الرئيسية / كلمة العدد /
الغربة الثانية (٥2)
ياهلا ..بالصحافة المهاجرة !
مودي حكيم
مودي حكيم

الغربة الثانية (٥2)
ياهلا ..بالصحافة المهاجرة !

يبدو تعلّم إستراتيجيات الخروج من الأزمات أمرًا محتمًا، خاصة أننا، في الحياة العملية أو الشخصية، نسبح في محيط هائج يموج بالمخاطر والأمور الطارئة موجًا. إن واحدًا من أكثر المعاني التي يمكن أن يخرج المرء بها من الأزمات بل أن يتغلب عليها كذلك هو اعتبار العقبات التي تعترض طريقه بمثابة تحديات، ومن خلال هذه النظرة ستنطوي الحياة على قدر كبير من المغامرة والتحدي، وسيكون فيها ما يستحق التجربة والعيش من أجله.

لا أنكر تأثري بما صدمني، وآلمني من اغتيال انسان ارتبطت به انسانياً وحرفياً، والازمة التي فجعتني إنسانيا، وفاجأتني حَرَّفْياً في حياتي العملية، حرفية صناعة النشر، وانا مقبل على مرحلة جديدة من الإنطلاق والتوسع بإنشاء مطبعة لتلبية متطلبات الناشرين واستكمال احتياجتهم، وخاصة عندما شُرَفتْ بزيارة من رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام عبدالله عبد الباري الذي عرفته في الستينيات كزميل لوالدي بقسم الإعلانات لجريدة الاهرام فى مبني الأهرام القديم كمدير إنتاج، وسرعان ما تقدم بخطي سريعة ليكون مديراً عاماً لإعلانات الاهرام. جاءني بعد غيبة سنين كرئيس للمؤسسة ومعه الصديق المهندس محمد تيمور مدير مطابع الأهرام لمكتبي في سان جيمس ستريت، ليحدثني عن خطة الجريدة لتقديم طبعه دولية فى لندن، ويستشف رأيي ومن خبرتي فى العاصمة البريطانية ما يمكن أن انصح واساهم به. رغم أن عبد الباري كان على شفا بلوغ السن القانونية للمعاش، وقتها كان ابراهيم نافع رئيس التحرير وتسلم بعدها رئاسة المؤسسة.

الزيارة أكدت أهمية تطوير نشاط شركتي وزيادة حصتها السوقية، وتحقيق طموحاتي، وخاصة أن جميع المؤشرات تشير الى اصدارات جديدة  وطبعات دولية قادمة الى عاصمة المملكة.

بحثت ووجدت المكان المناسب فى موقع قريب من مبني الفايننشال تايمز بمنطقة جنوب شرق لندن SE1 والقريب من لندن بريدج، ومسرح عالم شكسبير، المسرح القديم المصنوع من البلوط والقش، وهو مستوحي من مسرح إليزابيث الاصلي المنشئ عام 1598 واقيم عليه العرض الأول لأكثر مسرحيات شكسبير، وأعيد بناؤه و فتح للجمهور. المبني صناعى ثلاث طوابق يصلح أن يكون مطبعة.. وجدت المكان، وبقي التمويل .!

وانا مؤمن بقدرة الله سبحانه وتعالي، واضعا امامي قول النبي داود ” الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ.”، عالما بأن ربك لما يريد، تفتح أبواب السماء، بتدبير من الله بعلاقته المستمرة مع كل خليقته، وتتحقق الأحلام.

وضع الله فى طريقي الصديق والصحفي اللبناني الراحل وفائي دياب من رعيل صحافي المهجر المبتسم البشوش دائمًا، لم تفارق الإبتسامة ثغره يومًا. التقيت به بعد أن انهي دراسته العليا فى جامعة كارديف فى ويلز، فاصبحنا أصدقاء. ساهم بقلمه ككاتب صحفي فى لندن بالحوادث والصياد، وجريدة العرب والمنار وجريدة الشرق الأوسط وساهم فى إصدار القبس الدولية، وتخصص في إدارة الصحف اليومية في مؤسسة طومسون البريطانية. يجيد حسن الإستماع للآخرين ومن الصعب عليه أن تطلب منه خدمة لا يستطيع تقديمها فهمَّهُ حلّ مشكلات الآخرين. رآني يوما فى مكتبي مهموما وحائراً، عرضت عليه مشكلة التمويل، تحولت ابتسامته الى قهقهة، تبّسم وهو يخبرني بصديقه ورفيقه منذ الطفولة وابن ضيعته “عين إبل ” قضاء بنت جبيل فى جنوب لبنان ” فريد بركات ” مدير بنك ابوظبي الوطني – فرع نايتسبريدج – المعين حديثًا فى المنصب ويريد إثبات ذاته ومهاراته الإدارية لمواجهة المنافسة من زملائه الإنجليز فى الفروع الآخري، وانه سيرحب بالمساعدة. وفى الحال إتصل دياب بصديقه هاتفيًا الذي حدد موعدًا للقاء مؤكدًا على أهمية تقديم أوراق منها الوضع المالي والقانوني للشركة ودراسة جدوي وأَصْل وفصل و تاريخ العبد لله.

 

اللقاء كان حميمًا مع شخص ألتقي به لأول مرة. فرحت بلقاء المعدن النفيس فريد بركات إبن الأصول طيب المعدن، ابتسامته وترحيبه بى طمأن قلبي، نموذج للمدير الناجح فى مهارة الإستماع والتعامل والإهتمام. استلم الأوراق وارسلها لرئيس قسم الائتمان بالبنك الرئيسي بابوظبي، للدراسة واتخاذ القرار بالموافقة على تمويل مشروعي، وعدني خيرا وان القرار قد يستغرق ثلاث أسابيع لأخذ الموافقات.

عدت لمكتبي متفائلا، معتقدًا بأن الأمر انقضي. وبناءً على دراسة الجدوي انحصرت ماكينات الطباعة ” الويب Web ” المطلوبة فى ماكينة اربعة لون مع مجفف لطباعة المجلات، واسعارها تتعدي المليون جنيه استرليني، خارج الميزانية، والبحث عن ماكينة مستعملة هي الحل، وكان توفيق من الله أن أجد ماكينة من شركة هاريس الأميركية مستعملة فى مطبعة بمدينة مالمو بالسويد بربع سعر الماكينة الجديدة، أما بالنسبة لطباعة الصحف اليومية، فكان سعر ماكينة  Goss Community الجديدة ضمن الميزانية.

مرت الأسابيع الثلاث، وجاءني الرد بالموافقة من البنك مع إتخاذ جميع الضمانات اللازمة. حمدت الله وانطلقت لإكمال مشروعي، متطلعاً لإستقطاب المجلات والصحف لتلامس اوراقها وتغذي إسطوانات طباعة ماكيناتي، متشوقاً أن تدور وتلوّن حياتي، وأن تنبثق أرتال الصفحات من بطون آلات الطباعة تماماً كما تنبثق الينابيع من بطن الأرض، ليتردد صداها كدوران عجلات القطارات.

***

كانت الصحافة العربية الدولية فى الخارج في الخارج تقسم لخمس مجموعات، صحف الجاليات العربية ومعظمها فى أستراليا وأمريكا الشمالية والجنوبية وأوروبا والتوزيع داخل حدود الدولة، وصحف مهاجرة فرض عليها الهجرة نتيجة الملاحقة والقهر فهاجرت إلى الخارج  وهى ظاهرة قديمة وأول صحيفة عربية مهاجرة أصدرها رزق الله حسونة الحلبي عام 1858 وهي ” مرآة الأحوال ” في الآستانة عاصمة الدولة العثمانية، الطبعات الدولية لبعض الصحف الوطنية مثل الأهرام الدولي، القبس الدولي، النهار الدولي، الحياة الدولية، الثورة العراقية، الشرق الأوسط، وكذا الصحف التي يصدرها صحفيون عرب بتشجيع من حكوماتهم في بعض العواصم الأوربية للإستفادة من التطور التقني فى الخارج، وكذلك رغبة بعض الأنظمة فى التحايل للإستقطاب، بالإضافة للصحف التى تصدر بلغات أجنبية فى بعض الدول العربية وتوزيعها بين الأجانب فى تلك البلاد وهى ظاهرة قديمة ترتبط بالاستعمار الذي يحرص على إصدار هذه الصحف لخدمة جنوده.

***

…. و اراد ربك أن تدور الآلات لتحقق دورها كوسيط بين الناشر والقارئ ، لتحول الكلمة المكتوبة إلي كلمة مطبوعة، مع مطلع كل صباح لتبث العلم والمعرفة والأخبار …. ولها ايضاً حكاية …

 

 

شاهد أيضاً

عشق الرائحة فى الصحافة المطبوعة !

  لاشك انه من المبكر نعي الصحافة المطبوعة . فلديها قرّاؤها ولديها جمهورها ، فعشق …