“الفنون جنون”، نسمعها، تتغرغر فيها الحناجر، نستسهل قولها، و رميها على آذان الناس، للهزل، أو النعت الشائن، أو التندر غير المستملح، و لا نقف لحظة واحدة، للتفكير بهاتين الكلمتين، و قد شغلتا المشتغلين في دراسة النفس البشرية.
و إذا كانت قواميس اللغة، من “لاروس” الفرنسي الى “أوكسفورد” البريطاني، و مراجع علم “الألسنية”، تُجمع كلها على تفسير تعبير “الجنون فنون”، إنه يقال لمن يخلط بين أشياء لا رابط لها، فإن علم النفس يذهب أبعد، فيعتبرها الدالة على “العبقرية” أو “النبوغ”، كما يسميه العالم النفساني الأميركي لويس ماديسون، و هو موقف بين العقل و الجنون، يولد القدرة على الإبداع، فكرا، و نظما، و نثرا و… فنا.
لذلك، فان الفنانين الذين إقترنوا في أذهان العوام و المثقفين، على حد سواء، بالجنون، و البوهيمية، و الفوضى، و التشتت، و الشرود، و المزاجية، هو إنطباع يصح، ليس على الفنانين فقط، إنما ينسحب على المفكرين و الأدباء.
إلا أن الفن المرئي، مثل الرسم التشكيلي و النحت، يتضمن مسًا من الجنون، أو النبوغ الخلاق المبدع، واضح للعيان و ملموس.
( 91 سنة)، شاهدة على هذا القول، فهي إختارت سنة 1997 المكوث في مصحة Yayoi Kusamaيايوى كوساما
للأمراض العقلية، بملء إرادتها و وعيها الكامل، و هي التي أبدعت فنًا على القماش ممسوس بنبوغ الخلق و الجمال، أقامت نيف و مائة معرض، زوراها زادوا على مليوني معجب و دارس لإبداعها ، و تمدد نبوغها الى الأدب، فوضعت عشرات الأعمال الأدبية ، و خطفها بريق الفن السابع، فأعطته من فنها و إبداعها الكثير الذي ما يزال يُحكى عنه. و تهافتت كبريات الشركات التجارية عليها، رسمت رموزها ( لوجو)، و صممت العلب لمنتوجاتها.
سيلفادور دالي، الشاهد الآخر على النبوغ الخلاق، فهو من « التكعيبية»، الى «الدادائية»، الي «السيريالية»، يخلط الجنون بالعبقرية و النبوغ، و يبقى إستثناء في فوضاه، في إبداعه، الذي هو ما فوق الواقعية، ففنه يتحلل من واقع الحياة الواعية، لوحاته في غير متحف، لما تزل تجذب ملايين الزوار.

و مثله الهولندي، فينسنت فان كوخ، الذي إنتمى الى المدرسة ما بعد الإنطباعية ثم التعبيرية، يعترف نقاد فنه، أن أجمل لوحاته « ليلة النجوم »، رسمها و هو في مستشفى الأمراض النفسانية. و بينما في حياته، لم يتمكن مقابل 400 فرنك سويسرى بعملة هاتيك مقابلThe Red Vinyardمن بيع سوى لوحة واحدة، « الكرم الاحمر»
بما يربو علي 82 مليون دولار. Dr. Gachetالزمن، ففي 15 مايو 1990 ، تم بيع لوحة بورتريه الدكتور جاشيه
و كان جبران خليل جبران، الشاعر و الكاتب و الرسام التشكيلي اللبناني، على صواب عندما قال:
.« نسج العنكبوت « بين الجنون و العبقرية، خيط أرفع من
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة