من درر مؤلفات الطبيب يوسف أدريس وفي كتاب ” مدينة الملائكة ” مقال تحت عنوان ” عبقرية المعارف ” ،
يستهله باعتذار للقارئ عن الكتابه عن الأمراض عامةَّ ، وعن أمراض الكاتب خاصةَّ وهى مادة غير محببة إلى القارئ ، فهو مثقل بالمشاكل ، ويريد أن يقرأ شيئًا آخر ، واوضح أنه يتحدث فى كلماته عن ظاهرة مصرية
أصبحت فعلًا مشكلة خطيرة من مشاكل شعبنا ، ذلك هو الإهمال ، إهمال المرافق العامة ، ونظافة الأمكنة والشوارع والذي أمتد للإنسان ذاته ، وأكتشف ادريس أن أجسامنا قد ترهلت بطريقة مزعجة ، وأنه شخصيًا أحس أنه ترهل ، واصبح يلهث لدى أي مجهود ، وكان يؤجل التفكير في جسمه وصحته باعتبار أن هناك أشياء أكثر أهمية بكثير ، وهذا يعتبر في العرف العلمي المتحضر جريمة لا تُغتفر . وبعد عطلة بالخارج بدأ عقل يوسف أدريس كما يقول – ويقولون – يروق تذكر أنه لم يجري فحصًا شاملًا لجسده منذ أكثر من سبع سنوات ، وأن طبيبه الدكتور مجدي يعقوب الذى أجرى له عملية منذ أثني عشر عامًا أوصاه بعمل فحص شامل كل ستة أشهر مرة ، ولكن بعد عام أو عامَين ، أهمل كل شئ ، طلب الاديب الكبير د. مجدي يعقوب لتحديد موعد ، ولكن مساعدته التى تذكرت الحالة والعملية ، أعتذرت أن الكتور مجدي يعقوب مشغول باكتشافاته وقتها فى زراعة القلب والرئتين ، وانها تحيله إلى طبيب زميله ، وشعر أدريس بهُنَية من الضيق ، وخيبة الأمل ، واعتذر عن الذهاب إلى الذي لا يعرفه ، وتذكر أن الطبيب المساعد الأول لمجدي يعقوب فى عمليته وأنه يعرف حالته تماما ، هو الطبيب المصري ذهني فراج ، ورغم أن الطبيب المساعد كان فى إجازة في إسبانيا، فقد أنتظره أدريس على جمر ليحدد له موعد فى عيادته بهارلي ستريت ، الشارع الذي لا يستطيع أن يفتح فيه عيادة إلا من وصل إلى شأو علمي خطير فى الطب ، واصبح على الأقل في مرتبة ” مستشار ” طبي أو جراحي – حسب قول أدريس – ليكمل روايته ” في الدقيقة لا بُدَّ أو أعترف بشىء ، نحن في كثير من الأحيان نجني على من نعرفهم شخصيَّا جناية بالغة ؛ ولأن محمد ذهني فراج كان من شباب العائلة الأصغر فلم أكن أتصور أنه ، وحده ، يستطيع أن يكمل دراسته في إنجلترا ، ويصبح واحدًا من أعظم جرَّحي القلب وأطبائه فى لندن ، ومستشارًا لواحد من من أعرق مستشفيات إنجلترا التاريخي ، كل هذا وأنا مازلت أنظر إليه باعتباره ذهني فراج الطبيب الشاب حديث التخرج في رأيي ، وأن كان قد مضى على تخرجه الآن أكثر من عشرين عامًا ووصل إلى كل ما وصل إليه . ” ويكمل كاتبنا الكبير قصته مع الطبيب المصري المغترب ” . . والحقيقة أن مقابلتي معه كانت عاصفة ، فقد قاللي بصريح العبارة إني أنتحر ، وإنني بالحالة التي كنت فيها معرَّض للموت فجأة ؛ ذلك أنه وجد فى جسدي كمية من المياه الزائدة تعادل أكثر من ثمانية لترات ؛ ونتيجة لهذا فهناك ارتباك في دق القلب … ، كل ما كنت خائفًا منه … حتى لقد قلت لنفسي إنه يحاول إخافتي ليس إلا .
ووصف لي دواءً مدرَّا للبول مع دواء آخر .. وكانت المفاجأة بعد ثمان وأربعين ساعة فقط ، وعاد تنفّسي طبيعيَّا ، وعدت أسير لكافة ميلَين وثلاثة أميال ” .
و يختم انيس منصور تجربته العلاجية بالشكر لطبيب القلب ” شكرًا للنابغة من نوابغ مصر الشابة ، وآسف تمامًا لبيئتنا الطاردة التي تقدم مواهبنا إلى حضارات أخرى على أطباق من الفضة . ”
تذكرت ما كنت قد قرأت من آدب يوسف أدريس ، وما ذكره فى أحد كتبه عن الطبيب الجراح ، وانا استقبل صديق آتي من مصر للقاء د. ذهني فراج باحثا عن العلاج من مشاكل فى القلب ، الصديق كان المحامي المعروف فايز جريس أخ صديق العمر لويس جريس ، الذي لجأ لي لتحديد موعد مع طبيب القلب د. فراج ، وساعدني فى هذا صديقي الدكتور فايز بطرس عمدة الاطباء المصريين فى الشارع الشهير ، فى الموعد المحدد التقينا فى عيادته بهارلي ستريت ، كان الرجل قصير القامة ، يبتسم بخجل ، يتمتع بالثقة بالنفس فى قدراته ، لم أعطيه الفرصة ليتحدث لصديقى المريض أثَّرَني الرجل بلطفه ، مما دفعني لمعرفة المزيد عن الرجل ، و سر حضوره الى لندن ، وقصة نجاحه، فالرجل من مركز إيتاي البارود ، وبها ما يقرب من 455 قرية وتعدادها حوالى نصف مليون نسمة ، فى أقصي شمال مصر ، وهى مدينة توفيق الحكيم ، ومحمود سامي البارودي ، والامام محمد الغزالي وغيرهم من أعلام هذه المدينة ، عرفت أنه أتجه إلي دراسة الطب لسببين: الأول أنه طالما كان يتمني أن يعمل بيديه، ولذا أراد أن يصبح مهندساً، ثم غير اتجاهه بسبب أمنية أبيه، الذي تمناه طبيباً، لكن جدته رأت مشهداً لطبيب يشرح ميتاً والناس تدعو عليه، فمنعته من دخول كلية الطب، فرأي والده أن أحد أبنائه يجب أن يكون طبيباً، وبالفعل تخرج الأول طبيباً لكنه مات بعد تخرجه مباشرة. وبعد ذلك لم يكن أمام ذهني في مواجهة رغبة أبيه وحزنه علي ابنه إلا أن يصبح طبيباً، وعلي الرغم من تلك الطريقة التي أصبح بها طبيباً، فإنه يؤكد أنه يشعر بسعادة حقيقية ولذة فائقة عندما يمسك بالقلب بين يديه ويشعر أن هذا ما أراده طيلة حياته وما كان يحلم به في عقله الباطن.
حصل على بكالوريوس طب عين شمس وعمل بها كطبيب مقيم بقسم جراحة الصدر والقلب تسع سنوات قبل أن يقرر المخاطرة بالسفر إلي الخارج لاستكمال الدراسات العليا. فهاجر الى بريطانيا عام 1977 ، طريقه كان صعباً فقد وصل إلي لندن ، ولم يكن بحوزته سوي ٣٠ جنيهاً إسترلينياً فقط لاغير، وكان عليه أن يجد عملاً بشكل سريع ، وهذا لم يكن سهلًا في ظل المنافسة مع أبناء البلد الأصليين، غير أنه تمكن من التغلب علي تلك الظروف، مؤمنًا بأنه إذا أردت أن تحصل علي وظيفة ممتازة في بلد أجنبي فعليك أن تكون أكفأ من أبنائه عشر مرات ، كافح واجتهد وحصل فراج علي شهادة الزمالة قبل أن يدخل عامه الثلاثون وكان أصغر طبيب يحصل عليها، وبعد عشر سنوات أصبح استشاري جراحة القلب في مستشفي جامعة لندن ، ثم أصبح رئيس القسم بعدها، وافتتح عيادة في شارع هارلي في لندن، وهو الشارع الأشهر لكبار الأطباء، وأصبحت له بعدها شهرة عالمية، ويفد مرضاه إليه من كل بلاد العالم، ولم ينس فراج مصر بعد نجاحه وكثيراً ما يعود إليها لإجراء العمليات الجراحية المجانية.
أن سر نجاح ذهني فى الالتزام بما يجب أن يكون طبيب القلب عليه ، فقد كان متفرغاً بشكل تام للمهنة ويفكر فيها ٢٤ ساعة في اليوم ، موضحًا لى فى حديثه بأن علي أسرة الجراح أن تراعي ذلك وتساعده ، مؤكدًا أن جراحة القلب لا تحتاج إلي الجراح فقط ، ولكن إلي فريق محترف عاشق للمهنة، لأن المجموعة القائمة بالجراحة أشبه بـ«فريق الكرة» . أنه ينسي كل شيء حين يمسك بقلب الإنسان في يده ويستشعر قدرة الخالق، حيث إنه العضلة الوحيدة التي تعمل بشكل متواصل دون توقف طيلة حياة الانسان .
ويعمل ذهني ” 79 عاماً ; مستشارا لمستشفى وستمنستر الجامعي بمدينة لندن، حقق انجازات عالمية منها أنه أول من ابتكر وسادة طبية تحمل اسمه وتستخدم لتبريد عضلة القلب أثناء الجراحة، وهو من أدخل الموسيقي الكلاسيكية إلي حجرة العمليات وأجري الجراحة علي أنغامها، كما أنه استطاع أن يقلل من الزمن الذي تستغرقه عمليات نقل الصمامات وترقيعها.
إنه واحد من الطيور المهاجرة التي تركت الوطن لتصل إلي أعلي المراتب خارجه، لاسيما بعد أن أكدت جميع الصحف الإنجليزية والمراجع الطبية أنه الأفضل في مجال إجراء عمليات الشريان التاجي .
.. واذا كانت مصر قبلة الطيور المهاجرة حول العالم وهي رزق من السماء لأهالي منطقة وادي البحر الأحمر، فابنائنا المهاجرين واطبائنا منهم منحة من العطاء تغرد بالخير على دول العالم .
…وعنهم سنحكي الكثير عن قصصهم ونجاحاتهم .
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة