الرئيسية / صحافة ورأي / النموذج الاقتصادي الألماني من القوة الصناعية إلى الضعف.. ضرورة إعادة تشكيل مستقبل الاقتصاد الألماني

النموذج الاقتصادي الألماني من القوة الصناعية إلى الضعف.. ضرورة إعادة تشكيل مستقبل الاقتصاد الألماني

دكتور جلال قناص
دكتور جلال قناص
أستاذ مساعد في قسم المالية والاقتصاد في جامعة قطر
 
منذ انتهاء الحرب الباردة، سلّمت ألمانيا نفسها إلى نوع من «العقود الضمنية» مع حلفائها وشركائها؛ الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة الأميركية، الطاقة الرخيصة من روسيا، والأسواق الصاعدة في الصين التي تشترى سياراتها الفاخرة بشكل شبه مضمون؛ هذا النموذج (الأمني + الطاقي + التصديري) بدا لسنوات أنه يوفر لألمانيا الاستقرار والنمو، لكن اليوم، مع تغيّر «البيئة الجيو-اقتصادية»، أصبح هذا المزيج هشاً، وربّما غير مُستدام.
أولاً، من الجانب الأمني، اعتمدت ألمانيا لسنوات على حلف الناتو وعلى الوجود الأميركي في أوروبا كضمانة دفاعية «مجانية» إلى حدّ ما، ما أتاح لها التركيز على الاقتصاد والصناعة دون زيادات كبيرة في الإنفاق العسكري؛ لكن تغيّرات المشهد الجيوسياسي (تصاعد التوتر الأميركي-الصيني، أزمة أوكرانيا، إعادة ترتيب أولويات واشنطن إزاء أوروبا) تعني أن ألمانيا لم تعد قادرة على الـ«اعتماد المجاني» بالطريقة نفسها، بمعنى آخر «الأمريكيون يحموننا مجاناً» لم يعد افتراضاً قابلاً للاستمرار.
ثانياً  في مجال الطاقة، استفادت ألمانيا من إمدادات الغاز الروسي الرخيصة نسبيّاً كجزء من قاعدة صناعية قوية؛ طاقة وغاز بأسعار منخفضة تُمكّن من تشغيل المصانع والمناجم والبنى التحتية بكلفة أقل، ما عزّز تنافسية التصنيع الألماني؛ لكن مع العقوبات الغربية على روسيا وتراجع الاعتماد على الغاز الروسي، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الطاقة وارتفاع المخاطر الاستراتيجية، بات هذا المورد أقل وفرة وأعلى تكلفة، وبالتالي «الروس يبيعوننا الغاز الرخيص» أيضاً بات ماضياً.
ثالثاً، في ما يخص التصدير، أحد أعمدة القوة الألمانية هو صناعة السيارات (والمصانع الهندسية الثقيلة) التي استفادت من سوق الصين الضخمة، حيث اشترى العملاء الصينيون سيارات ألمانية فاخرة وباهظة الثمن؛ لكن اليوم تواجه ألمانيا عدة مشاكل؛ تباطؤ نمو الصين، منافسة صينية متصاعدة، تشكّك متزايد من بكين تجاه العلامات الأجنبية، وضغوط على سلسلة التوريد؛ لذا فإن «الصينيون يشترون سياراتنا الباهظة» لم يعد بالضرورة أمراً مفروغاً منه.

ما أبرز تداعيات تبدّل هذا النموذج؟

تراجع الميزة التنافسية الألمانية: الصناعات الثقيلة –السيارات، الماكينات، الكيماويات– تستفيد من طاقة رخيصة وطلبٍ خارجي قوي؛ مع ارتفاع تكاليف الطاقة، وضعف الطلب الخارجي، تواجه ألمانيا ضغطاً مزدوجاً.
إعادة التفكير في سياسة الدفاع والاعتماد الذاتي؛ ألمانيا مضطرة اليوم لرفع إنفاقها العسكري، وتقليل اعتمادها على الحماية الأميركية، ما سيؤثر على مخصصات الإنفاق العام والخصائص الاقتصادية.
تنويع الطاقة وسلاسل التوريد؛ دفع إلى تسريع الانتقال إلى الطاقة المتجددة، وتنويع مصادر الطاقة، وربما إعادة توطين الإنتاج الصناعي داخل أوروبا أو قربها.
تحوّل السوق الصيني من سوق «مُشترٍ مضمون» إلى سوق أكثر تشدّداً ومنافسة محلية أعلى، ما يتطلب من الشركات الألمانية إعادة صياغة نموذج التصدير، البحث عن أسواق بديلة، وربما خفض تكاليفها أو إعادة تحديد موقعها التنافسي.
من منظور اقتصادي-جيوسياسي، فإن ألمانيا تجد نفسها اليوم في مفترق طريق؛ الاستمرار في الاعتماد على «نموذج ما بعد الحرب الباردة» لم يعد خياراً آمناً، وإنما عليها إعادة بناء نموذج يُراعي؛ (أ) تحوّلات الأمن الدولي، (ب) أسعار الطاقة وتغيّرات الإمداد الاستراتيجي، (ج) تغيّرات القوة الشرائية والأسواق في آسيا، (د) توجهات التصنيع والتنافس العالمية.

خطوات مقترحة يمكن لألمانيا (وأوروبا) اتخاذها

تعزيز القدرة الدفاعية والتعاون الأوروبي لتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة في الحماية الأمنية.
تسريع التحول نحو الطاقة النظيفة وإبرام عقود طاقة طويلة الأجل مع شركاء متعددين لضمان أمن الطاقة والتنافسية الصناعية.
تنويع أسواق التصدير خارج الصين، وتعزيز الابتكار والريادة التكنولوجية بدل الاعتماد على مبيعات الحجم الباهظة.
دعم السياسات الصناعية التي تؤمن سلسلة توريد أقرب للمنزل (near-shoring) ولديها مزايا تنافسية عصرية (مثل الإلكترونيات والسيارات الكهربائية والبرمجيات) بدلاً من الاعتماد على تلك القديمة.
إعادة تقييم السياسات الاقتصادية والاجتماعية داخلياً (كالتعليم، والتدريب المهني، والبحث والتطوير) لتعزيز «اقتصاد المستقبل» لا «اقتصاد التقليد».
الخلاصة؛ ألمانيا لم تعد قادرة على مواصلة الاستناد إلى «النموذج الثلاثي» القديم؛ حماية مجانية من الأميركيين، غاز رخيص من الروس، وطلب صيني غير محدود لسياراتها؛ هذا الأمر يعكس تغيّرات جوهرية في الجغرافيا الاقتصادية والسياسة الدولية، ولكي تحافظ على موقعها كقوة صناعية وتنافسية، عليها إعادة بناء نموذج اقتصادي يكون أكثر مرونة، واعتماداً أقل، واستعداداً أكبر للمخاطر مع استثمارات حكومية ضخمة و جريئة في إعادة إنتاج البنية التحتية الاقتصادية المبنية على صناعة التكنولوجية الحديثة والذكاء الصناعي.
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية

شاهد أيضاً

” حين يصبح الكتاب وطنا”… شعار الدورة 40 لمعرض تونس

تحل إندونيسيا هذا العام ضيف شرف في معرض تونسللكتاب، في إطار التوجه نحو تعزيز الانفتاح الثقافي …