
عن السويس – التى تحل ذكراها السبعون هذا العام- وهى الأزمة التى كشفت عن تراجع مكانة بريطانيا كقوة عالمية، إذ انتهى تدخلها العسكرى بهزيمة مذلة. بثت القناة الرابعة البريطانية (Channel 4) فيلمًا وثائقيًا من جزأين من إخراج المخرج السينمائى كريس هولت يتناول اليوم الأخير والحاسم فى الأزمة التى أنهت هيمنة بريطانيا كقوة عظمى.
يروى الفيلم الوثائقى، الذى يحمل عنوان «السويس: 24 ساعة حطمت الإمبراطورية البريطانية» (SUEZ: 24 HOURS THAT BROKE THE BRITISH EMPIRE)، القصة الدرامية من الداخل حول كيف أدت أزمة السويس إلى موجة بيع مكثفة للجنيه الإسترلينى، وأطاحت برئيس وزراء، وأكدت وضع بريطانيا كقوة عالمية من «الدرجة الثانية». ومن خلال شهادات مؤرخين وشخصيات كانت فى صلب حكومة أنتونى إيدن، قدم الفيلم للمشاهدين سرداً تفصيلياً -ساعة بساعة ودقيقة بدقيقة- لأحداث يوم 6 نوفمبر 1956؛ ذلك اليوم المصيرى الذى رضخت فيه بريطانيا للضغوط الأمريكية لإنهاء محاولتها -قصيرة الأمد- لاستعادة السيطرة على قناة السويس من الزعيم المصرى الجديد الرئيس جمال عبد الناصر، وسحب قواتها بالتزامن مع حليفتيها فرنسا وإسرائيل.
الفيلم الوثائقى من إنتاج شركة «Voltage TV» لصالح القناة الرابعة (Channel 4)، وهو من تأليف وإخراج وإنتاج كريس هولت، بينما يتولى كل من سام ستارباك ولوسى كارتر مهام الإنتاج التنفيذى. كما تشارك فى العمل ليزا غومر كمنتجة للجانب الدرامى، وهيرميون هيليير كمنتجة، وليزا كلايتون-جونز كمنتجة للمواد الأرشيفية.
غير أن ادعاء «حفظ السلام» هذا كان مجرد خدعة؛ ففى الواقع، كانت حكومات بريطانيا وفرنسا وإسرائيل قد خططت للأمر برمته، بدءاً من الغزو الإسرائيلى ووصولاً إلى التدخل البريطانى والفرنسى. وفى غضون أيام، انكشفت تفاصيل هذه الخطة الغريبة أمام العالم، وطالبت حكومتا الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى بانسحاب القوات البريطانية والفرنسية من مصر، كما أُجبرت إسرائيل أيضاً على العودة إلى حدود عام 1948.
لقد كانت أزمة السويس نتاجًا لتراجع الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية؛ إذ خرجت كلتاهما من الحرب العالمية الثانية وقد ضعفتا اقتصاديًا بشكل ملحوظ. ومع ذلك، ظلت كل منهما تمتلك إمبراطورية واسعة، وواصلتا الانخراط فى سلسلة من الحملات السياسية والعسكرية ضد حركات التحرر المناهضة للاستعمار.
فقدت بريطانيا «درة التاج» فى إمبراطوريتها عندما نالت الهند استقلالها عام 1948. وفى ماليزيا، خاض البريطانيون حملة وحشية لمكافحة التمرد بين عامى 1948 و1957، وهى الحملة التى انتهت بحصول البلاد على استقلالها. أما فى كينيا، فقد واجه البريطانيون حركة «الماو ماو» بدءاً من عام 1952؛ ورغم أنهم قمعوا تلك الثورة بأساليب بالغة الوحشية، إلا أنهم انتهوا بخسارة كينيا عام 1963.
ومع انحسار الإمبراطوريتين، سعت كل منهما جاهدة لضمان بقاء طرق التجارة مفتوحة أمامهما؛ فقد كانت قناة السويس بالنسبة للبلدين ممراً مائياً حيوياً يربط بريطانيا وفرنسا بمستعمراتهما السابقة التى أصبحت مستقلة آنذاك. غير أن المعضلة التى واجهت بريطانيا وفرنسا تمثلت فى بروز الزعيم القومى الجديد فى مصر، جمال عبد الناصر، الذى كان يؤكد حق مصر فى الاستقلال.
كان ناصر عازماً على إنهاء الوجود العسكرى البريطانى فى مصر، ولا سيما فى منطقة السويس. وقد نظرت فرنسا إلى ناصر باعتباره تهديداً، إذ اعتبرته رمزاً ملهماً لحركات الاستقلال فى جميع أنحاء شمال أفريقيا والشرق الأوسط، وخصوصاً فى الجزائر.
كما كان ناصر مصمماً على تحديث مصر؛ فأقر إصلاحات زراعية وشرع فى تنفيذ خطة لبناء السد العالى فى أسوان بهدف السيطرة على فيضانات النيل وتوليد الكهرباء لإيصالها إلى منازل المصريين الفقراء. غير أن المشكلة تمثلت فى التكلفة الهائلة لمشروع السد. وفى ظل أجواء الحرب الباردة، سعى ناصر للحصول على تمويل للمشروع من كل من الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة، مستفيداً من التنافس بينهما؛ وبالفعل وافقت الولايات المتحدة على تمويل السد، لكنها تراجعت عن ذلك وسحبت التمويل فى اللحظة الأخيرة.
* ترى كيف واجه ناصر المعضلة الهائلة؟!.. الحل سنكمل الحديث عنه.
مجلة 24 ساعة