
متخصصة بالسياسات الأميركية وشؤون الشرق الأوسط
لطالما كان الشأن الداخلي وإصلاح القوانين داخل كل ولاية ذات تأثير انتخابي في السباق الأميركي نحو الرئاسة هو الشغل الشاغل لكل مرشح أميركي مع الأخذ في الاعتبار الأحداث الخارجية ولو بصورة أقل.
وحتى لو نجح الرئيس الأميركي في السياسة الخارجية بشكل لا لبس فيه فلا يعني ذلك أبدا أنه سيربح الانتخابات كما نلحظ ذلك بوضوح في نجاح الرئيس كارتر بإبرام اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل وانتصار الرئيس جورج بوش الأب في عاصفة الصحراء فكل منهما لم يربح بعدها جولة ثانية من الانتخابات الرئاسية.
أقول هذا الكلام بعدما بات يتردد هنا في الداخل الأميركي السؤال عن كيفية مواجهة الرئاسة الأميركية لنذر الحرب الإقليمية التي تلوح في أفق الشرق الأوسط والتي ستستنزف وقت الإدارة الأميركية لأشهر قادمة قبيل انتخابات 2024.
بداية لابد من الاعتراف أن هذه هي الأزمة الخارجية الأهم التي يواجهها الرئيس بايدن منذ وصوله للبيت الأبيض وأن الإدارة الأميركية تجد نفسها اليوم أمام أمر لم تكن تتحسب له فقد انطلق انسحابها من أفغانستان عشية فوز بايدن من إرادة بقاء الشرق الأوسط هادئا ومحاولة تحقيق أهداف سياسية تتمثل في حل كل الملفات الممكنة والابتعاد كثيرا عن التدخل في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لكنها فوجئت بعملية (طوفان الأقصى) مما اضطرها مرغمة لتوجيه بوارجها لحماية إسرائيل ومن بعد ذلك النظر بروية وهدوء في كيفية تشكيل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط بعدما تأكد لها أن قدرها مع هذه المنطقة هو بمثابة الزواج الكاثوليكي الذي لا يمكن الانفكاك منه.
قد يستغرب القارئ لمقالي هذا أن أسعار الوقود في الولايات المتحدة تشكل أهمية كبرى في توجهات الناخبين وأن قضية مثل الإجهاض وحقوق الأقليات وقبل ذلك وبعده (اللوبي اليهودي) والناخبين اليهود تشكل جميعها عوامل مؤثرة بالغة في توجهات الناخبين.
ويأتي في هذا السياق توجيه بايدن بسرعة إرسال حاملة الطائرات إلى شرق البحر المتوسط مع ملاحظة القوة التي تتفوق بها إسرائيل على جيرانها حيث يرى الرجل أن الحرب اليوم فرصة لا تتكرر لتعزيز شعبيته في الانتخابات المقبلة عبر كسب تأييد اللوبي اليهودي له.
وأما الناخب الأميركي الذي لا يريد حربا جديدة فيمكنه أن يرى في ذلك التدخل المحدود شخصا يفصل بين متقاتلين ولا يريد توقد الصراع واستعاره ناهيك بالطبع عن القسم الأكبر من نواب الحزب الديمقراطي وناخبيهم الذين يصرحون علنا على الشاشات الأميركية بوجوب القضاء على حماس ويتهمون الرئيس بايدن منذ 3 سنوات وحتى الآن بـ(الدفاع الضعيف) عن إسرائيل و(قلة الحزم) في مواجهة إيران.
اليوم يجد الرئيس بايدن نفسه مضطرا كل ساعة للخروج أمام الإعلام للدفاع عن إسرائيل وتأكيد دعمه لها ووقوفه إلى جانبها وتشديده على عدم الإخفاق في الدفاع عن مصالحها وهو اليوم في صراع مع الجمهوريين لإثبات صدق مزاعمه بعدم التقصير في دعم إسرائيل وأنه بحاجة إلى كل هؤلاء في الكونغرس عندما يطلب مساعدات إضافية بمليارات الدولارات لحكومة نتانياهو وهو الذي يذكرنا بما قامت به الولايات المتحدة عام 1973 عندما أنقذت إسرائيل من هزيمة كانت وشيكة في سيناء.
لكن يبقى ظهور الرئيس بايدن أكثر من مرة خلال الأيام الماضية في وزارة الخارجية رسالة تؤكد حرصه على أن الحرب الشاملة يمكن تجنبها.
وبالعودة إلى السنوات الماضية فقد أرادت إدارة بايدن تهدئة الملفات الإقليمية الرئيسية في المنطقة ولكنها اليوم في المقابل ترى استحالة إقامة علاقات دبلوماسية بين دول عربية جديدة وإسرائيل قبل نهاية فترة رئاسة البيت الأبيض الحالية وبات الحديث عن اتفاق نووي متعثر أو أي تفاهمات ممكنة مع إيران لا وقت لها الآن مع هذا التوجس من دخول الفصائل والميليشيات اللبنانية والعراقية المدعومة من إيران في هذه الحرب التي أربكت كل الحسابات الأميركية.
كان الله في عون الإدارة الحالية فقد بات الجميع يطلب أثمان بقاء تلك الإدارة ودعمه لها في مرحلة رئاسية مقبلة فالتفاعلات على الساحة الدولية ستؤثر ولا شك على أصوات الناخبين والحروب في أوكرانيا تطلب أطرافها وعلى رأسها روسيا أثمان التصويت في مجلس الأمن على القرارات المرتقبة بشأن الأحداث في غزة والصراع مع الصين لا ينتهي والحلول السياسية قد لا يمكن إقناع الإسرائيليين بها.
في خلاصة يمكنني القول أنه ولاشك فإن الانتخابات المقبلة سيكون فيها العامل الخارجي طاغيا ومؤثرا وسيبحث المرشح عن تصويت اليهود الأميركيين بصورة تختلف عن الانتخابات السابقة وهنا سيكون الحظ إلى جانب بايدن إن استطاع استغلال الأشهر القادمة في خدمة إسرائيل بالطريقة التي تقنع اللوبي اليهودي في أميركا عبر تأييده لتفعيل تفاهمات ثنائية في اتفاقية دفاع مشترك حديثة مع إسرائيل واستحقاقات مالية تتوافق مع هذه الأحداث الجسيمة في المنطقة.
ويمكنني القول أيضا أنه حتى وإن تراجع الدور الأميركي في المنطقة منذ وصول بايدن للحكم فإنه اليوم يعود على حصان باهت الألوان يريد مساندة دولة يحيط بها الأعداء من كل جانب ويرجوا أيضا أن يكتب له التوفيق والنجاح في محاولة التخفيف من آثار صراعات بات الكثيرون في كل الأطراف يتذكرون فيها بل ويؤمنون أنهم قد لحقتهم تلك الشتيمة واللعنة الصينية الشهيرة التي يلعن بها الصينيون من يرون أنه قد ضايقهم في حياتهم عندما يقولون له (يا ليت أن قدرك أن تعيش في زمن فوار وقلق لا ترتاح فيه أبدا).
Sky News
مجلة 24 ساعة