الرئيسية / كلمة العدد / أنا وسارتر .. و «المومس الفاضلة»

أنا وسارتر .. و «المومس الفاضلة»

الحياة رحلة نسير في دروبها في زمن تقاس به أعمارنا ، وهي الهبة التي منحها الله لنا ، يستثمرها البعض فيربح حياة يقتفي أثرها كل من يجئ بعدهم فتعلموا الحياة وعلموها، ويخسرها من إكتفي بالأخذ منها دون عطاء، فهناك من أعطته الحياة ، وهناك من أعطي الحياة .. ولكن الحياة مستمرة .
حقًا الحياة مستمرة …ولكن كيف تستمر؟! .
في بداية رحلة الحياة وإصراري علي النجاح آمنت وتأثرت بما يكتبه عاشق الصحافة ، الكاتب والصحفي الكبير مصطفي أمين في زاويته اليومية ” فكرة ” يحث فيه علي قيمة العزيمة والإصرار، ويُلزْم قرائه بالتمسك بها، فالذي يفتقد القدرة علي الإصرار والعزيمة هو شخص خامل بلا هدف ولا طموح، ولايمكن أن يحقق شيئًا مهما إلا عن طريق الصدفة بخلاف الشخص الذي بمقدوره التحلي بالإصرار وإمتلاك عزيمة قوية، لأنه شخص يعرف مايريد ويتحدي الصعاب ويتفوق عليها وحتي علي نفسه، وعلي الأغلب يفوز بما يريد تحقيقه. وفي أحد أعمدته اليومية أكد ما يؤمن به بالرأي ” قد تثبت لك الأيام أن ماظننته قلاع من صخور إنما هي حصون من ورق منا من تصرعه الضربة الأولي، وآخرون تخلق منهم الضربة الأولي أبطالا “.
تأثرت بكل ما كان يكتبه الأستاذ في عاموده الصحفي اليومي بما فيه أن الإنسان لايحتاج لساعات طويلة من النوم فهو مضيعة للوقت، فإن ثلث العمر يضيع في النوم. وفي ” فكرة ” أخري ” العلماء يعملون علي إختراع بدائل للطعام بتناول حبات كوجبات للإفطار والغذاء والعشاء تغني عن قضاء ساعات طويلة علي مائدة الطعام.
القراءة كانت مصدر متعتي، وعادة إكتسبتها من “حصة ” القراءة بمدرسة مصر الجديدة الثانوية ، فقد كانت “الحصة ” السادسة والسابعة للقراءة بمكتبة المدرسة ، من أهم الحصص الموجودة في الجدول المدرسي.
إلتهمت كتب سلامة موسى ، توفيق الحكيم، المازني ، طه حسين ، المنفلوطي وقصص محمد عبد الحليم عبدالله وأشعار أحمد شوقي وحافظ إبراهيم. أحببت الشعر فكتبته وإحتضنى ا. محمد خليفة التونسي مدرس اللغة العربية وأحد تلاميذ الكاتب الكبير عباس محمود العقاد، فلم يبخل علي بوقته أو جهده بل كان يدعوني الي منزله صباح كل يوم جمعة لمراجعة وتصحيح ماكتبت قبل أن يذهب الي ندوة العقاد الأسبوعية، عطاء بلا حدود أو مقابل من أستاذ لتلميذه.
روايتي اليوم أشبه بقصص ألف ليلة وليلة الخيالية عن عصر كان فيه رجال التعليم يحملون علي عاتقهم تعليم النشئ، إلي جانب القراءة والكتابة، مبادئ الأخلاق والأدب والإحترام ، فكانوا قدوة في السلوك والحرص علي الإعتناء بمظهرهم. كنا نهابهم في المدرسة ونغير المسار إذا صادفناهم في الطريق خوفا من السؤال عن أسباب التسكع في الطرقات بدلا من الإنكباب علي الحفظ وإنجاز الواجبات المدرسية، فقد حملوا مشعل التنوير وشعار “العلم نور والجهل عار “. كانوا رجال تربية وعلم ساهموا في تكوين أجيال.

لم أكتفِ بقراءات المكتبة المدرسية، بل إشتركت في مكتبة مصر الجديدة المواجهة لمدرستي في تقاطع شارع العروبة مع شارع بيروت كمركز يهدف لنشر الثقافة العامة من خلال مجموعة من الأنشطة والخدمات ، وبها غرف للإطلاع والإستعارة، كان إسمها مكتبة الأميرة فريال التي أسستها ورعتها بعد أن وضع حجر أساسها الملك فاروق عام 1945. وبمرور الأيام ولعوامل الزمن أجريت عمليات إعادة الروح لهذا الصرح الثقافي العريق بالتجديد والتطوير عام 1987 ليصبح أحد ابرز المنارات الثقافية. وهذا العام يمر 75 عاماً علي إنشائها.
أصبحت أقتني الكتب من مصروفي بعد التجربة الرائعة التي قادها د. عبد القادر حاتم منذ إنشاء هيئة الإستعلامات وترجمة مئات الكتب وتقديمها بقروش معدودات للمتعطشين للمعرفة حتي أن المطابع كانت تخرج لنا كتاب كل ساعة .
وفي أهم فترات النهضة الثقافية عندما كان د. ثروت عكاشة وزيرًا للثقافة ، فقد أسس المكتبة الثقافية والتي كانت النبتة الأساسية لمشروع مكتبة الأسرة، حيث تتاح الكتب بأثمان زهيدة لتصبح في متناول الجميع ، ومع توفر إصدارات كبار الكتاب المترجمة بأسعار تتناسب مع ميزانيتي البسيطة بشراء كتاب كل أسبوع ، بهرتني الأسماء الكبيرة للأدباء والكتاب العالميين، وكان اسم جان بول سارتر في مقدمة الأسماء اللامعة في وقتها وإرتبط إسمه بالكاتبة النسائية والفيلسوفة سيمون دي بوفوار المنادية بالمساواة بين الرجل والمرأة ، وتحولت صداقتهما لعلاقة رومانسية دون أي التزام، وهو صاحب المقولة الشهيرة ” لقد عرفنا كل شئ بإستثناء كيفية العيش ” .
سارتر كاتب وفيلسوف مثير للجدل، فهو رائد الوجودية الذي حصل علي جائزة نوبل في الآداب لكنه رفض الجائزة ليصبح بذلك أول حائز علي جائزة نوبل يقوم بذلك. إقتنيت أول كتاب لجان بول سارتر فرحًا به دون أن اعرف مضمونه ومحتواه أو حتي معني العنوان الذي يحمله غلافه، فيكفي أني أقتني كتابا للفيلسوف الكبير لأصبح واحدًا من قرائه. هرولت عائدًا لبيتي مُنتشياً لأطلع والدي علي ما إقتنيت ، وبفخر وإعتزاز قدمت الكتاب لوالدي الذي إعتري وجهه مزيج من الدهشة وشبه الصدمة لم تصل للغضب أو الإنفعال، وفي هدوء سألني عن عنوان الكتاب ومضمونه ومع براءة إجابتي وجهلي إرتاحت أساريره وتركني لأكتشف بنفسي، وفي شغف قرأت الكتاب لمعرفة سر تساؤلات وقلق الوالد، فالكتاب يحمل عنوان ” المومس الفاضلة”.
الكتاب مسرحية من فصل واحد ولوحتين لايقدم فيها سارتر أدباً إباحياً ولكنه يثبت لمن إتهم وجوديته بإنه ليس ضد الأخلاق بل الوجودية مذهب فلسفي، والمذهب الفلسفي لا يمكن ابداً ان يكون إباحيا أو لا أخلاقيا وتبقي له وجهة نظره الخاصة. المسرحية تتناول الشخصية الإنسانية من ناحية الأخلاق، وإختار سارتر شخصية البغي لأن البغاء هو أسوأ ما يمكن أن يبتلي به المجتمع أو تمتهنه إمرأة. تحكي المسرحية عن محاولة عائلة أمريكية تخليص أولادهم من عقوبة قتلهم لرجل زنجي عن طريق إقناع عاهرة بيضاء بالشهادة الزور لإتهام رجلا زنجيا
آخر بالقتل.
هي مسرحية ضد العنصرية وإمرأة في نفسها بقية من حب الخير والحق بعد أن إلتهمت الحياة الأميركية سائرها.

و قرأت لكاتبة فرنسية تراجم لقصصها الرومانسية ” المستنقع المسحور” ، “قارعوا الناقوس ” ،”إنديانا ” ، “أحاديث جدتي ” و” فاديت الصغيرة “. إنها الروائية الفرنسية “جورج صاند” وهو إسم مستعار لإسمها الحقيقي أمانتين لوسيل أورور دوبين وهي كاتبة وصحفية وصاحبة صالون أدبي في باريس وكاتبة مسرحية وروائية وملحنة في زمن حساس كانت المرأة تصارع القوي المجتمعية مطالبة بدورها وثائرة لحقوقها. جورج صاند أثارت دهشة معاصريها عندما إرتدت أزياء الرجال ودخنت السيجار، وعاشت أشهر قصة حب مع الموسيقي فريدريك شوبان.
قرأت لها مقطع من أقوالها حملته معي طوال سنين العمر وأصبح عقيدة أهتدي وألتزم بها في حياتي العملية:
{ أذ لم أجد طريقي في الأرض المعبدة ، فسأقتحم القمم الصخرية الشاهقة دون تذمر لأني اعلم أن في كل جهد الجزاء الكافي عنه، وأن الآفاق الواسعة تنتظرني في آخر الطريق}.
هذه المقولة ألهمتني كثيرا في بداية حياتي العملية و أكسبتني صلابة وأعطتني طاقة و دفعة من التحفيز والحماس وقوة الإيمان بالنفس، ودفعتني لتوسيع أفقي وأدراك كم الأشياء المدهشة التي يمكن أن أقوم بها في الحياة وإتخاذي بعض الإجراءات التي أثرت جذريا علي حياتي ، وعدم التخلي عن نفسي مهما كانت الظروف، وعدم السماح لأي أزمة أن تدمر أحلامي .

دعنا نكمل بقية الرحلة في أسبوع مقبل…

مودي حكيم

شاهد أيضاً

فى ذكري 23 يوليو :
مجلة يحمل أسمها التاريخ ( 2 )

فى جلسة صفاء فى إحدى ليالى لندن الباردة، وعلى «كباية شاى»، كما كان يسميها، سرد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.