الشمس حوّلت دربها عن الشباك, بعدما غمرت الغرفة بأشعتها التي إنسكبت شلالً ذهبياً. طَلَع النهار, وجهه يشبه البدايات المفعمة بالوعود الجميلة و… التفاؤل.
هبّت نسمة ربيعية, عبّت طويلاً من رائحة القهوة , أصداء منغومة رافقت صوت فيروز, التي لا تغني لنا إنما تغني في حياتنا.
جنّ رنين جرس الهاتف, على الطرف الآخر جاءني صوت إسلام شلبي, يخبرني أنه عاد, عودة الإبن الضال, من رحلة البحث عمن يأخذ بيده, لتحقيق حلمه فى إنشاء مطبعة “مصرية “على “الأرض اللبنانية”, تكون منارة تضيء على الثقافة العربية, من خلال مؤلفات و إبداعات الكتّاب المصريين .
و كان موعد, و كان لقاء, فأطلعني على ما دار معه و جرى, و هو نجاحه فى إستقطاب ممولين, على رأسهم تمويل ساهم فيه الدكتور حسن عباس زكي, وزير المالية في إحدى الحكومات التي كان شَكّلها جمال عبد الناصر, ليصبح بعدها مستشاراً إقتصادياً في بلاط الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس لدولة الإمارات المتحدة و أول رؤسائها، ثم الصحافي رجاء مكاوي إبن “أخبار اليوم”, الذي ترك الصحافة ليصبح هو الآخر في دوحة شيخ الإمارات المتحدة, مستشاراً صحافياً. و كان مكاوي أسهم في نقل الخبرة الصحافية, و بناء العمل الصحافي والإعلامي للإمارات، و كان أيضاً من مؤسسي جريدة ” الإتحاد “, و مركز الوثائق و الدراسات, و لقد ساعدت أعماله فى نقل الوجه المشرق للعاصمة أبو ظبي و الإمارات العربية عامة.
و لقد قام مكاوي بجهود جادة و مضنية في إطلاق نهضة أبو ظبي, و نجح في إبراز مبادرات الشيخ زايد، و نقل تجربة الإتحاد الى العالم على مدى 20 عامًا. و من بين الممولين أيضا لكن بنسبة أقل, موريس يعقوب و سامى ناصر, زميليّ إسلام في الدراسة في “الجامعة الأميركية”. و وُضِع المشروع على سكة التنفيذ.
***
إستأجرت مقراً للمطبعة الجديدة في منطقة “الرملة البيضاء” على ساحل مدينة بيروت, و تحديداً في أحد الأدوار الأرضية من بناية في “شارع الجنرال ديجول” , و كان المبنى على رمية حجر من السفارة المصرية.
جهّزت المطبعة بمعدات التصوير و الصف الالكتروني و بآلتي طباعة ” كولور ميتال “، و هي سويسرية الصنع جديدة ، دقيقة و رائعة و لم تكن معروفة وقتها. كنّا أول من إستخدمها في منطقة الشرق الاوسط. و إستعنت بالمعلم ” نهاد ” من أمهر الطبّاعين في لبنان, و كان يعمل بمطابع إيلي زكا, التي كانت من أدق و أندر المطابع جودة في لبنان و المشرق العربي رمّة, و قد عُرِف إيلي زكا بتقديسه للعمل و التخصص المهني في الطباعة, و قدرته على مضاهاة الكمال فى المحتوي الطباعي, و الرقابة على الجودة الطباعية, و الإهتمام بالتفاصيل الأساسية و الفرعية، الى درجة انه كان يعدم أية مطبوعة لا يرضى عنها, و يُعيد طباعتها … فلقد كان ملتزماً بحماية أية مطبوعة قبل تداولها من أي أخطاء, حتى لو كانت بسيطة لا تُلاحَظ.
إخترت إسم Modern Printing Press ليُطلق كإسم للمطبعة التي دارت تروس سلندرات ماكيناتها لتطبع كتباً لتوفيق الحكيم و نجيب محفوظ و الدكتور عبد العظيم رمضان, لحساب” الهيئة المصرية للكتاب”, الى جانب إصدارت” دار الوطن العربي للنشر”, التي انشأها إسلام شلبي.
خلال أشهر, قليلة, أصبحت المطبعة بين أشهر المطابع في بيروت، و بصراحة و صدق، كان إيلي زكا هو النموذج الذي أحتذي به في مفهوم الجودة الطباعية، إقتربت منه حتى في إختيار مكان المطبعة (على بعد أمتار من مطبعته), تقاربنا سريعاً، فكيمياء العلاقات الانسانية جذبتنا فتصادقنا. كان يكبرني فى العمر بسنوات، لم أره مرة يرتدي بذلة, و لكنه أنيق بملابسه البسيطة و ألوانها المتناسقة التي تدل على ذوقه الجمالي. دعاني ذات يوم الى منزله المطل على البحر, و القريب من المطبعة، ليس من أجل الإفتخار بمقر سكنه و أثاثه الايطالي الحديث, و لا بزوجته الفرنسية الجميلة راقصة البالية, بل ليُقدمني الى غرفة ملابسه بالمنزل المبالغ في مساحتها, و ماتحتويه من خزانات و أرفف الملابس, بهارمونية ألوانها. كلٌّ منها يحمل طقم من الملابس كاملاً من داخلية, الى سترة و قميص مُنّشاة, و بنطلون, و جوارب, و غيرها … متناسقة الالوان جاهزة للإرتداء, تعبر عن شخصية الرجل عاشق الألوان و الإبداع الطباعي.
كان العميل الرئيسي للمطبعة “هيئة الكتاب المصرية “, و “الوطن العربي” و بعض دور النشر اللبنانية.
و رغم زيارة شريكي المطبعة الرئيسيين، زكي و مكاوي, لبيروت و الإطلاع على إستثماراتهما، فقد شاركا فى حجب أية تعاقدات طباعية قد نفوز بها من الإمارات, خوفاً من أن يُعْرف أن لهما علاقة بهذا المشروع , لأن أمر شراكتهما بقي سراً.
أما باقي الشركاء, ناصر و يعقوب, فقد كانا في زيارات مستمرة للمطبعة داعين أصدقائهما ” للفرجة “و مفتخرين لمشاهدة مشروعهما المساهمين فيه، بينما شلبي في ضغوط عصبية بين محاولات الحصول على غذاء للماكينات الجائعة … و الأدهى أنه إنشغل بتسوية سوء التفاهم بينه و بين توفيق الحكيم, حول نسبة المؤلف من مبيعات كتبه حسب العقد المبرم بينهما. فقد إدّعى الحكيم بأن اسلام شلبي “نَصَب” عليه”، و إتهمه بالإحتيال! فما كان من إسلام شلبي إلا أن أقام على الحكيم دعوى قضائية سبّ و قذف، ربحها شلبي، و إضطر توفيق الحكيم لكتابة إعتذار فى جريدة “الأهرام” للناشر حتي يتنازل عن مقاضاته و توقيع غرامة مالية لا يحب توفيق الحكيم أن يسددّها !
بعد النجاح الذي حققته المطبعة، بدأنا نواجه بعض العثرات المادية نتيجة عدم تسديد المستحقات من زبوني المطبعة و المسؤول عن حساباتهما شلبي، و هما “هيئة الكتاب “و “دار الوطن العربي”, في وقت كانت المؤشرات تلوح في سماء الإقتصاد اللبناني بأزمة إقتصادية مقبلة، لأن تركيبة الإقتصاد اللبناني أصبحت متنافرة مع ظروف المحيط العربي و معطياته، و تراكمت التشوهات الإقتصادية والإجتماعية، و بدأت بعض الحوادث المتتالية التي لا يمكن أن تُغفل تؤشر بِشرّ قادم على البلاد التى تضم 18 طائفة و مذهبا يتعايشون فى تجانس ..
مما دعاني الى التساؤل:” هل تأت الرياح بما لا تشتهى السفن ؟ ”
***
على الرغم من أن الدنيا ‘كانت’ ربيع و الجو بديع، قفِّل على كل المواضيع.. . قفِّل …قفِّل .. واحدة من أغنيات فيلم ” أميرة حبي أنا ” عام 1974 و إنتشرت في هذه الفترة، كلمات تسللت إلي الآذان و القلوب بصوت الساحرة سعاد حسني و بصمة صلاح جاهين و الإبداع الموسيقي لكمال الطويل.
كانت هذه أجواء لبنان، غنوة ربيع دائم و فرحة ، و بسمة ، و بيروت بجاذبيتها الكونية اللبنانية ، إزدهار و إستقرار ، وقت كان فيه لبنان ساحرأً و مسحوراً ، بلد تتزلج فيه في ” فقرا ” و ” اللقلوق “و “الأرز”, و تسبح بنفس الوقت و الزمان فى بحره .
بلد صاغته حفنة من اللبنانيين ممن رعوا السياحة و الإصطياف، و إستقبلوا المغنين و أشهر نجوم العالم ليشاركوا فى مهرجانات فنية و فلكلورية في “بعلبك”, و”الأَرز”, و”بيت الدين”. و بيروت, قلب لبنان النابض, لم يصنعها ذوات و أعيان، إنما صنعها جهد و كدّ أبنائها، مدينة هي المقهي, و المطعم, و المصرف, و المستشفي, و الجريدة , و دور النشر, و السينما, و المسرح, و المعاهد, و الجامعات… يأتيها المثقف العربي قبل الممول, جامعاتها اللبنانية, و الأميركية , و اليسوعية, و العربية, تمضي فى إنتاج نخبة جديدة تكسر المركزية الطائفية و المناطقية للبنان، تفتحها على مصادر التعليم المختلفة فى المنطقة و العالم.
لبنان الذي أحببت العيش فيه و قبِلت الغربة اليه و عنه. في يوم أحد و الدنيا ربيع عام 1975، و كان الناس كعادتهم يفترشون البحر حيث يعيش الفرح و يرقص الأمل، أو يصعدون الجبل المتوهج بالبهجة ، الساحر المُعَبّق بروائح التاريخ و هواء الصنوبر, لقضاء يوم راحتهم, سُمع إطلاق نيران بكثافة في منطقة “عين الرمانة” فى الوقت الذى كان فيه رئيس “حزب الكتائب اللبنانية” الشيخ بيار الجميل, يحضر الصلاة فى كنيسة, و بعد إنتهاء مراسم الصلاة سُمعت أصوات نيران كثيفة تتعالى إستهدفت إحدي الحافلات ” البوسطة ” التي كانت تنقل عدد من الفلسطينيين المتوجّهين الى منطقة مخيم تل الزعتر، مما أدي الى سقوط العديد من ركاب تلك الحافلة بين قتيل و جريح. جاءت النيران من جهة غير معروفة و عُرفت فيما بعد بحادث ” بوسطة عين الرمانة “.
و حدث هذا أيضاً في وقت كان رئيس الجمهورية اللبنانية سليمان فرنجية يقضي فترة نقاهة قصيرة في مستشفي الجامعة الأميركية, على إثر خضوعه لعملية جراحية .
بدأت تداعيات هذا الحادث تنتشر مجتمعياً و سياسياً بسرعة مذهلة فى مختلف الأوساط اللبنانية، بما فيهم روّاد المقاهي علي الأرصفة, من مفكرين, و أدباء, و إعلاميين, و فنانين, أصابهم صمت, إنحبست أصواتهم, و عجزوا عن الكلام من خَرَس المفاجأة ، و سادت الى حال من الإستنفار داخل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين .
… وفجأة ساد الوجوم العاصمة بيروت و ضواحيها و سائر مناطق لبنان، بعد دقائق و ثوان إستغرقها الإعتداء علي الحافلة المنكوبة. و بقي السؤال: ماذا بعد ؟
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة