الرئيسية / كلمة العدد /
الغربة الثانية (1)
ما أحلي الرجوع إليها !
مودي حكيم
مودي حكيم

الغربة الثانية (1)
ما أحلي الرجوع إليها !

عند قدمي “الإسكندرية” ينتهي سفر البحر. و عند قدميها رست بنا السفينة.

تعرف “الإسكندرية” كيف تعلن سطوتها على البحر, و لحظة تطأ أرضها يخفق قلبك, والحنين الى بلادك يسافر فيك إليك. ختيارة “الإسكندرية”, ولكن تكسوها التجاعيد, تفتح لك ذراعيها بودٍّ وحنان, تضمك الى صدرها بحرارة.

من أول الليل حتى شهقة الصبح, لا ترتاح” عروس الماء وخميلة الحكماء والشعراء”, على قولة أحمد شوقي. الرحيل يتكرر على بحرها, والموج يحفظ أسرار المسافرين. وككل عشيات زمانها, لا تأبه لوشايات الأضواء ونيات الصيادين, فهناك على شواطئها رجال يخرجون من البحر, الماء غسل عذاباتهم اليومية, في سلالهم من بطن البحر قوتٌ و رزقٌ.

وعندما ترتجل الأمواج مراثي البحر, وتغمس طيور البحر مناقيرها في الماء لتقتات, تذهب “الإسكندرية” الى النوم و… لا تنام, فهي تعشق صفارات المراكب, وعجيج “المراكبية”, و زقزقة وثرثرة طيور البحر.

وأنت بين يدي “الإسكندرية” تستسلم لها, تلوذ بذاكرتها, فحياة تلك المدينة نِتَف منثورة على الزمان. كل شيء فيها يذكرك بماضي أيامها, وتترك المطارح تتسامر مع تاريخها, فتسمع أنت الكلام والحكايات:

كان إسمها “راكوتيس” (راقودة), على إمتداد ساحلها الرئيسي كانت تحوطها قرى صغيرة, أحلاها واحدة إسمها “فاروس”.

مصر، في هاتيك الزمن, كانت في قبضة الفرس الذين كانوا دحروا “الفراعنة”، و أنهوا حكم الأسرة الثلاثين.  ثم كانت المواجهة بين الفرس والإغريق, ودارت رحى المعارك بينهما في كَرٍّ و فَرٍّ, حتى تمكن الإسكندر الأكبر من دخول “صور” وإخضاعها بعد حصار, ومشى الى “غزة” فإحتلها هي الأخرى,  وبعدهما أتم دخول مصر سنة 333 قبل ميلاد المسيح.

والمصريون الذين ذاقوا الأمرين من سطوة وتعسف الفرس, فرشوا درب الإسكندر بالورود, وإستقبلوه بأكاليل الغار, ورشوا عليه الرياحين. ولكي يؤكد الإسكندر أنه لم يدخل مصر غازياً و متسلطاً, إنما صديقاً وحليفاً, زار معبد “آمون” إله مصر, فأجرى كهنة المعبد “طقوس التبني”, فأصبح الإسكندر إبناً للإله “آمون”, وصار يُنادى عليه بإبن آمون.

في الدرب الى المعبد, مرَّ الإسكندر بقرية “راقودة”, وكانت قرية صيادين يقتاتون ويتاجرون بثمرات البحر, فخلبته, توقف و جال في أزقتها, وقرر أن يشيد فيها مدينة تحمل إسمه, وتكون همزة وصل وتواصل بين مصر واليونان.

وإن أنت إستنطقت “الإسكندرية”،حكت لك عن بانيها, وما لا يرويه ما تبقى من آثار عنه محفور في كتب التاريخ السميكة.

فقد إستهدى الإسكندر في فكرة تشييد مدينته, بتوجه معلمه “هوميروس”, في ملحمة “الأوديسة”Odyssey  حيث ذهب “تليماك” إبن “أوديسيوس” ملك “إيثاكا” الى “مينيلاوس” ملك “إسبرطة”, يسأله عن مصير والده المختفي, فحكى له الملك عن أهوال الحرب, وشجاعة ملك “إيثاكا”, وكيف أنه بعدما أخذ التعب جيشه, بلغ شواطىء مصر عند جزيرة “فاروس”, وهناك, كما يقول ملك “إسبرطة”: “إرتوينا من كوثر هذه البلاد التي تجري من تحتها الأنهار”.

وعَهَد الإسكندر الأكبر الى مستشاره الفني, المهندس المعماري “دينوقراطيس” Dinocrates ، فصممها على النمط  “الهيبودرامي” (مثل رقعة الشطرنج) وعلى طراز المدن الإغريقية, وساعده”أولنثوس”, المهندس الهيدروليكي, في بناء محطات المياه والتصريف الصحي المطلوب في الموقع المنخفض.

وأصبحت “الإسكندرية” عاصمة مصر, وإحدى حواضر الأدب والعلوم والفنون والمناير, لما يقرب من ألفي سنة, حتى الفتح الإسلامي على يد عمرو بن العاص سنة 641, فرفع تاج العاصمة عن رأسها. وظلت تحب البحر, وتفتح صدرها للآتين إليها من الأماكن البعيدة, يحملون معهم لغاتهم، وعاداتهم وتقاليدهم, آدابهم و فنونهم. فحفظت “الإسكندرية” لغات الأرض, الفرنسية واليونانية والطليانية والتركية، وتحولت الى مدينة “الكوزموبوليت”… وليس غريباً بعد ذلك, أن يتحدث “السكندريون” بصيغة الجمع, فيقولون: “بنحبوه”, “نعملوه”, ” نحطوه”, “نشربو”, “ندرسو”…

إسكندرية ماريا “القرية التاريخية القريبة من المدينة، تزرع العنب, تعصره نبيذاً ولا أطيب مذاقاً. وهي تعشق الفنون, فإحتضنت محمود سعيد, ابن رئيس وزراء مصر السابق محمد باشا سعيد, الذي أبدع في الرسم وكان من مؤسسي المدرسة المصرية الحديثة فى الفنون. أعماله تهافت على إقتنائها غير متحف في العالم. الإخوان أدهم وسيف وانلي تتلمذا في “الإسكندرية” على يد الفنانين الإيطاليين أرتورو زانييري و أتورينو بيكي, فعملا  فى محترفيهما, وكان لهما دور فى تجديد الفن التشكيلي المصري. فقام النحات أحمد عثمان بتعيينهما أساتذة فى كلية الفنون الجميلة التي أسسها في “الإسكندرية”سنة 1957.

طوال مكثنا في “الإسكندرية”, حاولت إخفاء توجسي وإضطرابي عن زوجتي و أولادي. تداعت الأفكار في رأسي ومعها ألف علامة إستفهام: ترى ماذا ينتظرني في القاهرة, بعد نيف وست سنوات؟

كيف سيستقبلني رفقاء الدرب في “روز اليوسف”؟

وبعدما إعتدت، خلال سنوات إغترابي في لبنان، على نمط من العمل الصحافي فيه مساحة كبيرة من حرية التفكير والتعبير والتغيير, فهل يمكنني التخلي بسهولة عن هذا النمط؟

وقبل هذا وذاك, كانت مشكلة السكن تستحوذ علي, فعندما نويت على الغربة والعمل والعيش في لبنان, لتأمين مستقبل أفضل لعائلتي الصغيرة, تصرفت بما كنت أملك, بعت سيارتي وشقتي في منطقة “الدقي”, ولم أترك لعائلتي ولي ما يسميه الفرنسيون Pied-à- terre أي موطيء قدم في الوطن أعود إليه.

لما بدأ المغيب يلملم ما بقي من أشعة شمس “الإسكندرية”, كنا في الطريق الى “المحروسة” والى “مصر الجديدة” تحديداً, حيث بيت الطفولة يأويني وعائلتي الصغيرة, عدت أرخي رأسي المتعب على صدر أمي وحضن والدي يمنحني العزاء. ولقد وجدنا معهما السلام والأمان, والحنان والمحبة, والدفء الأسري والإستقرار النفساني, بعد المعاناة مع البحر والمجهول.

***

دارت عيناي في العيون التي إلتفت حولي, وجدت خليطاً من الفرح والشوق والمودة الصادقة, غائراً في العيون… شعرت أنني لم أغب سنوات ست عن “روز اليوسف”, و رفقاء الورق والحبر, والكلمة والريشة , والألوان.

دغدغتني سعادة غامرة بعودتي الى مكتبي وأوراقي وأقلامي, وهموم التصميم, تمتمت بسري, ما أحلى الرجوع إليك… وإنتشيت بإبتسامة تمددت على شفتي.

فرقعت ضحكة لويس جريس, تملاني بنظرة, وضع فيها كل مودته, تنحنح, حمَّلَ كلامه نبرة يستملحها رؤساء التحرير:

“أهلاً… أهلاً بالمغترب الحبيب… في عدد لازم يصدُر”.

وناولني مجموعة من الأوراق, وتركني أنغمس في تصميم صفحات العدد, فراحت الخطوط تدور مع حزة القلم, تتوزع علي بياض الصفحات وتُلبسها كلاماً وصوراً.

كانت القاهرة لم تزل تبلسم جراحها, وتلملم ما خلفه الشغب في يومي ما سُمي “إنتفاضة الخبز” (17 و18 يناير/كانون الثاني/ 1977), والأجواء السياسية لم تكن تخلصت بعد من ردود الفعل, والأخذ والرد, , والمعاتبة والإتهامات, وتفسير الذي كان ودار, وكاد أن يقوض النظام.

فقد وقف الدكتور عبد المنعم القيسوني, نائب رئيس الحكومة للشؤون المالية والإقتصادية, خطيباً في “مجلس الشعب”, لتقديم مشروع الميزانية الجديدة للسنة المالية 1977, و رمي على آذان النواب مجموعة من القرارات الإقتصادية, ومنها وأهمها تخفيض الدعم للسلع الأساسية, بشكل أن سعر الخبز إرتفع بنسبة 50% والسكر 25% والشاي 35% وكذلك 25 سلعة أخرى منها الأرز, وزيت الطهي, والبنزين, والسجائر…

وهَدَرت الشوارع, و نزل العمال في “حلوان”, في “شبرا الخيمة”, إمتداداً الى “المكس” في الإسكندرية. وخرج الطلاب من الجامعات في تظاهرات عارمة, هدّارة, وتجرحت الحناجر من الهتافات ضد النظام, وحكومة ممدوح سالم وقراراتها, وضد “الإنفتاح” السدّاح المدّاح, كما وصفه أحمد بهاء الدين.

وإرتجت الشوارع, وإرتعد أولي الأمر في الحكومة, وصاح الناس الغلابة، المسحوقين, المطحونين:

“يا ساكنين القصور.. الفقراء عايشين في القبور”.

” عاوزين حكومة حرة .. العيشة بقت مُرَّة”.

“يا ممدوح بيه.. اللحمة بقت بجنيه”.

وكان ممدوح سالم, أول وزير يصل الى رئاسة الحكومة لفترات خمس.

وتحولت التظاهرات الى أعمال شغب, طاولت أقسام الشرطة وأبنية الخدمات العامة. و بدأ الرئيس السادات يدير الأزمة بأساليب مختلفة, فشخّص ما حدث على أنه “مؤامرة”, ودارت الأجهزة الأمنية تعتقل القيادات المتهمة بالتآمر. ولم يُقِر الرئيس بأن ما جرى كان إنفجاراً شعبياً مبعثه الشعور بالظلم والإستغلال, وبالمعاناة التي تمثلت بالغلاء, بسبب إلغاء الدعم عن السلع الاساسية في حياة المصري العادي البسيط.

وعلى الرغم من رضوخ النظام والحكومة لإرادة الشعب, حيث ألغت جميع القرارات, ظل الرئيس أنور السادات يعتبر ما جرى أنه “إنتفاضة حرامية”.

***

بدت الحياة طاحونة منهومة, لا تشبع ولا ترتوي, وقد طُبِعَت على المعاندة والمكايدة.

فمع أجواء البلاد الملبّدة وغير الصافية, وصعوبة التأقلم من جديد مع مناخ الصحافة في مصر, والعودة الى الضوابط, والمُحرَم والمحظور, وقلم الرقيب الأحمر القاني, وإعادة التصميم في آخر لحظة قبل أن تدور المطبعة, لأن الموضوع بفضل قلم الرقيب ومقصه نَقٌصَ وصَغُرَ, فبات أقل من الصفحة المخصصة له… مع ذلك كله, كان همّ دخول الأولاد المدرسة يأكل من صحني.

ففي لبنان, تأسس أولادي شريف وشيرين, على مدى سنوات ست, على اللغة الانجليزية, فأجاداها كتابة وشفاهة، وعلى المنهج التربوي اللبناني الذي يعتمد اللغتين العربية والفرنسية, والعربية والإنجليزية, لغات إجبارية في المنهج.

وقتذاك, لم يكن في القاهرة سوي مدرستين فقط لتعلم اللغة الإنجليزية, “مدرسة مانور هاوس”Manor House  (أصبح إسمها مدرسة بور سعيد) في حي “الزمالك”, و”فيكتوريا كولدج”Victoria College  في “المعادي”.

وطرقت باب “ماري سلامة” ناظرة “مدرسة مانور هاوس”, التي سار ذكرها كل مسير, فأنت أمام مربية لا يُكابر أحد في جلال إدارتها ورزانتها. ولم تعرف مصر, لا قبلها ولا بعدها, “ناظرة” بثقافتها ورجحان عقلها, وتميزها وتفوقها. ومع نقلات الزمن تخرج عليها من أصبحوا أطباء وعلماء, و وزراء سطعوا في سماء السياسة والخدمات العامة, فأبقوا جميعهم لها محبات القلوب.

وماري سلامة عقل كبير ورأي رشيد, قوية الشكيمة, خَلَطت شدّتها بلينها, تَسنُدُ ما تأتيه من تصرفات وقرارات في تصريف شؤون مدرستها الى ضميرها الحي. وهي الى ذلك كله تتمتع بثقافة لا تبرج فيها, فُتح لها في اللغات ما لم يفتح لسواها من بنات البلد.

وكانت ماري سلامة متطلبة جداً متى كان إنتساب الى مدرستها, فهي تشترط أن تتعرف الي أولياء أمور الطلاب, والمقابلة تطول, وتكرج فيها الأسئلة التي تصوّب على هدف واحد, هو تصرفات هؤلاء أمامها, ومن خلال أجوبتهم وتصرفاتهم ترسم صورة واضحة عن الجو العائلي الذي يتربى فيه الطالب.

ولا تكتفي في المقابلة, فتطلب معرفة الأنسباء والأصدقاء, إضافة الي خطابات ترشيح من شخصيات إعتبارية – كضامن أو كفيل – وهو أحد البنود  البارزة في طلب الإنتساب. فكان أن أرفقت بطلب الالتحاق رسالة تزكية من ملس عندوم, سفير أثيوبيا لدى مصر, وكان أحد تلامذة والد زوجتي, وأحد اصدقاء “الناظرة” المخُلَّصُين.

وفاجأني رد ماري سلامة: “لا توجد أماكن في المدرسة لهذه السنة” … والإعتذار مع الشكر.

***

دَبَّت في عينيّ صلاح حافظ يقظة, وشاع في نظرتهما الإبتسام وهتف:

“مالك يا راجل… في إيه… ما هذا الهم الذي أخذ منك وغلب عليك؟”.

وأخبرته, سارداً معاناتي لإيجاد مدرسة للأولاد, وخيبة الأمل التي إستحوذت عليّ من جواب الناظرة الجليلة ماري سلامة…

صهل صوته مثل الجواد وهو يقاطعني:

“ولا يهمك… على طاولة المكتب وثائق تُدين سياسة الدكتور مصطفي كمال حلمي, وزير التربية و التعليم, نشرت جزءاً منها”.

والحقيقة أن هموم التعليم تشغله وتؤرقه, و ما تجرأ صلاح حافظ على نشره, أحدث ضجة ما هدأت, وجدلاً إستعر في أروقة الدولة, وفي أوساط التربية والتعليم. فقد سلّط الضوء الكاشف على تدهور التعليم في مصر, الذي يرتكز أساساً على “الحفظ” وحده. فعلى الطالب أن يدرب عقله على حفظ وتخزين المعلومات في الكتب “المقررة”, حتى يتمكن من سكبها حرفاً بحرف على أوراق الإمتحانات, فيتحول التعليم, والحال هذه, الى إمتحان لذاكرة الطالب وليس لفهمه وإستيعابه.  لذلك في مصر شهادات من دون علم.

بينما في أوروبا لا يعرف الطلاب “الكتب المقررة”, إنما “الموضوعات المقررة” في المنهج. وعلى الطالب أن يبحث في المكتبات عن المراجع المتخصصة, التي تنناول وتستفيض في شرح هذه المواضيع, وهذا الأسلوب في التعليم يُحفز الطالب على التفكير والبحث وتجربة الإبداع.

ونتيجة للتقصير الفاضح في بناء المدارس في مصر, ظهر نظام الفترتين أو الثلاث فترات في المدارس, و تفشت ظاهرة “الدروس الخصوصية” التي أصبحت تجارة, و مورد رزق إضافي  للأساتذة يقيهم العوز, فالمعاش بالكاد يأتيهم بالكفاف.

و رفع صلاح حافظ سماعة الهاتف, أدار على القرص رقم “معالي وزير التعليم” الخاص, رد الوزير, شرح له صلاح باقتضاب معاناتي, فطلب الوزير أذهب اليه فوراً. و توجهت الي مكتبه, الذي كان على رمية حجر من مكاتب “روز اليوسف”, لأجد في إنتظاري رسالة توصية موّجهة للسيدة نعمات فؤاد مديرة “فيكتوريا كولدج”.

أخذت المحنة تنجاب عني شيئاً بعد شيء, وعاودتني  الطمأنينة, فلقد توسمت خيراً بالوزير ورسالة التوصية.

دارت بعينيها الحذرتين على وجهي. مضت لحظة صمت حسبتها طويلة.

فتحت الرسالة, قرأتها, طوتها من جديد, إزدحمت في عينيها نظرات أوحت لي بامتعاضها. تلون صوتها يشي بضيقها:

“هو إنت رحت للوزير؟”.

أجبت بكل جد:

” أيوة يا فندم “!

برقت عيناها بشيء من الإستخفاف, ضغطت على شفتيها, وصلني صوتها مخنوقاً بالإنفعال:

” يا خسارة… معنديش أماكن”.

وإنتشت بالكلمة الأخيرة, وإنبرت توزع نظراتها بين الأوراق أمامها وبيني, كأنها تريد أن تُفهِمني بأن المقابلة إنتهت.

فاجأتها بقولي:”طيب أحجز للعام المقبل”!

حدجتني بنظرة إمتهان شزراء:

“والسنة دي؟”

” هارسلهم لندن عند إخواتي المقيمين هناك, حتي يتوفر مكان لهم السنة المقبلة”.

رمقتني بنظرة سريعة لم أحبها, وقالت مزهوة بأنها وجدت كيفية التخلص مني:

“خليهم هناك علي طول”…

ومشت الى باب مكتبها بزهو الطاووس.

***

عدت الى”روز اليوسف”, لأجد رسالة متروكة على طاولة المكتب بخط يد لويس جريس, يبلغني فيها رغبة عبد الرحمن الشرقاوي, رئيس مجلس الإدارة, في الإجتماع بي في  مكتبه.

وقد فهمت من لويس جريس أن لولا زقلمة, واسمها الحقيقى هدي أبو سيف قبل أن تنتسب لعائلة زوجها وتُغيّر اسمها،  وهي صاحبة “شركة رادار للعلاقات العامة والأبحاث”,  تقدمت بعرض للشرقاوي لتحسين صورة “روز اليوسف” في الخارج, فالمؤسسة موصومة آنذاك باتجاهاتها الشيوعية, مما تسبب فى إعراض شركات الإعلان العالمية عنها, وهو ما أثّر على المؤسسة  التى عانت من هزالة الدخل الإعلاني. و كان العرض يقضي بتأسيس مكاتب للمؤسسة فى دول أوروبا, وتعيين عاملين فيها من المُسّوقين. الفكرة كانت مغلفة بميزانية عالية ومزوّقة بالوعود لعقد مدته سنوات خمس,  كان من المستحيل أن تتحمله” روز اليوسف. وأعتذر الشرقاوي. لم يكن عبد الرحمن الشرقاوي مجرد أديب وشاعر وكاتب ومبدع روائي ومفكر إسلامي من طراز فريد فحسب، فلقد فاجئ الجميع بقدراته الصحافية والإدارية. و ارتفعت مبيعات مجلة “روز اليوسف” في عهده الى 165 ألف نسخة اسبوعياً،  وأختها “صباح الخير” 155 الف نسخة. فقد أحسن إدارة المؤسسة بشكل غير متوقع ونهض بها الى مجالات لم يسبقه اليها أحد.

جاء عبد الرحمن الشرقاوي باقتراح أثلج به صدر لويس التوّاق الى إطلالة “روزا “و”الصبوحة” للعالم الخارجي, على الرغم من ضعف الامكانيات, وهو أن أقوم أنا بالدور الذى كانت” شركة رادار” ستقوم به , فأُصبح الممثل المعتمد لمؤسسة “روز اليوسف” في أوروبا, و المسؤول أيضاً عن التسويق و الترويج, و جذب الشركات المعلنة, ولكن بميزانية ضعيفة. و حسم  قرار عبد الرحمن الشرقاوي بتعييني مديرا  لمكتب “روز اليوسف” في العاصمة البريطانية الكثير من المشاكل… وبدأت أُعد العدّة للرحيل.

و كانت بداية الغربة الثانية.

 

مودي حكيم

شاهد أيضاً

البطة ” دوني ” والكلب ” برودي ” ضمّن مشجعى المونديال!

  لندن : من مودي حكيم أراح السيد ترامب العالم ، وانشغلت شعوب العالم ، …