشرق، عالم المركز، في وقتٍ كانت فيه الحدود الثقافية، بين المشرق والمغرب، مسدودة، إنسداد سلطان المتن، في حجّة علاقته بالهامش!
حضور فارس، في مقام «بسيسو» في واقع الستينيات، توافق مع غيبوبة النكسة، التي لم يجد جيلنا ترياقاً لكابوسها سوى ترديد أناشيد فارسٍ آخر، مسكونٍ بروح الوطن الضائع، هو محمود درويش، الذي تزامن صدور ديوانه «آخر الليل» مع وجود بسيسو في واقعنا كسفيرٍ لهذه اليقظة إلى مغربنا المنسي، وسفيرنا إلى المشرق من خلال معالجته الشجاعة لـ«عطر الناس والأرض في الشعر الليبي المعاصر».
لم يتوقّف شغف «بسيسو» بليبيا بعد التغيير الذي طال نظام الحكم، وهو المهووس «بعطر الناس والأرض»، كقيمةٍ لا تعترف بأنظمة الحكم، ولكن علاقته بأهل المكان تواصلت حتّى منتصف سبعينيات القرن. أما محمود درويش فقد غادر موسكو قبل أن أحل في رحابها بزمنٍ قصير، فلم يُكتب لي أن ألتقيه شخصيّاً، إلّا في مطلع الألفيّة، في «تورينو» بإيطاليا، عندما كنّا أضياف شرفٍ على المدينة، بوصفها عاصمة الكتاب التي تشرف عليها اليونسكو. وكم آلمني أن يكون ذلك اللقاء اليتيم والعابر بمثابة ميعادٍ لوداع؛ لأن الأقدار لم تمهله بعدها طويلاً، لأتلقّى نبأ رحيله المفاجيء، لينطفيء القلب السخيّ، والرحيب، الذي استوعب الجرح عقوداً فاجعة، فاستنزفه نزيف الروح، في حلفه مع نزيف القلب!
والواقع أننا لسنا بحاجةٍ لأن نلتقي أولئك الذين نذروا أنفسهم لقدس أقداسٍ هو أداء الواجب، أمثال درويش، الذي آلى على نفسه أن يستردّ وطنا من العدم بنزيفٍ وجيعٍ هو: الإنشاد! هذا الإنشاد الذي نستهين به، لجهلنا بحقيقته الميثولوجيّة، التي لعبت دور الفروسيّة في تلفيق طينة الخلق، على النحو الذي تهديه لنا الـ«أوبانيشاد»، كحكمة طوّعت بذرة الوجود في الأنفاس، المشفوعة بالكلم، المروّض بنسق غنائي، أي إنشادي، ولولا هذا الإعجاز لما تُوّجَت عشرات المتون السّنسكريتيّة بإسم «أوبانيشاد»، تيمّناً بتلك اللحون، ذات البعد الغيبيّ، الأسطوري، الوجدانيّ، المترجمة في حرف الإنشاد، ولهذا كان الإنشاد سلاحاً فتّاكاً، لم يدرك سطوته سوى المكلومين، الموَسوسين، المثخنين بالجراح، أمثال محمود درويش، الذي استخدمه بتفوّق، ليستعين به في حملته العصيّة لاسترداد فردوسه الضائع، ليعزّينا في اغترابنا أيضاً، لأننا في الفقْد كلّنا شرق! وروح أمثال درويش تسكن إنشاده. ومن يريد أن يلتقيه حقّاً فليس له أن يشدّ الرحال ليطارده عبر القارات، ولكن عليه أن يستجير بأشعاره، لأن روح محمود درويش هناك، بل ونزيف روحه هناك أيضاً، منذ أن اختار لنفسه قدر أن يكون نصّاً، بكل ما تعنيه هذه الصفة من بأس، ليودّع هويّته في الشخص! هذا المارد، المدعو نصا، هو ما قادني كي ألتقي درويش، قبل أن تجمعنا الأقدار في لقاء الوداع، كي ألتقيه شخصاً. وهذا النصّ هو الذي قاد درويش كي يلتقيني أيضا، قبل أن يلتقيني حرفاً. فبقدر ما كانت أشعار الرجل تعويذتنا، زمن كآبات الواقع الناجم عن الهزيمة، بقدر ما أدهشتني مراسم الإحتفاء، التي استقبل بها درويش صدور «نزيف الحجر»، ثمّ «التبر»، في وسائل الإعلام العربية، فلم يكتفِ، ولكنه ساءل الأصدقاء مراراً عمّا إذا لم يكن مؤلف هذين العملين أسطورة من صنع الخيال، بسبب غيابي عن الواقع الأدبي العربي، سنوات التنقّل بين منافي شرق أوروبا وغربها، لعقود طويلة، فأسعدني أن يقرأ في نصّي جرحي، علّه يهوّن على شخصه حرقة نزيفه، لأن صحرائي الكبرى أيضاً وطنٌ ضائع كفلسطين، وهي، لهذا السبب، فردوسي المفقود.
وأنبل لقاء يمكن أن يوحّد بين قلبين هو الإنتماء التراجيدي إلى قدر اغتراب. الإغتراب عن القيمة، عن الروح، عن الحقيقة، في عالمٍ ملوّثٍ بدنَس النفع، هو العهد الذي كبّلنا، ليتوّجنا خلَّين، دون الحاجة لأن نخدش حرمة العهد بلقاء الحرف، الذي نعلم كلينا كم هو مُميت، إذا ما قورن بسلطان الروح، التي آلت على نفسها أن تُحيي.
فكما نَصَّبَ الإنشاد، الإنسان سلطاناً على عرش الوجود، على النحو الذي تسوّقه ديانات الـ«أوبانيشاد»، كذلك أفلح درويش، بفنون اللحون، أن يروّض في الواقع وطناً كان، بمنطق الجغرافيا، مفقوداً، ليغدو فردوساً مستعاداً، بعد أن صار له الفَقْد إسماً، لا مجرّد صفة تختنق بمنطوق الإسم.
ولكن ما يجب أن نعترف به لأنفسنا هو حضور الروح الرومانسيّة، في واقع الستينيات، برغم الإفلاس على مستوى النّخب، سيّما السياسية، فلم نفقد صوابنا في ظلّ الكابوس، إلى الحدّ الذي نقنع فيه بوجوب دفن الحلم: الحلم الذي كان ذخيرتنا، التي تبقّت لنا من أجنّة الخيبات، ولم نكن لنبيح لأنفسنا خطيئة التجديف في حقّه كملاذ. وهو الحلم نفسه الذي رافقني في سفر معراجي إلى أوطان الصقالبة، دون أن أتخيّل أن خروجي في ذلك اليوم الساطع من عام 1970 هو فرمان باللاعودة، لأن ما لم يخطر لأمثالي على بال، هو أن التّيه أيضاً إفيون: الإفيون الذي ندمنه، ولا نستطيع أن نقلع عنه، عندما نتعاطاه من باب العلم بالشيء.
والمفارقة أن المنافي في معاجم كل الأمم تجربة قصاص، سيّما في عهد الإمبراطورية الرومانية، التي تعتمد الحكم بالمنفى كعقوبةٍ أقسى مفعولاً من الموت نفسه. يكفي أن نفحص قصائد «أفيديوس» في هذا الشأن، كي ندرك كم يبدو الإعدام هيّناً إذا قيس بحكم المنفى! ولكن في واقع عالمنا الشقيّ فقط يُنتدَب المنفى في ماهيّة الترف، ظنّاً من الأغلبية أن الوجود في أوروبا رفاهية، لإحساسٍ مسبق بأن الكلّ يحيا في رحاب الوطن واقع منفى، لسببٍ بسيط هو: غياب العدالة، وما ينتج عن هذه العلّة من بؤسٍ المواطن كإنسان، في علاقته بأخيه الإنسان.
ففي موسكو وجدتُ غائب طعمة فرمان، وجيلي عبد الرحمن، وبرهان الخطيب، ولكن أحمد دحبور لم يحلّ في أرباعنا إلّا عام 1976، عند انعقاد مؤتمر أدباء آسيا وإفريقيا، الذي كان لي شرف المشاركة في فعالياته، لأحضره مع عبد الرحمن الخميسي، وسامي مهدي، ومحمد صالح الجابري، لينقطع حضور الوجدان الفلسطيني في دنياي حتّى مطلع الثمانينيات، لألتقي أحمد دحبور مرة أخرى، في محطّة أخرى للمنفى، هي وارسو، عندما أقبل للمشاركة في أحد المؤتمرات، لأغترب عن الواقع الشعري كلّه، طوال سنوات الإنحطاط، التي أطاحت بالإمبراطورية السوفييتية، الراعية الوفيّة للحلم الفسطيني، لتصطفيني الأقدار شاهد عيانٍ على هذا الدرس، قبل الإنتقال إلى جبال الألب السويسري، في تجربة عزلة استغرقت عشرين عاماً، لم يبلبل فردوسها سوى رحلات خاطفة إلى المشرق، للإشراف على طبع المؤلّفات، كحلولي في رحاب عمّان عام 1993، لأحلّ ضيفاً على خليفة شهيدٍ فلسطيني آخر هو عبد الوهاب كيّالي، متمّثلاً في شقيقه ماهر، وريث المؤسسة العربية للدراسات والنشر، لنحلّ معاً، كضيفين، على عالم عرّابة فنّ التشكيل منَى السعودي، فلا تكتفي بأن تطعمنا الطعوم من يديها النفيستَين، ولكن لتروي فينا ظمأ الروح، على مائدة أخرى، أعظم شأناً، وهي ورشة عملها السحري، الذي حوّل الحجر أشعاراً شجيّة، تغنّت بها الأمم، ليغدو مجرد وجودها في حاضرة الأردن وسام شرف في واقع هذا الوطن النبيل، الذي استجارت به بفعل الحرب الأهلية اللبنانية، لأن الطبيعية، التي جعلت من الأردن امتداداً جغرافيّاً لوطنٍ مغترب إسمه فلسطين، هي صاحبة الفضل في اختيارها، وهي المسكونة بالوطن، ليسري في وجدانها أنشودةً، استعارت أبعاداً غيبيّة، وإلّا لما أفلحت في تلقين فجيعتها الحجر نفسه، لتُجبره، بعبقريّتها، أن يتغنّى بمحنتها، ليبشّر العالم برسالتها.
والواقع أن شعراء الدرس الفلسطيني ليسوا كلّهم شعراء، بتصوّرنا الشائع لأعجوبة الشعر. فقد نبّهتني التجربة الوجودية لوجود طينة أخرى من فرسان الشعر، لم يكن ليقلّوا عن شعراء الإنشاد سلطاناً، في حال قسناهم بمعيار حجّتهم في حرف الواقع، ودور حميميّتهم في صياغة القيمة في هذا الواقع، وأحسب أن السيدة أوديت حنّا النيهوم، نموذجٌ بارزٌ في أبطال هذه الملحمة، التي أسمح لنفسي بأن أنعتها باسم: شعر السعادة! لأنها الانسانة الوحيدة، التي استطاعت أن تحقق السعادة لإنسانٍ عظيم، كان طريد فردوسه منذ الطفولة، ليتحوّل، بإدمان المنافي، إلى أوليس الزمان، وهو صديقي القديم، فقيد الوطن، بل فقيد الإنسانية، المفكّر، الشاعر، الروائي، عرّاب الحبّ، ومريد الروح: صادق النيهوم، الذي أخفق في أن يكون مواطناً في ليبيا، وأخفق أن يكون زوجاً في فنلندا، وأخفق أن يكون لاجئاً في بيروت، وأخفق أن يكون مهادناً في الفكر، ليتنكّب كل هذه الإخفاقات المميتة، لتتحوّل في تجربته نزيفاً دامياً، ولم يهوّن عليه وطأة هذه الحمولة التراجيدية سوى الطيف الإلهيّ، الذي اعترض سبيله يوماً في جنيف، المدعو أوديت حنّا، لتلعب دور الملاك الحارس في حياةٍ، لم تعد في الواقع حياة، ولكنها مجرّد مهلة، في طريقٍ أشرف على الختام، لتبرهن ببطولتها في إسعاد هذا الإنسان، بحقيقة أننا لا نكون سعداء حقّاً، ما لم نضحِّ في سبيل إسعاد الأغيار، وسر سعادتها، إنما هو استحقاقٌ مستعار من قدرتها على إسعاد «أوليس الزمان». وغياب هذا القرين كان المصاب الفاجع، الذي لم يستطع أن يعزّيها فيه أحد، حتّى الأهل، الذين استجارت بهم في رام الله، بعد أن تخلّت عن مقامها في الفردوس الوحيد على هذه الأرض، وهو سويسرا؛ لأنها لم تعد تطيق أن تقيم في المكان، الذي كان له صادق النيهوم روحاً، فهجرته الروح، يوم هجره صادق النيهوم! ولكن العزاء، في أنه غادر سعيداً. غادر بعد أن جادت عليه الأقدار بالإنسانة الوحيدة التي لقّنته درس ما كان في منافيه، عنقاء مٌغرب، وهو: السعادة!
فكلّنا مسكونون بـ«فلسطيننا الضائعة»، التي لا نسكنها، ولكننا نأبَى إلّا أن نهجرها، فلا نرتاد المنافي إلّا في طلبها: في مجاهل القدمة كان إسمها «أطلانطيدا»، في الزمن الكلاسيكي صار إسمها «إيثاكا»، وفي ميثولوجيا أهل الصحراء الكبرى استعارت إسم «واو»، وفي ناموس التوحيد غدا إسمها: «الفردوس المفقود»، تلهمنا معنى وجودنا، حتّى إذا حدثت أعجوبة لتُلقي بنا الحظوظ في بلاطها، تبخّر فيها الحُلُم، وفقدت هويّة الوطن، لأنها تتحوّل كحال كل الأوطان، إلى طينة مكان!
Sky News.
مجلة 24 ساعة