
فى إيقاع سريع يهاجمك كم هائل من الأخبار والقرارات فى طوفان أصعب من فيضان الصين الكبير، يصعب استيعابه، وبينما وكالات أنباء لا تتوقف، يتنافس معها التوتر الرقمى الممثل فى مواقع السوشيال ميديا التى يستخدمها الرؤساء اليوم، كموقع تروث سوشيال الذى يزف إلينا نبأ توصل مجلس السلام إلى اتفاق بنزع سلاح منظمة حماس، وتأمين قطاع غزة بقوة استقرار دولية مع قوة شرطة فلسطينية جديدة لتأمين القطاع، شاكرا الوسطاء مصر وقطر وتركيا، وبعدها بدقائق شبكة سى بى إس نيوز تنقل خبر.. «الولايات المتحدة وإسرائيل تستعدان لقصف أهداف مرتبطة بالطاقة فى إيران»… إلخ… إلخ…
يلخص الوضع المفكر نعوم تشومسكى الذى يُعد من أبرز الأصوات النقدية فى عصرنا. بأننا نعيش فى «أخطر مرحلة فى تاريخ البشرية» بسبب التهديدات الوجودية الثلاثة: الحرب النووية، الانهيار البيئى، وتراجع الديمقراطية، وهو يحذر من أن سياسات القوى العظمى المستندة إلى الهيمنة تعرض مستقبل الحياة على الأرض للخطر، ولا نعرف إلى أين نتجه.
تتمحور رؤية نعوم تشومسكى للعالم الذى نعيش فيه حول تحليل نقدى عميق للسياسات الإمبريالية والرأسمالية المتوحشة، حيث كرس حياته المهنية التى قضاها كأستاذ فى معهد ماساتشوستس للتقنية MIT لفضح كيفية تلاعب النخب الحاكمة ووسائل الإعلام بالوعى العام. يرى أن وسائل الإعلام فى الغرب تصنع الوهم ولا تنقل الحقيقة بحيادية لتبرير حروب التدخل الخارجى، وهى من ترسم السياسات الفعلية وتتحكم فى مصائر الشعوب، بما فيها التلويح المستمر بالأسلحة النووية فى غياب الرغبة السياسية الحقيقية للمواجهة.
مؤكدًا أن العالم أصبح الآن مختلفًا. وقد استخدم السيد ترامب ببراعة مذهلة السموم التى تتدفق تحت سطح المجتمع الأمريكى، مستخرجًا مشروبًا سامًا قد يدمر البلاد. ويتابع الحزب الذى يملكه الآن انحداره الطويل إلى الفاشية البدئية. وإذا استمر هذا المسار، فإن الانقلاب عن اتجاه الثلاثينيات سيكون مفارقة قاسية.
فى وقت ينصب فيه اهتمام الحزبين السياسيين المهيمنين فى الولايات المتحدة الأمريكية «الديمقراطى والجمهورى» على التهديد الذى تشكله الصين. وفى تقييم هذا التهديد، سيكون بعض الحذر مفيداً. كان للهستيريا بشأن «الخطر الأصفر» تاريخ طويل يمكن استحضاره بسهولة. على سبيل المثال، يعتقد أكثر من ثلث الأمريكيين أن «فيروس كورونا صنعته الحكومة الصينية كسلاح بيولوجى»، وفقًا لـ«مركز أنينبيرج»، الذى يضيف أنه «لا يوجد دليل» على هذا الاعتقاد. لا شك فى أن قوة الصين المتنامية حقيقية، وغالبًا ما تُستخدم بطرق قبيحة للغاية. ولكن، هل هذه الأعمال تهدد أمريكا؟. إن القمع الداخلى شديد ولكنه لا يمثل تهديدًا دوليًا أكثر من العديد من الفظائع الأخرى، بما فى ذلك بعض الفظائع التى يمكن لأمريكا أن تضع نهاية لها بسهولة بدلاً من تسهيلها: يقدم التعذيب الوحشى لمليونى إنسان فى سجن غزة الإسرائيلى بدعم أمريكى قوى مجرد مثال واحد فقط.
ولأن فيضانات هذه الأيام مختلفة، تأتى محمّلة بثعابين الأخبار، آتت الأخبار أثناء كتابة المقال بوصول وزير الدفاع السعودى للبيت الأبيض حاملاً رسالة برغبة المملكة فى خفض حدة الحرب مع إيران، ثم تفاجئنا قبلها بيوم عن وصول مبعوث آخر من الباب نفسه برسالة مختلفة. فقد أعرب رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، الذى كان يجلس مع ترامب فى المكتب البيضاوى، عن تشكيكه فى جدوى الدبلوماسية مع إيران. وبدلاً من ذلك، ناقش الجانبان خيارات الضغط على إيران، بما فى ذلك استئناف حرب شاملة.
بذكر إيران.. يذكرنا تشومسكى بحل مطروح لمشكلة الشرق الأوسط الملتهب والخطر الذى قد تمثله إيران بسبب أسلحتها. هذا الحل البسيط طرحته مصر منذ تسعينيات القرن الماضى بإعلان منطقة خالية من الأسلحة النووية بالشرق الأوسط. وهو ما تم بالفعل فى الاتفاق الأخير مع إيران، والذى مزقه ترامب. وعن الصين، يرى تشومسكى أنها مجتمع متنامٍ لكنها تظل بلدًا فقيرًا بالنظر لمؤشر الأمم المتحدة للتنمية البشرية، فعلى مقياس صحة المجتمع مركز الصين حول ٩٠ ومركز الهند حول ١٣٠. كل هذا الحديث عن سيطرة الصين والهند على العالم هو بارانويا خالصة. الولايات المتحدة فقط فى العالم تمتلك إمكانية توقيع عقوبات. وهى لديها أكثر من ١٠٠٠ قاعدة عسكرية فى أنحاء العالم، ويمكنها تجاوز الإنفاق الكلى للعالم بإنفاقها العسكرى فقط، ولديها مزايا استثنائية لا تشاركها فيها دولة أخرى مثل المساحة الشاسعة والموارد الضخمة. ويشير كذلك أنه أثبت أنه يمكنك إدارة حملة سياسية بنجاح دون الاعتماد على الثروات الخاصة وسلطات الشركات، فى قطيعة مع قرن من التاريخ السياسى الأمريكى. هذه النجاحات يرى أنه يمكننا البناء عليها، بدلًا من العودة للمنزل والبكاء.
الحركة ستستمر، ويقع على عاتق الشباب أن يعطوا بُعدًا ملموسًا لهذه الكلمات، أن يجعلوها حقيقة. ذلك ممكن، وإذا فعلوا ذلك سيكون عالمًا أفضل بكثير… ولكن هناك تساؤلات حول مستقبل القوة الأمريكية، ودراسة القوى التى تشكل مكانة البلد.
مجلة 24 ساعة