الرئيسية / صحافة ورأي / الذكاء الاصطناعي.. البنية التحتية الجديدة لتحول الطاقة

الذكاء الاصطناعي.. البنية التحتية الجديدة لتحول الطاقة

نارسينغ تشودري
نارسينغ تشودري
رئيس قسم الوقود والموارد الطبيعية في شركة بلاك آند فيتش

 

لا يقتصر التحول في مجال الطاقة اليوم على مجرد التغيير في أنواع الوقود أو التقنيات المرتبطة به، إذ إنه بات يمثّل رحلة متكاملة تتضمن استراتيجية وتقنيات مبتكرة وإعادة تصور لكيفية إنتاج الطاقة وإدارتها واستهلاكها في العالم.

وعلى الرغم من أن توسيع الطاقة المتجددة وتعزيز الشبكات وتطوير مراكز الهيدروجين ونشر أنظمة تخزين الطاقة، تعد جميعها خطوات حاسمة، فإنها لا تعالج سوى جزء من التحدي الماثل، وذلك لأن استقرار النظام وكفاءة التشغيل ينبعان من طبقة الذكاء التي تربط هذه الأصول في شبكة متكاملة وقابلة للتكيف. وإن فهم هذا العمود الفقري التشغيلي وإحداث ثورة حقيقية فيه من خلال استخدام أنظمة تحكم ذكية هو ما سيوفّر تحسينات تحدث نقلة نوعية في تحقيق أهداف التحول في مجال الطاقة.

وفى حقيقة الأمر، ينبغي الآن إعادة صياغة هذا الذكاء ليصبح بنية تحتية، حيث إنه يُمكّننا من إدارة التوازن بين الموثوقية والاستدامة والقدرة على تحمل التكاليف في الوقت الفعلي.

وفي أنحاء العالم كافة، حيث يتزايد الطلب على الطاقة ولا تزال الأنظمة القديمة هي المهيمنة، يُعدّ تنظيم هذه الأصول بفاعلية أمراً بالغ الأهمية. فهو السبيل الوحيد لتوسيع نطاق الطاقة المتجددة مع الحفاظ على استقرار الشبكة، لا سيما في ظل الانقطاعات في توليد الطاقة من الرياح والطاقة الشمسية.

وفقاً لوكالة الطاقة الدولية، فمن المتوقع أن يزداد الطلب العالمي على الكهرباء خلال السنوات القليلة المقبلة بمعدل سنوي متوسط يتجاوز ضعف معدل نمو الطلب الإجمالي على الطاقة. ويتطلب تلبية هذا النمو مع الحفاظ على طاقة موثوقة وبأسعار معقولة ومستدامة، دمج الذكاء على المستويات كافة. فحتى أكثر مرافق الطاقة المتجددة وأنظمة التخزين تطوراً ستواجه صعوبة في توفير طاقة متسقة وفعالة من حيث التكلفة، وستظل الشبكات دون هذه الإمكانات، عرضة للتقلبات.
وفي هذا السياق، فإن الذكاء الاصطناعي والتحليلات المتقدمة تعيد صياغة آلية عمل أنظمة الطاقة. إذ تستخدم أنظمة تخزين طاقة البطاريات التنبؤات القائمة على الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بتقلبات الطلب وتحسين دورات الشحن، كما تعتمد محطات طاقة الرياح والطاقة الشمسية على التعلم الآلي لإدارة انقطاع التيار الكهربائي وتحسين الكفاءة، وتستخدم مشاريع الهيدروجين بشكل متزايد التوائم الرقمية لمحاكاة العمليات وتوقع المخاطر وتحسين الأداء قبل حتى بدء الإنشاءات. وتتطلب هذه القدرات تنفيذ استثمارات ضخمة في البنية التحتية، وتصميماً وتخطيطاً دقيقين لتحقيق أقصى استفادة من هذه الأصول.
أما محطات الطاقة الفرعية الحديثة، التي كانت في السابق عقداً سلبية، فقد باتت الآن تُحلل البيانات الطرفية وتُقدم رؤىً توجيهية تُمكّن المُشغّلين من توقع احتياجات الصيانة، وتحسين السلامة، وتعزيز موثوقية الشبكة بشكل عام.

ويُعدّ هذا التطور الرقمي بالغ الأهمية لتحقيق أهداف التميز التشغيلي وإزالة الكربون في آنٍ واحد، ما يسمح لأنظمة الطاقة بالعمل بكفاءة مع تقليل الأثر البيئي إلى أدنى حد.

وعلى صعيد منطقة الشرق الأوسط، أصبح دمج الذكاء أمراً استراتيجياً في غاية الأهمية.

وتواصل دول مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية الاعتماد على الوقود الأحفوري كركيزة اقتصادية رئيسية، بينما يتصدر البلدان الآن مجال نشر الطاقة المتجددة والتقنيات منخفضة الكربون. ورغم تنويع الاقتصاد الإماراتي ليشمل السياحة والطيران والخدمات اللوجستية والخدمات المالية، لا يزال قطاع النفط والغاز يمثل عاملاً اقتصادياً رئيسياً لتوفير الإيرادات الحكومية، وتمويل مشاريع البنية التحتية، وضمان أمن الطاقة لقاعدة سكانية وصناعية متنامية. ويتطور هذا القطاع لدعم أهداف الاستدامة من خلال تبني أساليب استخراج أنظف، والاستثمار في تقنيات احتجاز الكربون، وتمكين التكامل مع الطاقة المتجددة، ما يضمن مساهمة الوقود الأحفوري في النمو الاقتصادي، بالتزامن مع تعزيز منظومة طاقة متنوعة.

وتُسلّط الاستراتيجيات الوطنية، بما في ذلك مبادرة الإمارات العربية المتحدة للوصول إلى صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2050 والمبادرة السعودية الخضراء، الضوء على الدور المحوري للتكنولوجيا.

كما يُعيد احتجاز الكربون، وأنظمة الطاقة الهجينة، والكفاءة التشغيلية القائمة على البيانات تعريف أصول الطاقة التقليدية، ويتطلب كل مشروع جديد، سواءً في مجال الطاقة الشمسية أو الهيدروجين أو النفط والغاز، نهجاً يُركّز على التكنولوجيا. ويجب دمج ذكاء النظام، وقابلية التشغيل البيني، والتصميم الرقمي منذ مراحل التخطيط الأولى للمشروع، بدلاً من إعادة تأهيله لاحقاً، وذلك لضمان التوافق مع تطور أنظمة الطاقة مع مرور الوقت.

ويكمن التحدي الحقيقي في التكامل، إذ أنه يتطلب دمج ذكاء الأنظمة في كل مشروع بدءاً من مرحلة التصميم. ويتطلب تحقيق ذلك تحولاً جذرياً في التفكير على امتداد سلسلة قيمة الطاقة، حيث يتعاون المهندسون والتقنيون والاستراتيجيون لتصميم بنية تحتية مرنة وقابلة للتكيف ومتكاملة تماماً مع التكنولوجيا، بينما تُدرك فرق القيادة أن الاستثمار في القدرات الرقمية ليس باباً للتكلفةً، بل مصدرٌ للكفاءة والموثوقية والتنافسية.
وترقباً للمستقبل، فمن الضرورة بمكان التعامل مع الذكاء كبنية تحتية لا كإضافة، وذلك من أجل تحقيق منظومة طاقة لامركزية ومتكاملة رقمياً، وخالية من الكربون. ولن يكون النجاح مرتبطاً بالأصول المادية فحسب، بل بكيفية تفاعل الأنظمة الذكية، وتصحيحها الذاتي، وتحسين أدائها عبر المواقع والمصادر. ويوفر الجمع بين الطاقة والذكاء والتأثير فرصة حاسمةً لإعادة تعريف الطريقة التي تقوم بها المجتمعات بتلبية الطلب المتزايد، وضمان الموثوقية، وتحقيق أهداف الاستدامة. وسوف تحدد القرارات التي نتخذها اليوم في تخطيط وتصميم وإدارة أنظمة الطاقة، مدى تحقيق التحول لإمكاناته، وهنا لا بد من التأكيد على أن دمج الذكاء على جميع المستويات يُعد أمراً أساسياً لبناء مستقبل طاقة آمن ومستدام.
CNN Business News 

شاهد أيضاً

” حين يصبح الكتاب وطنا”… شعار الدورة 40 لمعرض تونس

تحل إندونيسيا هذا العام ضيف شرف في معرض تونسللكتاب، في إطار التوجه نحو تعزيز الانفتاح الثقافي …