الرئيسية / كلمة العدد /
الغربة الثانية   (12)
الغربة تيه بلا صديق!
مودي حكيم
مودي حكيم

الغربة الثانية   (12)
الغربة تيه بلا صديق!

الليل في الخارج يبدو حانياً, يحمل معه نهايات النجوم, وينسكب ضوء القمر ويتوهج.

سَرَحت بعيني في المدى الأسود, جافاني النوم, بقيت أرقاً, مسهداً, مسكوناً بالهواجس والخوف من الآتيات من الأيام في البلد الغريب.

حاولت في تلك الليلة أن أقرأ, علّني أريح ذهني من الصور السود, المتزاحمة والمتلاطمة فيه. فتحت كتاباً, ما عدت أذكر عنوانه, ولا إسم كاتبه, ولا حتى شكله. كل ما بعد أذكر, أن الأحرف كانت تتمايل و تتلوى على الأسطر الملزوزة, التي تكرج في الصفحات عجلى.

أرحت عيني, أغمضتهما هنيهات, طويت دفة الكتاب, كَرَّ في ذهني شريط صور. إستسلمت لأفكاري, وما كان فيه أمسي, وما أنا في يومي القلق. فلقد دار الزمان, والزمان دوار, لا يحفظ الأسرار والموّدات, ولايترك حالة على حالها. وبعدما كنت بدأت اشق طريقاً تهون عليَّ غربتي الثانية, وأنجح فيما اُنتدبت لتحقيقه في عاصمة الضباب والبرد, وأطمئن لإستقرار عائلتي الصغيرة في البلاد الغريبة, فإذا بي أجد نفسي مكسور الخاطر, مكدود النفس, بلا عمل ولا دخل, أنفق مما كنت إدخرت لسداد إيجار مكتب كان لدار “روز اليوسف”… وعندما وجدت مخرجاً للضائقة والمعاناة التي أعيشها في محترف للترجمة والخدمات الطباعية, وجدت أنني إستنزفت ما إدخرت, وبالكاد الباقي يفي بالكفاف في غربة لا ترحم. وأصبحت لا أملك من المال ما يمكنني من وضع ميزانية لتجهيز المحترف من المطلوب من الآلات… عدا مستلزمات أخرى ليس أقلها ميزانية رواتب الجهاز المطلوب. وما أملت أن يكون “الفرج” من الضنى والضنك إندثر وضاع. ورحت أتلفت من حولي, علني أجد من يمد لي يداً ويساعدني, وينتشلني من الُلجة الطامية.    في تلك اللحظات, أدركت كم يحتاج واحدنا الى صديق يصدقه القول والفعل, يقرأ مشاعرك, فتبوح له بمكتومات صدرك, فيواسي, ويسلو, ويشّد الأزر في الغربة القاسية.

من إجادات وممتعات الكاتب اللبناني أمين نخلة (إبن رشيد نخلة ناظم النشيد الوطني اللبناني) و قوله:

” من يظن أن التوفيق في الحياة يقوم على الذكاء, لا غير, فقد فال رأيه”.

وكم كان على صواب.

***

وصلني صوت هشام العيسوي, موشى باللهفة, شكل أحرف كلماته بإحساسه وحدبه, وهو يتسقط اسباب غيابي عنه, وتخلفي عن اللقاء اليومي في مكتب عيادته لطب الأسنان في “94 هارلي ستريت” Harley Street العريق في قلب لندن, (وهو شارع يضم عيادات أشهر الأطباء وأهم المستشفيات في العالم), وإتصاله بي , المباغت, يومها, كان نفحة أمل في لحظات اليأس, في زمن شاهت فيه الوجوه, وساد العقوق والجحود.

عندما إستقر بي المقام في لندن, باغته ذات صباح بإتصال, إدعيت فيه أنني أعاني من آلام مبرحة في أسناني, ولن اقوى على الحضور الى عيادته, ورجوته أن يأتيني الى البيت للكشف والإسعاف. ولم يتردد , ليتفاجأ , بأنني, المريض المتلهف لرؤيته… يومها, إستحضرنا ماضي ما كان من أيامنا. فصداقتنا, تطاولت على الزمن, وتوثقت مع الأيام وترسخت .

عرفته, يوم كان في سنوات دراسته الأخيرة , في كلية طب الأسنان في “القصر العيني”. أطاع ميله للكتابة القصة القصيرة, متأثراً بالدكتور يوسف إدريس ,الذي كان صرف تسع سنوات في ممارسة الطب في “مستشفى القصر العيني” , ليتخصص بعدها في “الطب النفساني”, ويمضي بعدها عشر سنوات في وزارة الصحةز

وأغواه القلم الى الكتابة, فأجاد, وبرز في كتابة القصة القصيرة, التي راح ينشر بعضها في  جريدة “المصري”,ثم “روز اليوسف”, وبعد حوالي عشرين سنة, ترك السماعة وإلتقط القلم ,كاتباً متميزاً في جريدة “الجمهورية”.

وعلى خطى يوسف إدريس, حاول هشام العيسوي أن يمشي دربه. قدمه لي لويس جريس ,عندما كان مشرفًا على باب “حكاية ” ,(الذي كان يتصدر صفحات مجلة “صباح الخير”, ويطبع على ورق ” الافيش ” الملون ), كهاو,يكتب القصة القصيرة,.

والحقيقة, أن هشام العيسوي, كان يقبل على الكتابة إقبال الملهمين,  أليف كلمة, يتعامل معها بألق, وفي كتاباته عاطفة مشبوبة, صادقة, في بيان سائغ, مصقول, عبارته في قصصه التي كان ينشرها, جزلة اللغة لطيفة التصوير, حاكى في محبوكاته يوسف إدريس, إلاّ أنه ما لبث أن تخلص من تأثير إدريس, ونهج نهجاً مختلفاً في الكتابة, فأوتي رهافة الحس, وحدة الشعور ورقة الذوق.

وكان هشام يحضر كل ثلاثاء بعد صدور العدد وقبل ” تسكين ” العدد الجديد بقصصه القصيرة , لنختار منها ماينشر  ,فتحول لقاء الثلاثاء الى صداقة ,بيننا, استمرت طوال سنوات دراسته في “القصر العيني”.

تخرج بدرجة أمتياز, وبدأ يمارس ما تعلمه بتفوق, إلا أن ذلك لم يدم طويلاً, ففاجأني, ذات يوم بقرار سفره للندن لأستكمال دراسته ، والعمل في عاصمة الضباب.

***

كانت عيادة هشام العيسوي , على رمية حجر , من مكتبي, في “مورلي هاوس”, المسافة بينهما, لاتتعدى الدقائق العشر, مشيًا على الاقدام , فكنا نلتقي شكل يومي … كان, عذب الحديث, سريع الخاطر, لطيف المعشر, بادىء المروءة, ومن الطف الناس خروجاً الى حديث, في فمه يدور لسان يبين عن عقل وافر, وجواب حاضر.

روى لي ذات يوم, ما لقيه من صعوبات في لندن ,  للحصول على درجات علمية وضعته ضمن قائمة أهم الاطباء في بريطانيا, وسمحت أن يكون له عيادة في أهم شارع طبي بالعالم .

وتعددت آفاق مواهبه العلمية, فلم يتوقف هشام العيسوي عند طب الاسنان بل تخطاه الى التخصص في علاج الأمراض الخبيثة , وابتدع أساليب جديدة في العمليات الجراحية.وأذكر, في ما أذكر, أنه مرة لحظ وشماً في صغيراً على أنفي , فأصر على إزالته  بجراحة بسيطة, فحسب دراساته وابحاثه فى “الاورام الخبيثة”, وجد أن الخلايا السرطانية قد تتكون في مثل هذه المناطق ,حاولت التملص, والهروب فالوشم خلقت به واصبح من معالمي الشخصية , ولم أخضع في حياتي, لمبضع من قبل, وراح يبسط لي الأمر, وينزع مني ترددي, فهي ليست جراحة بالمعني المفهوم , إنما هي أسلوب جديد, مبني على التجارب, في إجراء العمليات الجراحية في الجلد, وتعتمد على التبريد تحت درجة الصفر. وسلمت أنفي للجراح الصديق, فأزال الوشم في نصف ساعة .

كان  الدكتور هشام العيساوي مترامي الذكر في جميع الآذان, وبعض القلوب, كطبيب يعتد به في زراعة, وتجميل,وتقويم الاسنان , واصبح طبيب المشاهير الانجليز والمصريين ، ربطته بسعاد حسني, علاقة صداقة متينة , فكان ايضا طبيبها المعالج, وقد أخبرني مرة, عند الحديث عن الممثلة الراحلة, انه قام بمعالجة لثتها ، وترقيع عظام الفك وزرع  22 سناً… كما كان  صديقًا للشيخ الشعراوي,  يتردد على عيادته في لندن, وكذلك كان عبدالقادر حاتم,وزير ثقافة الإعلام, يفعل. وعلى قائمة مرضاه, فاتن حمامة , ماجدة , سمير صبري , عبد المنعم مدبولي ,صفية المهندس  , علي لطفي, رئيس الحكومة المصرية السابق…

***

كانت يسرا, كل دنياه, إبنته, وصديقته, ورفيقته, فطاب نفساً وقُرَّ عيناً بها, وهو يراها نكبر, وتمتلىء موهبة, وتشع في فن التصوير الفوتوغرافي, فكان يتباهى بها وبفنها.

وكان أن إحترفت يسرا التصوير الفوتوغرافي, فقدمتها إحدى صديقاتها الى مديرة أعمال المطربة الاميركية “بيونسيه”, وأعجبت بما رأته من نتاج من يسرا, وطلبت منها أن تكون لها وحدها, ترافقها في جولاتها حول العالم, فقبلت .

وهي فى قمة نجاحها وشهرتها, تغلغل السرطان في جسم يسرا, فقاومته, وقد برحت بها الآلام, ووهن جسدها, وخارت قوة مقاومتها, فأسلمت الروح.

نعتها “بيونسه” على صفحتها الخاصة بنشر صورتها ومعها الآية القرانية  ” فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ” ، وفي حوار صحفي ,عبرت عن حزنها لفراق يسرا ,بأنها خسارة كبيرة, وأوضحت لسائليها, أنها أصرت على نشر الآية مع صورة يسرا , بعدما ترجمت لها, وفهمت معناها.  

وقف هشام العيسوي, عاجزاً عن تخفيف عذابات إبنته, إنغمس قلبه في حزن عميق, وتقوى على فراق “الإنبة الوحيدة التي خرج بها من الدنيا “, كما كان يردد, فبعد خمسين سنة من ممارسة طب الأسنان, اغلق عيادته, وإنغمس في الابحاث حول السرطان, مكرساً وقته, لمرضى ذلك المرض الخبيث, ولإيجاد ما يساعدهم على تخفيف آلامهم .

وقد أفضت به أبحاثه الى علاج جديدة يغني عن التداوي الكيماوي, الذي عجل في موت إبنته, كما وجد في ما بعد, فقد تأكد له أن العلاج الكيميائي هو أحد أسباب انتشار المرض في الجسم , وليس محاصرته والقضاء عليه , كما يعتقد بعض الأطباء, وكشف عن العديد من الأبحاث الطبية , التي تبين, وتثبت , بأن أن العلاج الكيميائي يمكن أن يتسبب في أنتشار المرض ,ويسهم في جعله أكثر شراسة , وكان يستشهد , دائماً بدراسة توصل اليها علماء “كلية البرت أينشتاين للطب”, في نيويورك ,تأكد أن التداوي الكيمائي, يعمل علي تقليص الاورام لكنه يفتح الباب لانتشارها ,لذا يستخدم العيسوي في علاجه جهاز ” الذبذبات الحيوية “, الذي كان إبتكره, راينهولد فول , أستاذه الألماني في طب الأسنان, وهذا الجهاز, يعمل على رصد حركة الخلايا السرطانية, ويقيس قوة الذبذبات التى تصدرها كل خلية, ويعمل على اصدار ذبذبات تمثل اضعافها مما يؤدي الى قتلها وتفتيتها نهائيًا , وخروجها ضمن فضلات المريض .

على الرغم من إنشغاله, في التطبيب, والأبحاث, إلا أن هشام العيسوي, لم يترك القلم, والحبر, والورق, وإستمر يطور فن القصة القصيرة, وفي فترة, شغله موضوع التسامح الديني , فخاض البحث فيه, وترك على أرفف المكتبة العربية , أربعة كتب صدرت في انجلترا . ولم تبقَ الآراء التي أطلقها في تلك القضية, حبراً على ورق, فأسس جمعيته ” التسامح الديني ”  للدفاع عن الاسلام ,وتصحيح صورته في الغرب, مما جعله هدفًا لجماعة الاخوان المسلمين, فحاربوه . كما كان من الأعضاء الناشطين في مجلس “جمعية الجالية المصرية” في المملكة البريطانية المتحدة .

***

إرتخيت على الكرسي, من العياء, دارت نظراتي في أرجاء المكتب. لاحقني هشام العيسوي بنظرات مستفسرة, سحبني صوته من الغرق في الصور المتدافعة المتلاطمة في رأسي.

“هو… في إيه”.

ترك السؤال  عائماً إنكمش حس في داخلي. ظل في نفسه شيء يدفعه الى الكلام:

” مالك, مش على عوايدك… “.

جرني الى الكلام, فأخبرته عما حدث مؤخرا من قرارات اعلامية عشوائية, والوضع الذي لا أحسد عليه, وإستفضت في شرح فكرة محترف الترجمة والخدمات الطباعية, ولكنني لا أملك ما يحقق ذلك, فإنني أصبحت , كما قال والت ديزني مرة: “تستطيع أن تحلم وأن تبتكر, وتستطيع أن تخطط وتبني , ولكنك بالتأكيد, لن تتمكن من تحويل الحلم الى حقيقة بدون الآخرين” .

رمقني بنظرة مطيبة, لحقت حركة رأسه بعيني:

“هذا الذي يشغلك… بسيطة بتدبر”.

وترك على شفتيه إبتسامة.

عاد لي بعد أيام ليخبرني بأن شخصاً عراقياً , كان تعرف عليه, ونشأت بينهما صداقة, سمحت للثري العراقي أن يطلب مشورته في إستثمار بعض ماله في مشروع في لندن, فأطلعه العيسوي على تفاصيل مشروعي, وأنه يجده مربحا, خصوصاً مع ” غزو العرب للعاصمة البريطانية, كما كان هشام يحب أن يصف التوافد العربي الى المملكة المتحدة.

إلاّ أن الثري العراقي,اجابة بأنه لايحب الدخول في مشاريع “لا يفهم بها” ,لكنه على إستعداد أن يوفر عشرة آلاف جنية استرليني , على سبيل الدين بفائدة أعلي من البنك 10% تسدد شهريًا .

وعلى الرغم من أن المبلغ لا يفي بالمطلوب, والفائدة عليه مرتفعة, فلم يكن امامي الا قبول العرض والبحث عن أجهزة متوفرة تقوم بالعمل , من دون طرق ابواب الشركات الكبرى المعروفة, مثل ” مونوتايب” و “لينوتايب”, فأقل نظام صف ضوئي في وقتها, كان يتخطي العشرين الف جنيه استرليني .

ورحت, أفتش, في خبايا صناعة آلات التنضيد في أوروبا, فعثرت على شركة Bobst “بوبست” السويسرية , التي قررت إستكمال خطوطها الطباعية, بتقديم جهاز  تنضيد الأحرف اللاتينية, بالإضافة الى العربية.

وتبين لي بعد التقصي, أن لهذه الشركة السويسرية , أوكلت توزيع منتوجاتها في بريطانيا الى شركة “شيفرا جرافيك” ومقرها مدينة “سلاو” Sloughفي مقاطعة “بيركشاير”. , التي تبعد 20 ميلاً من غرب وسط لندن, و5 أميال من “مطار هيثرو الدولي”.

فإتصلت بتلك الشركة, وضربت لي سكرتيرة قسم المبيعات, موعداً, لزيارة مندوب الشركة, لمكتبي, للوقوف على ما أرغب وأطلب, ولإطلاعي على أحدث آلات التنضيد, ومجال الخدمات التي تقدمها الشركة.

وأنتظرت تلك الزيارة للإنطلاق بمشروعي.

 

مودي حكيم

 

شاهد أيضاً

اخطر من أدمان المخدرات
امنعوه !

تلاحظ وأنت تتجول فى شوارع لندن أن السجائر وكل ماله علاقة بالتدخين غير معروض على …