لم أحب السياسة يوما، ولم أكن أحب الخوض في غمارها، وحتى الاستماع لخطاباتها لكن حين وضعتني ظروف العمل فى المغرب بالتعرف على بعض من رجالاتها ، فى مناصب استشارية ، وجدت فيهم طبيعة الراعي الصبور الخدوم ، والمدافع عن وطنه ، شخصيات عنيدة وصعبة المراس . منهم الخبير المحترف يقدم المشورة ، حيث يتكلف المستشار فى التواصل السياسي بالعلاقات العامة مع الصحافة على المعطيات السياسية التي يستيقيها محليًا ووطنيًا ، وينسج شبكة من العلاقات فى الوسط السياسي . لم يكن لي العلم أو الخبرة فى الكتابة عن رجالات وطنية مغربية ، نموذج للعديد من رجال العالم العربي الافذاذ والابطال الأماجد ، انجذبت و أحببت الأقتراب من شخصيتان مغربيتان لعبَ دورًا هام لبلادهم ، والتعرف بهما عن قرب ، أحمد بن سودة و عبد الهادي بوطالب. الاثنان عاشا فترة الاستعمار المقيت ، مناضلان فى الاحزاب ، مستشاران لملك البلاد ، وسفراء فى السلك الديبلوماسي ووزراء فى الحكومة المغربية ، واصدقاء عمر ولقبا ب ” هبة فاس للمغرب، وهبة المغرب للثقافة العربية” ، عالمين ومفكرين ، شغلا حيزا مهما في الساحة المغربية والعربية ، منذ انخراطهما في الدفاع عن استقلال المغرب، أن ما تقلده من مهام لأعوام طويلة ، بالاضافة أنهما كانا “مثقفان لامعان ذو مؤهلات علمية غزيرة، وأستاذان جامعيان ، وعالمان موسوعيان تنوعت مداركهم وتوزعت على مجالات الأدب والفكر، وعلم الأديان، والفلسفة والتاريخ، والفقه والتفسير القرآني، والقانون والعلوم السياسية والثقافة الديبلوماسية والمقالة الصحفية. ” …
خاضا الجهاد معاً بأسلحة متنوعة وبمنهجية حكيمة وتضحية ، والأهم جذبتهم الصحافة وجمعتهم أصالة علمية وثقافية . شخصيات غنية ومتنوعة ، وكل جانب من حياتهما يستحق وقفة .
كلاهما تعرض للسجن والنفي بسبب افكارهم السياسية .
بن سودة بعد قضاؤه اشهر فى سجن مدينة فاس حكم عليه بسنتين سجنًا والإبعاد عن مدينة فاس لمدة عشرين عاما ، وكان من جملة المسيرين الذين طالبوا بالاستقلال سنة 1944 فأودع السجن لمدة عام ونصف ، اما عبد الهادي بوطالب ، فقد انخرط في العمل الوطني منذ شبابه المبكر، متوقفا عند تنامي نشاطه السياسي الوطني، خلال اشتداد الأزمة المغربية الفرنسية مطلع الخمسينات، حيث وجد نفسه في طليعة القادة السياسيين الداعين إلى المقاومة المسلحة ردا على السلوك الشنيع للمستعمر بإقدامه على نفي الملك محمد الخامس يوم 20 أغسطس ” آب ” 1953 ” . و”مع تزايد ضربات المقاومة المغربية ضد المستعمر، وإصرار الشعب المغربي على عودة الملك الشرعي إلى عرشه ، دعت فرنسا إلى مباحثات شارك فيها المرحوم بوطالب ضمن وفد قادة الحركة الوطنية ، ليكون أيضا واحدا من الشخصيات الوطنية الأربعة ، التي زارت المغفور له محمد الخامس بمنفاه في مدغشقر ، لاطلاعه على مستجدات الاوضاع وتطور الاحداث ، وأخذ توجيهاته بشأن مجريات الحوار مع السلطات الفرنسية العليا بشأن الازمة القائمة وسبل الخروج منها .
****
يعتبر أحمد بنسودة، مستشار الملك الراحل الحسن الثاني ومدير ديوانه، من أكبر الشخصيات السياسية التي عملت مع الملك الراحل، حيث تميز مساره بدهاء سياسي وحكمة كبيرين. من ابناء مدينة فاس ، وفيها تتلمذ على يد كبار علمائها ومفكريها، حتى تشبع بالفكر العربي والإسلامي الحداثي إضافة للدراسات العصرية التي جعلت منه قلما ذكيا خلف للخزانة المغربية والعربية عدة مؤلفات وأشعار إلى جانب كتاباته السياسية ، تعرفت علي أحمد بنسودة فى غربتي الاولي ببيروت فى احتفالية اقامتها السفارة المصرية فى ذكري الاحتفال بذكري 23 يوليو عندما كان سفيرا للمغرب في لبنان ،
وقد استطاع بلباقته وكياسته أن يخلق علاقات قوية بكل الأوساط السياسية والاقتصادية وخاصة الصحفية، حيث جعل كبار الصحفيين وأعظم الأقلام يكتبون عن المغرب الشيء الكثير، وعلى رأسهم الراحل سليم اللوزي، صاحب مجلة الحوادث الذي دفع حياته ثمنا لقلمه الجريء، وملحم كرم، نقيب المحررين اللبنانيين وصاحب جريدة البيرق اليومية ويومية فرنسية إضافة لمجلة ألف ليلة وليلة. ونجح بتأثيره وسياسته فى أن كل كتاباتهم تصب لصالح المغرب وتدافع عن مصالح المغرب وذلك بفضل الشخصية المؤثرة والدهاء السياسي واللباقة الدبلوماسية التي كان يتمتع بها صديقهم وسفير المغرب في بيروت آنذاك أحمد بنسودة. رحمة الله عليهم جميعًا . ونجح عام 1975 فى أن يجمع تظاهرة من الصحافيين للمشاركة فى المسيرة الخضراء ، الحدث التاريخي والسياسي المغربي الكبير ، ووجدوا منه كل المساعدة والترحيب حيث سهل مهمتهم بحسن وفادته وطيبوبته ، واذا كنت من المحظوظين ، فدعوة من بن سودة أن تتواجد على مائدة الغذاء أو العشاء ببيته في الرباط. لا يماثلها شيئًا ، وقد صحبت الصديق الصحفي العراقي رمزي صوفيا يومًا الى منزله بناءً على دعوة منه ، وكانت كل الأطباق المغربية اللذيذة من إعداد السيدة حرمه . وعندما كنا نشيد بالأكلات المقدمة على مائدته ‘ ليس مجاملةً ‘ ، حكى لنا عن قصة وقعت له مع الأمير الراحل مولاي عبد الله، شقيق الحسن الثاني رحمهما الله، حيث قال لنا ( ” ذات يوم دعوت سمو الأمير مولاي عبد الله وحرمه الأميرة لمياء الصلح لتناول طعام الغذاء. وبعد الانتهاء من ذلك، التفت الأمير إلي وقال لي: يا السي أحمد أريد منك شيئا”. فأجبته فورا: “أمرك مطاع يا سمو الأمير”. فقال لي الأمير مولاي عبد الله: “أطلب منك أن تعطيني الطباخ الذي يعمل في بيتك”. فانتفضت مصدوما، وقلت للأمير: “سيدي، إن آل بنسودة قد خدموا العرش العلوي منذ زمن بعيد، وأنا مخلص للعرش العلوي حتى النخاع، ولكن إذا أصررت سموك على أخذ طباخ منزلي فستقوم حرب كبرى بين العلويين وبني سودة لأن الطباخ هو زوجتي”. فضحك الأمير وزوجته حتى كادا يغشى عليهما من شدة الضحك. وصارت زياراتهما متكررة إلى بيت بن سودة . )
يومها ونحن فى طريق عودتنا من الدعوة الكريمة حكي لي صوفيا ( ” يوماً كنت اجالسه خلال ظهيرة أحد أيام الصيف، فسألته : “أرجو منك أن تحدثني عن قصص ووقائع حدثت لك مع الحسن الثاني”. فقال لي مبتسما: “يا رمزي، إنك تسألني عن حياتي كلها بهذا السؤال، فعلاقتي بالحسن الثاني وخدمتي للحسن الثاني هي محور حياتي، ولكني سأحكي لك بعض القصص الهامة التي عشتها وصمت قليلا”، ثم تابع حديثه قائلا لي: “لقد كانت جل المهام التي كان يسندها لي الملك الحسن الثاني حساسة، ولكن الله كان يساعدني في قضائها على أحسن وجه. وأذكر أنني ذهبت ذات مرة إلى المملكة العربية السعودية، فقابلت الملك الراحل فيصل. وبعد حديث دار بيني وبينه وبطريقتي الخاصة تمكنت من جعله يصدر أمره على الفور بتقديم شيك بمبلغ 300 مليون دولار هبة من المملكة العربية السعودية إلى المملكة المغربية. وبعد استلامي للشيك موقعا، اتصلت على الفور بالملك الحسن الثاني وأخبرته بذلك وصوتي يرتعش من فرط فرحتي. فقال لي بالحرف: إهدأ قليلا يا بنسودة واقرأ لي الأرقام التي في الشيك بالتدقيق وبعدد الأصفار”. وكانت تلك من المهام التي لن أنسى فرحتي بإنجازها ما حييت يا رمزي ” . )
كان الحسن الثاني يثق في بن سودة ثقة كبيرة ، فقد كان فقيها وعلام بما يحفل به من غزير العلم ووافر الاطلاع ولباقة الكلام والحكمة والبيان ، كما كان وطنيا غيورا ومغربيا كريما حتى أبعد الكرم، حيث كان بيته مفتوحا في كل يوم لاستقبال القادمين من كل جهات المغرب لقضاء حاجة أو طلب مساعدة، فكان بنسودة لا يرد أحد ولا يحرم مستضعفا. كان يستقبل المحتاجين والفقراء بنفسه وأنا شاهد على هذا. لقد كانت أخلاقه سمحاء ونفسه مليئة بالطيبوبة والكرم والتفاؤل.
****
كلل عمل المقاومة باستقلال المغرب ، ليكون عبد الهادي بوطالب، في طليعة استقبال الملك محمد الخامس عند سلم الطائرة بمطار الرباط سلا ، ويكون له شرف المساهمة مع زميلان في تحرير أول خطاب يلقيه الملك محمد الخامس بعد عوته من المنفى .
.وهو كعالم وأديب ومفكر، وكأحد الوجوه البارزة في تاريخ العمل الوطني من أجل استقلال المغرب و علما من أعلام الفكر المغربي، تولي بو طالب مسئوليات عديدة كان قد عين وزيرا للشغل والشؤون الاجتماعية، في أول حكومة مغربية تشكلت بعد الاستقلال، تقلد عدة مناصب وزارية. كما عمل سفيرا للمغرب في سوريا والولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك . وواشنطن والمكسيك ، والغريب أنه لم يتقاضي من الدولة المغربية أي راتب شهري أو راتب تقاعدي لا كلي أو جزئي ، ويعيش على موارده الخاصة الذي وفرها له عمله الطويل فى القطاع الخاص . لقد قام عبد الهادي بو طالب بمهمة مستشار كما رسم معالمها الحسن الثاني، حينما اختاره رفقة ثلاثة مستشارين آخرين، خطب فيهم قائلاً: “مهمتكم أن تتابعوا عمل الوزراء، وتكونوا واسطة بيني وبينهم فيما يبعثونه إلى الديوان الملكي، وتقدموه إلي مع مقترحاتكم عليه، وتقترحون علي أفكاركم بشأنه، لأتخذ القرار على ضوء ذلك”.
ولم ينس الملك الحسن الثاني يومًا أن بوطالب، الذي لقنه أصول اللغة العربية وآدابها وحببها إليه، بعد أن اختاره الملك الراحل محمد الخامس ضمن الأسرة التعليمية بالمعهد المولوي التابع للقصر الملكي، مكافأة له على تفوقه في امتحان تخرجه من جامعة القرويين التي منحت بوطالب شهادة العالمية وهو لا يزال شابا.
ومن المؤكد أن الحسن الثاني كان يقدر نبوغ بوطالب، وتضلعه في علوم اللغة العربية التي أبدع بها نصوصا أدبية رائدة بوأته مكانة مميزة في مشهد الأدب المغربي الحديث، ومن هنا سر تلك العلاقة المضطربة بينهما والتي انتهت بخروج بوطالب من الديوان الملكي وإنهاء مهامه كمستشار، اذ ان الملك الحسن الثاني لم يعد يتحمل، بسبب وطأة المرض في سنواته الأخيرة، أية معارضة لأفكاره، بينما كان بوطالب يعتقد أن من واجبه إسداء المشورة الخالصة للملك. وأنه كان يتحلى بالجرأة في إبداء رأيه أمامه. فعندما جاء شاه إيران إلى المغرب عام 1979، إثر قيام ثورة الخميني، حرص الملك الراحل على أن يكون ملك إيران السابق بجانبه لدى استقباله للوزراء والمسؤولين في حفل تقديم التهاني بمناسبة عيد الفطر حيث كان الوزراء يقدمون لهما التهاني معا، لكن بوطالب امتنع عن ذلك وبقي في الخلف،
لقد تميزت علاقة بوطالب بالملك الحسن الثاني، بالشد والجذب، تحكم فيها مزاجهما الصعب. فقد جعله الملك ضمن الدائرة المقربة إليه وأسند إليه أدوارا سياسية دقيقة ودبلوماسية، سواء في الداخل والخارج، دون أن ينجو من فترات غضب ملكي كانت تطول أحيانا ثم تنتهي بالصفح عنه وإعادته إلى واجهة الأحداث.
وأهلته كفاءته وقدراته الفكرية أن يتبوأ مهمة مستشار الملك على امتداد سنوات غير قليلة. و نظرا للحظوة والتقدير اللتين كان يتمتع بهما بوطالب ، داخل الأوساط الديبلوماسية العربية والإسلامية، فقد انتخب سنة 1982 أمينا عاما لمنظمة الإيسيسكو، وبقي على رأس إدارتها أزيد من عشر سنوات، وضع خلالها صروح هذه المنظمة وحقق لها إشعاعا معتبرا ،وأنه لم يغادرها إلا وترك فيها بصماته كعالم فذ ومفكر لامع وديبلوماسي محنك ” ، سعي و جاهد بوطالب ، منذ سنة 2007 ، لانشاء مؤسسة تحمل اسمه ، هي مؤسسة عبد الهادي بوطالب للثقافة والعلم والتنوير الفكري، التي أراد لها أن تكون آلية لدعم الحوار بين الشعوب ، واعلن قيم الحرية والتنوير الفكري . شخصيتان من أبرز رجالات السياسة والفكر الذين طبعوا تاريخه المعاصر ، لهما مسار سياسي متشابه انتهي بهما فى الديوان الملكي ، مستشارين متجاورين قريبين من بعضهما ، خرجا من دواليب السلطة ، ليستعيدا دورهما ومكانتهما فى الجامعة وفى المنتديات الثقافية ، محاضران مدافعان عن التحديث والاصلاح السياسي الذي جعله الملك محمد السادس شعار عهده ، ولهما مؤلفات فى السياسة والقانون والأدب والدين .
رجال لاتعوض ويصعب أن يجود بمثلهم الزمان
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة