الرئيسية / كلمة العدد / الأمية .. والجهل .. وحرب الشائعات

الأمية .. والجهل .. وحرب الشائعات

أغلق أحد مواقع التواصل الاجتماعى آلاف الحسابات لنشرها أخباراً مزيفة ومضللة للرأى العام خصوصا ما يتعلق بالحرب فى اليمن والنزاع مع إيران وما تتعرض له مصر من هجمات إليكترونية معبأة بجرائم التضليل وحماقات وهراتيل الكذب والإدعاء وبث الزيف فى العقول من خلال شائعات وأكاديب ما أنزل الله بها من سلطان. أشهرها ما عاشته مصر فى الأسابيع الأخيرة من شهر سبتمبر «أيلول» من خلال السوشيال ميديا والفيس والقنوات التليفزيونية الممولة من دول مثل قطر وتركيا، يلعبون على وتر لا يخفى على أحد وهو أمية الأميين وجهل الجاهلين وهؤلاء ليسوا بالقليل فى مجتمعنا، مستخدمين الشائعات والكذب لمسح الأدمغة وتشتيت الأفكار وإفقاد الثقة فى النفس فى محاولة لهدم مكونات الشخصية المصرية وربما هدم الوطن بأكذوبة لا أساس لها، فانشغل الناس من إعادة إنتاج المؤامرة على مصر والتهديد بنزول حشود إلى الشوارع والميادين والتهجم الشديد على رئيس الدولة والقوات المسلحة، تهجم وتشهير ممنهج يقوم على محاولة التلاعب بالعقول على النحو الذى أصبح شائعا فى وسائل التواصل الاجتماعى بهدف إثارة الشكوك فى مصداقية سياسته المنفتحة بقدر غير مسبوق من الرسائل الإليكترونية والشائعات بغية تزييف وعى المصريين وتكرار سيناريو عام 2011.
أبشع حملة إفتراءات وأكاديب ملفقة وتصعيد متزايد من الفيديوهات المكذوبة استهدفت إفقاد الشعب المصرى ثقته فى نزاهة قيادته.
إن الإقبال المتزايد لمواقع التواصل الاجتماعى التى وصلت لأكثرمن 3 مليارات مستخدم حول العالم يستغله المتآمرون وخفافيش الظلام والميليشيات الإليكترونية الإرهابية باستخدام المعلومات المغلوطة فى الترويج لكثير من الشائعات فى وطن يستخدم فيه 49 مليون مصرى الإنترنت تعرضوا إلى 21 ألف إشاعة مدعومة بفيديوهات مفبركة خلال الثلاث أشهر الأخيرة بهدف نشر البلبلة والإحباط.
فالشائعات عبر شبكات التواصل الاجتماعى تعتبر سلاحا يدمر الدول من الداخل عبر الضغط والإشاعات والأعمال الإرهابية وبث الإحباط فى زمن لم يعد تجاهل الأخبار الكاذبة وسيلة لموتها كما كان فى السابق.
هدأت الزوبعة ولكن الدرس فيها كان واضحا وهو أن سلاح الوعى عند الطبقة المتوسطة لصد واحتواء أبشع حملة إفتراءات وأكاذيب ملفقة كانت تستهدف إفقاد هذا الشعب ثقته فى قيادته، وهذا ما أكده معظم المحللين السياسيين وأساتذة الاجتماع، فنجحت فى احتواء الأزمة، ورغم أن الطبقة المتوسطة هى عنوان رفاهية الشعوب، وهى معيار جودة التعليم والتقدم والتنمية البشرية والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وسيادة القانون، وجودة العقول ونتاجها وإبداعها لذا تعتنى أوروبا بالطبقة المتوسطة، ولكن فى مصر وعلى مدى أكثر من خمسين عاما تدهورت الطبقة المتوسطة وبدأت فى التفكك والتبدل والتشويه حتى أصبحت أقلية فارتفعت الطبقة العاملة مقابل انكماش الطبقة الوسطى وخاصة الشريحة البيروقراطية ومعه بلغت نسبة الأمية وفقا لتعداد الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء 29% للأفراد 10 سنوات فأكثر وهذا نتيجة مباشرة لتدهور مستوى جودة التعليم وانتشار الفقر. فمنذ عام 2005 والدولة غير قادرة على زيادة المعدل السابق للقيد فى حلقة التعليم الثانوى عن 80% من الفئة العمرية فى عمر الالتحاق بهذه المرحلة وفى ظل تدهور جودة التعليم تصبح الخصائص الثقافية للحاصلين على التعليم الأساسى لا تختلف كثيرا عن الأفراد الأميين، كما أن نسبة من الحاصلين على شهادات محو أمية الكبار لا يعرفون القراءة والكتابة وهؤلاء محسوبين على أنهم خارج نسبة الأمية.
إن ارتفاع معدل الأمية يؤثر سلبا على الوعى السياسى للأفراد ويتناقض مع المشاركة السياسية العاقلة، وبالتالى فإن العوامل التقليدية سوف تستمر فى التأثير على الفضاء السياسى فى المستقبل وغياب الوعى.
فالأمية فى مصر تعوق برامج الدولة للتنمية والإصلاح، وتخلق مناخا وتربة صالحة لتقبل وتصديق الشائعات مما يؤثر على الأمن القومى للبلاد مع وصول عدد الأميين فى مصر لأكثر من 30 مليون نسمة، ناهيك عن المتعلمين الجهلاء.
إن فشل وعجز الهيئة العامة لمحو الأمية وتعليم الكبار والتى تم إنشائها عام 1992 لم تنجح على مدار السنين فى محو الأمية لدى المواطنين ببرامج هشة غير منظمة والأساليب القديمة من برامج محو الأمية التى سبقتها على مدى أكثر من مائة عام برامج أخرى هزيلة غير جادة ومحاولات فاشلة حتى أصبحت الأمية وباء كامنا تحت ضلوع الإنسان المصرى وعجزنا على القضاء عليها. فلابد أن تتكاتف جميع مؤسسات الدولة على وضع برامج جديدة وإعادة هيكيلية حقيقية فى سبيل خلق مجتمع مثقف وواع يستطيع مساندة الدولة فى جهودها نحو مستقبل أفضل.
إننا نحتاج لمشروع قومى لمحو الأمية وثورة حقيقية للقضاء على الأمية للنجاح فى تنفيذ خطة التنمية المستدامة لعام 2030 أمل المصريين للخروج من النفق المظلم ومواجهة الشائعات والمؤامرات على مصر.
إننا نحتاج أن تفتح المدارس أبوابها صيفا بدلا من إغلاقها فى عطلة نهاية العام لتنظيم دورات لمحو الأمية، وأن تكون الخدمة الوطنية لكل خريج جامعة بمحو أمية 20 شابا، وإذا نجح فى هذا حصل على وظيفة سواء فى الجهات الحكومية أو الشركات الخاصة. محو أمية شعب يحمينا من غياب الوعى ومن هلاك الشعب من قلة المعرفة والأمية الثقافية، ويخلق سلوكا حضاريا وينشر السلام بين أبناء الوطن ويوقف خروج فئة ضالة من المغيبين والممولين علينا. يحمينا من مخالب أعداء النجاح وسعار وصياح وصراع مذيعى البرامج المسائية، فسلاح الوعى هو أقوى سلاح يتدرع به الشعب لصد واحتواء بشاعة الإفتراءات والأكاذيب الملفقة.
دستور عام 1923 ألزم الحكومة المصرية باتخاذ إجراءات سريعة للقضاء على الأمية وحدد فترة 5 سنوات لمواجهة هذه القضية، ورغم تكرار هذا الالتزام فى كل دساتير مصر اللاحقة، إلا أن هذا العار يطاردنا على مدى أكثر من 100 عام ولم تنجح حكومة واحدة فى أن تأخذ هذا النص الدستورى بجدية لمواجهة مأساة الأمية.
مودى حكيم

شاهد أيضاً

اخطر من أدمان المخدرات
امنعوه !

تلاحظ وأنت تتجول فى شوارع لندن أن السجائر وكل ماله علاقة بالتدخين غير معروض على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.