وعايزنا نرجع زي زمان ..قول للزمان إرجع يازمان
تذكرت هذا المقطع الأخير من أغنية سيدة الغناء ام كلثوم وكلمات المبدع مرسي جميل عزيز من أيام الزمن الجميل. ما قصدته بالزمن الجميل ليس المكان أو العصر أو أسلوب الغناء بل الحنين الي روح الإنسان ، مانفتقده الان في حياتنا نفوس الزمن في نقائها وعفويتها وصدقها .
تجلي هذا النقاء والعفوية والصدق والجدية في العمل والإبداع الخلاق في شخصيات عشت معها في بداية رحلتي مع أقدم جالية أجنبية وطئت أرض مصر. الأرمن ساهموا في بناء مصر الحديثة في عصر محمد علي ، و هم لايعتبرون أنفسهم جالية ولا أقلية بل مصريون من أصل أرمني ، فهم لهم سماتهم ولغتهم الأرمنية للحفاظ علي هويتهم وعاداتهم وتقاليدهم الخاصة ، ويحبون أن يطلق عليهم مصريون من أصل أرمني .
استرجعت هذا وأرمن مصر يحيون الذكري الخامسة بعد المائة للإبادة الجماعية للأرمن علي يد القوات العثمانية ، فقد بدأت معرفتي بهم في مرحلة الدراسة، فمعظمهم عاشوا في حي مصر الجديدة التي تحولت الي محور للمنظمات الأرمنية بمنطقة العروبة التي تضم مدرستي مصر الجديدة الثانوية وناديي “نادي أون ” المجاور لنادي هومنيتمن Homenetmen لكرة السلة ، لعبت أمامهم ” ككابتن ” لفريق منافس ، فكانت لي صداقات مع بعض من لاعبيه، صداقات لم تستمر، فالأرمن لهم هويتهم الخاصة رغم تكيفهم مع المنظومة المصرية.
لقد شاركت النخبة الأرمنية الإدارية في القرن التاسع عشر في السياسة المصرية، فكان أول رئيس وزراء لمصر هو نوبار باشا وأول وزير لخارجية مصر بوغوص بك بوسفيان. كما أرسي قواعد وزارة التربية والتعليم يعقوب أرتين. وهناك شوارع بالقاهرة تحمل أسمائهم ، ليس هذا دليلا علي عدم إنعزالية الأرمن عن بقية الشعب ومجتمعه المغلق .
في بداية حياتي العملية بدار روزاليوسف عملت مشرفا فنيا و مشرفا علي الطباعة لتخرج في الشكل المتميز المطلوب، فكانت بداية تعرفي وتعاملي مع الحرفيين في الحفر والزنكوغراف و الأرمن الذين تفوقوا كحفارين وزنكوغرافيين.
و يعد الزنكوغراف ( الكليشيهات ) من الأنشطة الطباعية البارزة التي أدخلها الأرمن الي مصر خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر وتستلزم كحرفة دقة متناهية وصبرًا ودأبا نظرًا لصعوبة أدائها ، فكان يتولي صناعة” كليشية ” أغلفتها ورشة آرام بربريان أشهر حفاري مصر لكفاءته ودقته الشديدة في محاولة للوصول بالصورة أو الرسم الأصلي الي أقصي درجات التطابق بين الأصل والصورة المطبوعة. وهو من أول حفاري “كليشيهات ” الألوان في مصر مع تقديم ” بروفة “ملونة” للعميل للإسترشاد بها عند الطباعة ، رغم أن روزاليوسف تملك ورشة حفر متقدمة أسسها توروس خاتشادوريان بمساعدة ديكران الذي ساهم في إستقرار وإستمرار القسم ، وشهد دخول تقنية الطباعة
” بالاوفست ” وفصل الألوان الذي يقوم به في ورشته خلف “كافيه استرا” بميدان التحرير، وكان أمهر من يجري عمليات الرتوش ليس علي الصورة السالبة فقط بل علي ” الكليشية ” المعدني نفسه، ويحول الأصل الردئ ليرتقي به لأعلي مستويات الجودة ، وقام بتدعيم وتقديم الخبرات للعاملين معه .
ربطتني بديكران صداقة من خلال تعاوني معه بالإشراف علي مراحل التجهيز والطباعة لمطبوعات الدار لتصل للقارئ في أجمل وأفضل صورة .
ونظرًا للجهد الذي كان يبذله وساعات العمل الطويلة ، كان يكافئ نفسه في نهاية كل أسبوع بتأجير ” فلوكة ” يبحر بها في نهر النيل حاملًا معه مشروبه المفضل ومعدات الشواء لأطيب وألذ اللحوم .
ظل ديكران يعمل بروزاليوسف حتي نكسة يونيو”حزيران” ، وهاجر بعدها الي كندا بعد أن سلم القسم
لشباب إختارهم مدير عام المطابع في حينها م. عادل فؤاد من خريجي كلية الفنون التطبيقية ليكون أحدث قسم لتجهيزات الأوفست ضمن ثلاثي هم المهندسون عزيز ورضا وعبد الرحمن.
سافرت بعدها الي بيروت لأبدأ مرحلة جديدة في حياتي بعد أن اختارني د. محمود الشنيطي رئيس الهيئة العامة للكتاب كمستشار فني لمكتب الهيئة ببيروت لنشر مؤلفات كبار الكتاب والمؤلفين المصريين ولمحاربة عمليات التزوير وسرقة حقوق الناشرين التي إشتهرت بها بعض عصابات توزيع الكتب اللبنانية في سبعينيات القرن الماضي.
وفي وقت كانت مطابع بيروت القديمة تقوم بتحديث وتطوير مطابعها بعد أن كان أبرزها المطبعة الاميركية والمطبعة الكاثوليكية، بادر الصحفي الكبير سعيد فريحة بتطوير مؤسسته الصحفية وكذا مؤسسة النهار باستحضار آلات التصوير الطباعي، وأنشئت مطابع جديدة كمطبعة إيلي زكا و “مودرن برنتينج هاوس” بالرملة البيضاء ومطابع شمالي ومطبعة نحال ومعامل تجليد كانت الأهم في المنطقة العربية كمصانع عبد الحفيظ البساط ، بعينو، وغيرها .
تعاملت مع مطابع كثيرة منها مطبعة الأرمني فاروچ ومعامل فصل الألوان وكان أشهرها ” ليوغرافور” لأصحابها الأرمني الفنان ليون ترزيان ومعه أبنائه هراتش وميساك ومديرها الإداري جيرارد ديرنيكوغسيان ، كونوا فريق عمل من أمهر من عمل في هذا المجال علي مستوي العالم ، و ساعدوني كثيرًا في تنفيذ أعقد تصاميم أغلفة المجلات التي إشتهرت بها والتي تعتمد علي أفكار إبداعية، منها غلاف الرئيس الأميركي نيكسون جالسا علي برميل بترول ومغطي بأعلام الدول العربية ، وغلاف معبر عن أحداث لبنان وعليه ثمرة تفاح “رمزًا للبنان ” تنزف دما ، و الغلافين تداولتهما وكالات الأنباء الأجنبية.
كان ميساك ماهراً في أعمال الفوتومونتاج اليدوية قبل ظهور برامج “الفوتوشوب ” والمونتاج الإلكتروني . كونا معا فريق عمل نجح في تقديم أعمال طباعية مميزة ساهمت في تطوير الطباعة في لبنان. لكن الرياح أتت بما لاتشتهي السفن، فقد أطلق الاشرار شرارة الحرب الأهلية لكنها لم تؤثر علي علاقة الصداقة التي إستمرت حتي اليوم مع هراتش الذي طور الشركة لتصبح ” ليو ديجاتيل “، ومع ميساك الذي درس في كلية لندن للطباعة LPC وسافر بعد الأحداث اللبنانية لأميركا وأصبح فنانا تشكيليا مشهورا ، وكذلك مع جيرارد الذي أسس شركته “فوتوغرافور وارطان ” .
في عالم الطباعة بالقاهرة وبيروت عملت وتعايشت مع الكفاءات الأرمنية ، وفي لندن عمل معي في فصل الألوان كمونتير الأرمني فرطان المهاجر من لبنان .
لم تتبق الكثير من المطابع الأرمنية في مصر
فلم يستمر منها علي الساحة إلا ما يكمل أصابع اليد منها مطابع نوبار التي أسسها بوغوص سيمونيان وطورها ولداه نوبار وهراتش منتقلين بها من حي شبرا لمدينة العبور، وطور مقرها القديم بشبرا الحفيد د. جورج نوبار أستاذ ورئيس قسم الطباعة والنشر والتغليف بكلية الفنون التطبيقية وعميد كلية الفنون والتصميم بجامعة الاهرام الكندية والأب الروحي للطباعة الرقمية في مصر.
فبعد عقود من إستخدام طباعة الاوفست في مطابع نوبار، قدم جورج التقنية الجديدة للمقر القديم ليصبح “نوبار ديجيتال”.
ولاشك أن الأرمن نشيطون ليس فيهم عاطل ولا متسول أو متشرد. فهم نجوم في الفن والصناعة والعلوم والإعلام والتعليم إختاروا مصر وطنا حاضنا لهم بعد وحشية الدولة العثمانية الغاشمة .
بقلم: مودي حكيم
مجلة 24 ساعة