
باحث وكاتب
وهي على أية حال ثورة إنما أتت وريثة لثورة سينمائية أخرى سبقتها بنحو عقد بأكمله من السنين، أتت من ناحيتها يسارية حقاً وبالمعنى التقني والأيديولوجي للكلمة. ولسوف نحاول هنا، لمناسبة استذكار الفارق بين “الثورتين”، تعديل الصورة بعض الشيء، بعد أن أصابها كثير من الخلط الذي أتى على حساب “اليسار السينمائي” الحقيقي في عاصمة السينما الأميركية والعالمية.

“ثورة” كيرك دوغلاس!
والحقيقة أنه هذا الأمر ومهما كان عصياً على التصديق، يتجه بنا إلى القول أن ثمة نجماً من أشهر نجوم تلك المرحلة وأكثرهم شعبية، ارتبطت ثورة هوليوود اليسارية الحقيقية باسمه وهو ليس سوى كيرك دوغلاس نجم النجوم الذي قد لا يخطر اسمه في البال في هذا السياق. لكنه هو نفسه كان واحداً من أول المبادرين، وربما من دون أن يكون مدركاً حقاً لما كان يقدم عليه. ولعل شراكته في عملين مبكرين مع ستانلي كوبريك هي التي “ورطته” في تبني تلك الثورة الحقيقية ضد هوليوود وقوانينها وممارساتها، وذلك من دون أن يكون هو أو يكون ستايلي كوبريك نفسه يسارياً – ونحن لا نعني بهذا المصطلح، المصطلح التقني الآخر “شيوعياً”، فما من واحد منهما كان عضواً في الحزب الشيوعي الأميركي أو في أي تنظيم أيديولوجي آخر من هذا النوع.
ففي هذا السياق يجب أن نفهم أن مصطلح يساري يشير إلى قيم إنسانية اجتماعية يعبر عنها عادة، في القاموس الأميركي بليبرالي وراديكالي، حتى وإن كنا سنرى بعد قليل كيف أن “يسارية” كيرك دوغلاس وستانلي كوبريك وغيرهما، قد تمثلت في تعاونهم مع يساريين شيوعيين حقييين من الذين كانت لجنة السناتور ماكارثي غاضبة عليهم وتملي على هوليوود ضرورة حرمانهم من اكتساب الرزق بمنعهم من العمل، حتى وإن لم تتمكن هي من سجنهم طويلاً، كما كان يفضل رئيس اللجنة السناتور ماكارثي ونائبه ريتشارد نيكسون، الذي سيصبح الرئيس الأكثر يمينية في التاريخ الأميركي، قبل مجيء أبناء عائلة بوش ورونالد ريغان وأخيراً الرئيس ترمب إلى سدة الرئاسة.
المهم في الأمر هنا أن الثورة التي نتحدث عنها التي سيكون دوغلاس مطلقها، انطلقت في عام 1960، مع فيلم “سبارتاكوس” الذي في خلفية تاريخيته وكونه فيلم ملابس وديكورات ضخمة، أتى بالنسبة إلى منتجه وبطله كيرك دوغلاس نفسه، نوعاً من ثأر شخصي.
فالفيلم كان عن سيناريو كتبه الشيوعي دالتون ترامبو، الذي لأنه كان ممنوعاً من الكتابة، وقعه باسم مستعار. والحقيقة أنه لم يكن له أول الأمر، علاقة بالفيلم، لكن ارتياح دوغلاس للعمل معه في فيلمه السابق “خطوات المجد” والضجة الصحافية التي رافقت منع فرنسا لهذا الفيلم لوقوفه ضد النزعة العسكرية من موقع يساري عنيف، راق للنجم الذي جاء بكوبريك مخرجاً لفيلم “سبارتاكوس”، بعد أن طرد المخرج الأول للفيلم، أنطوني مان، ولأسباب تتعلق باستبعاد دوغلاس عن بطولة “بن هور”.
المهم، للمرة الثانية حينها في فيلم هوليوودي، الأول فيلم حربي والثاني تاريخي، وجد دوغلاس نفسه مسؤولاً عن فيلم منشق عن الأيديولوجية الهوليوودية المعهودة. وكذلك يجد نفسه في صف الكتلة التي انطلق ماكارثي أصلاً، لمنع استشراء نفوذها “الشيوعي الأحمر” في هوليوود.

انفلات غير محسوب
والحقيقة أن فيلمي كوبريك هذين، وهما من إنتاج كيرك دوغلاس معاً، شكلا تلك الثورة الحقيقية التي، من الناحية الفكرية بل حتى الأيديولوجية، جاءت أكثر عمقاً و”خطراً” على اليمين المتطرف في أميركا، وساندت، خفية أحياناً وعلناً في أحيان أخرى، وفي وقت كان فيه عدد كبير من الأجانب “الحمر” يغادرون إلى أوروبا وتحديداً إلى بريطانيا هرباً من الماكارثية، يصحبهم حتى أميركيون نفوا أنفسهم، وقد بات واضحاً أن هوليوود ستشهد معارك مقبلة وراديكالية. فادوارد دمتريك وجوزيف مانكفيتش وفريد زيمرمان وحتى يمينيون من طينة صمويل فوللر قرروا خوض المعركة عبر أفلام قد لا يبدو واضحاً أنها تحاول التصدي للفكرانية الهوليوودية، لكنها كانت تفعل ذلك، وبصورة لا قبل للماكارثيين بمواصلة المعركة فالتجأوا إلى الرقابة والقضاء.
ومع ذلك مرت بقوة أفلام مثل “ظهيرة حارة” و”ممر الصدمة” وما ماثلها، وكان واضحاً أن النظام الأميركي لا يزال من القوة والعنف ما مكنه من أن ينصر الجانب الأكثر رجعية في مملكة السينما، وحتى الوقت الذي أدت فيه حرب فيتنام إلى ضعف هذا النظام على الصعيد العالمي كما أدت فضيحة ووترغيت إلى تدهوره على الصعيد الأخلاقي الداخلي، لكن الذي حدث هو أن الثورة الجديدة التي اندلعت على إثر ذينك الحدثين الضخمين والجذريين في التاريخ الأميركي، كانت قد كفت عن أن تكون أيديولوجية بالنظر إلى أن المعسكر المقابل في مجابهة الحرب الباردة، المعسكر الاشتراكي، كان بدوره قد وهن ولم يعد يشكل إغراء لشبيبة استيقظت على أوضاع وصراعات جديدة. ومن هنا كان لا بد للثورة اليسارية أن تندمج في ثورة أصحاب اللحى لتنسى بالتدريج، لكن هذه حكاية أخرى على أية حال.
Independent News
مجلة 24 ساعة