تنطلق المترجمة المصرية سارة حواس في كتابها “أسرار الكتابة: كما يرويها كتاب العالم” من حقيقة أن الولع بكشف أسرار الكتابة والرغبة في زيارة مطبخ الكُتاب الحائزين “جائزة نوبل” في الآداب لن ينتهي. ولن تنتهي رغبة كل شاب في معرفة من أين يبدأ وكيف يصبح نصه في مستوى الإبداعات العالمية.
اختارت حواس 17 كاتباً معظمهم ممن حازوا “جائزة نوبل” في الآداب، وخصصت لكل منهم فصلاً باسمه كي يبوح للقارئ بعصارة تجربته. وبعيداً من ترتيب الفصول وغلبة الانتقاء من الآداب المكتوبة بالإنجليزية، نستعرض هنا أهم الأسرار والنصائح.
قرار مصيري
تبدأ الكتابة من قرار مصيري، فحسب جوزيه ساراماغو عندما كان في الـ 17 من عمره، أخبر أصدقاءه أنه يريد أن يصبح كاتباً، وبالفعل نشر روايته الأولى بعد سبعة أعوام من اتخاذه هذا القرار. أما ماركيز فتنوعت اهتماماته بين الرسم والموسيقى والكتابة إلى أن قالت له والدته ذات يوم : “إذا كانت ستصبح كاتباً فعليك أن تكون من العظماء”.
من دون قراءة روايات لن يكون هناك أحد يكتبها، وإن كان غونتر غراس يضيف دوافع أخرى، منها القدرة على الحلم طويلاً أو الاستغراق في الخيال، واللعب بالكلمات، والكذب الجمالي والدرامي من أجل المتعة. بينما اهتم ويليام فوكنر بالقراءة لكتاب مثل جيمس جويس وبلزاك وفلوبير ودستويفسكي وشكسبير وتولستوي وثرفانتيس، وشعراء مثل كيتس وشيلي، وكرر قراءة الكتب نفسها مرات. بينما كان ساراماغو يفضل كُتاباً من ذوي النزعة المتشائمة مثل غوغول.
أما كُتاب ماركيز المفضلون فهم كافكا وجيمس جويس وفيرجينا وولف وغراهام غرين، فيما استفادت توني موريسون من عضوية نادي القراءة برفقة أمها، وتضم قائمتها كُتاباً مثل تشينوا أتشيبي وكارلوس فوينتس وهرمان ملفيل وجين أوستن. وكانت أليس مونور تفضل كلاً من يودورا ولتي وكاثرين آن بورتر وجون أبدايك وويليام ماكسويل وويليام تريفور وتورغنيف وأوكونور. واختار ماريو يوسا فلوبير وهمنغواي وبورخيس وسارتر وفوكنر وستندال وديكنز وكُتاب القرن الـ 19 عموماً.
بدورها تذكر آني إرنو أن أمها اختارت لها القراءة بدل تعلم الحياكة، وتأثرت بكل من سارتر وثرفانتيس وهوغو وديكنز وألبير كامي. وكان إدواردو غاليانو ينحاز إلى نيرودا ومارك توين وأمبروز بيرس وفوكنر وجيمس بالدوين. وضمت قائمة بيتر هاندكه كافكا وتولستوي وهوميروس ودوستويفسكي وريموند تشاندلر. واختارت أورنداتي روي كلاً من فاسيلي غروسمان وتشيخوف وفرجينيا وولف والسجلات الحكومية والمذكرات، وكل ما يمنحها مفاتيح فهم النفس البشرية.
استماع جيد
تؤمن إيزابيل الليندي بأن الكاتب يجب أن يكون مستمعاً جيداً وصائداً للقصص بقراءة الصحف والانتباه إلى ما يدور حوله. ويفضل فوكنر أن يكون هناك وقت محدد في الصباح يتفرغ فيه الكاتب، بعيداً من أية بيئة سيئة تشوش عليه، ويتضمن مبدأ العزلة عدم انشغال الكاتب بالثراء والنجاح والشهرة لأن المهم أن يقدم للقراء كتاباً جيداً بذل فيه أقصى ما يستطيع. وتتفق معه دوريس ليسنغ في كونها ليست لديها حياة اجتماعية، فظروفها الشخصية جعلت حياتها محددة الإطار، مما شجعها أكثر على الكتابة. ويلخص ساراماغو وصفته الناجحة في أن يلزم نفسه بكتابة قدر محدد من السطور كل يوم بدلاً من الالتزام بعدد ساعات. وكان يحرص على مراجعة ما كتبه في اليوم السابق وإجراء أية تعديلات عليه قبل أن يواصل طريقه، وبعدها تكون هناك مراجعة نهائية ودقيقة.
وعلى العكس فقد ألزم ماركيز نفسه بساعات صارمة للكتابة وكأنه موظف في بنك، فبعد إيصال أطفاله إلى المدرسة وحتى الثانية ظهراً، يذهب إلى السينما ويلتقي الأصدقاء. ومن ثم فإنه كان يتحفظ على فكرة “العزلة” ويفضل أن يبقى الكاتب متصلاً بالواقع. ولا يختلف معه يوسا الذي كان يخصص للكتابة ثماني ساعات يومياً.
وكذلك يشدد ماركيز على ضرورة أن يكتب الكاتب عما حدث له وأن يستلهم شخصيات من بيئته، وتكون وسائل الراحة متوفرة له بعيداً من الصورة الرومانسية بأن يعاني الكاتب ويكون جائعاً ومضطرباً حتى يقدم كتابة جيدة.
استعمال العالم
بينما يعتبر غونتر غراس أن الكتابة تشبه النحت فعلى الكاتب أن يعمل على القطعة من كل الجوانب، وإذا غيّر شيئاً هنا فإن عليه أن يغير شيئاً هناك، وهو يكتب ما بين ثلاث إلى سبع صفحات يومياً كحد أقصى. توني موريسون تفضل أن تبدأ فجراً قبل ضجيج العالم وهي في قمة الصفاء الذهني، وتدعو الكاتب أن يكتب فقط ما يرغب في قراءته، ويطلق العنان لخياله ويستعمل العالم من حوله. أما أليس مونرو فتلتزم بالكتابة من الثامنة حتى الـ 11 صباحاً، إضافة إلى المشي يومياً. وتصل إيزابيل الليندي بالعزلة إلى 12 ساعة لا ترد فيها على الهاتف ولا تتحدث مع أحد. بينما يقسم جوليان الكتابة إلى فترتين: الأولى من الـ 10صباحاً إلى الواحدة ظهراً، والثانية من الخامسة حتى السابعة مساء. ويلخص أورهان باموق أسلوبه بالقول إن “السر في أن تكون كاتباً هو الانضباط، وأنا شخص يعمل بجد ومهووس بالعمل”، وكان يبدأ الكتابة في السابعة صباحاً ويكتب صفحتين كل يوم.
أما فوكنر فلا يؤمن كثيراً بالإلهام بل بالتعب والجهد والدأب قائلاً: “لا تكن كاتباً بل اكتب”، أو كما تقول إيزابيل الليندي بأن الانضباط يولد الإلهام. وتستغرب توني موريسون من الشباب الذين يعتبرون أن الكتابة الثانية تعني أن المسودة الأولى كانت خاطئة، وإنما القصد هو تنقية اللغة وأن نختار إيقاعاً أنسب ونصل إلى عمق أكبر، فالكتابة عملية مستمرة. والأمر نفسه يؤكده يوسا الذي لا يؤمن بالعبقرية وإنما بالمثابرة والإرادة، فعلى الكاتب أن يعمل بجد ويستمتع بما يفعله.
الاندفاع الخلّاق
لا تفضل درويس ليسنغ الكتابة الذهنية التي توازن فيها كل كلمة، بل تميل إلى السلاسة والتدفق كأن القصة هي التي تروي عليها طريقة كتابتها، وتدفعها للبوح بكل ما يدور في ذهنها. وعلى حد تعبير ساراماغو: “في اللاوعي معرفة تفوق ما نتخيله”، وهو ما يسميه ماركيز “أن يثق الكاتب بحدسه”. ولذلك يفضل غراس أن يكتب المسودة الأولى بسرعة، أما الثانية فتكون طويلة ومليئة بالتفاصيل، وفي المسودة الثالثة يحاول الحفاظ على عفوية الأولى وجوهر الثانية .
بدوره يؤكد هاندكه ما يسميه “الاندفاع الخلاق” بدلاً من الكتابة وفق نمط منضبط معد مسبقاً. ويعترف جوليان بارنز بأنه ليس ممن يخططون بصورة مسبقة ويكتفي بما يسميه “ملخصاً داخلياً” في ذهنه، ويميل إلى إعادة الكتابة مرات كثيرة. ولا يكتب باموق إلا بعد أن يصبح لديه تصور كامل للكتاب قبل تنفيذه.
تنصح دوريس ليسنغ كل كاتب شاب بأن يثق في حكمه الشخصي ويتعلم “الاستقلال الداخلي”، فالنضج ليس إلا إدراك “أن تجربتك” الفريدة والاستثنائية هي التجربة نفسها التي يتقاسمها الجميع. وربما يشبه ما طرحته ليسنغ كلام يوسا بأن تفاني وإخلاص الكاتب يجعلانه يحمل في داخله جاسوساً يراقب كل شيء.
وفيما يحتفظ بول أوستر بدفتر ملاحظات كمكان سري للتأمل والتفكير الذاتي، فإن أورهان باموق يحمل باستمرار دفاتر ملاحظات يدون فيها حتى لو لم ينشر، ويؤكد أهمية البحث والقراءة المتأنية حول الموضوع قبل صياغة قصة، مثلما فعل في دراسته لفن المنمنمات قبل كتابة روايته “اسمي أحمر”.
تأمل عميق
لا يكتفي ساراماغو بسرد حكاية مشوقة بل يبذل جهداً كبيراً في تأمل ما وراء السطور، فما يهمه هو “تصوير الهدر الحقيقي للإنسانية ذاتها”. وهذا التأمل لا يعني رسم خطة دقيقة ومسبقة للنص وإلا أصبح عملاً فاشلاً، بل يساعد في رسم خط مرن ومتعرج يراعي طبيعة القصة وتطورها. وغالباً ما تنطلق رواياته من فرضية ما مثل سؤال “ماذا لو كنا جميعاً عمياناً؟”، معتبراً أن كل رواية “فعل يائس ومحاولة عقيمة لإنقاذ شيء ما من الماضي”.
ترى توني موريسون أن المعضلة لا تكمن في سرد حكاية جيدة بل في بث الروح والحياة فيها، فلا تتحقق الكتابة الجيدة فقط من وجود خطة مرنة يسير الكاتب على هديها، بل لا بد من أن يكون منفتحاً، على حد تعبير توني موريسون، وأن يدع الشخصيات تتكلم عن نفسها حتى لو كانت ثانوية.
إن أهم تحذير تطلقه إيزابيل الليندي هو عدم نشر كتاب رديء مفرط في العاطفة والوعظ والرسائل الأخلاقية المباشرة، فلا تكون القصص عظيمة لمجرد أنها تناقش أفكاراً عظيمة بل المهم أن تترك أثراً في نفس القارئ، فيشعر كما تقول أليس مونرو “بشيء من المكافأة الداخلية”، ولهذا تكتب قصصها بكثافة شعورية هائلة.
لماذا نكتب؟
هذا السؤال المتكرر على جميع الكتّاب، يجيب عنه أورهان باموق فيقول: “أكتب لأنني لا أستطيع القيام بأعمال عادية مثل الآخرين، وأكتب لأنني أريد قراءة كتب تشبه ما أكتبه، وأكتب لأنني غاضب منكم جميعاً، غاضب من العالم بأسره، وأكتب لأنني أحب الجلوس في غرفة طوال اليوم للكتابة”.
ماذا عن دور الكاتب؟
يتصور بعضهم أن الكاتب حامل رسائل أخلاقية وعظية أو مفكر صاحب نظريات، بينما أورنداتي روي تجيب بالقول إن “دور الكاتب هو أن يكون غير محبوب، يعني أن يقول بصوت واضح ‘أنا أرفضكم’ حتى لو كنتُ وحيداً خارج القطيع”.
Independent News
مجلة 24 ساعة
