الرئيسية / كلمة العدد / أصدقائي من السودان

أصدقائي من السودان

في حياة كل منا أماكن وأزمنة تجمعنا بالحب فتكتسب خصوصية ببعدها الإنساني ، وأشخاص لهم مكانة وقيمة في نفوسنا وأهمية لا ننكرها ولا نخفيها. و في طفولتي إرتبطت بالمكان الذي ولدت فيه في منطقة الفيلات بحدائقها الجميلة وهدوئها في ضاحية عين شمس أو مدينة الشمس و هي أون الفرعونية التي ذكرت في التوراة والتي تعد من أهم المناطق الأثرية الفرعونية وتعتبر من أقدم العواصم في العالم، وإكتسبت أهمية كبري عبر تاريخها القديم لدورها المؤثر في الحياة الروحية لمصر القديمة لكونها المركز الرئيسي لعبادة الشمس بالإضافة الي كونها المنظم لأقدم ديانة خاصة بنشأة الكون، وأيضا هي المحرك الأول لأقدم تقويم شمسي.
الفيلا التي كنا نقطنها في ضاحية عين شمس كانت تجاور فيلا عالم المصريات والآثار الشهير د. باهور لبيب رائد الدراسات القبطية وأول مصري يحصل علي درجة الدكتوراه في الآثار، و أول مصري تعلم الهيروغليفية وتم تعيينه رئيسًا للمتحف القبطي ورئيسًا لهيئة اليونسكو لترجمة مخطوطات العارفين بالله ورئيسًا للهيئة العالمية لدراسة المخطوطات. المنطقة كان يحرسها جنود” الهجانة ” الذين يستقلون الجمال وهم من أبناء السودان. فبحكم العلاقة التاريخية بين السودان ومصر، تواجد السودانيون بالجيش المصري وشكل معظمهم سلاح الحدود وحرس الحدود وإنبثقت منهم قوة “الهجانة” . فكانت هذه أولي الأماكن التي إرتبطت بذاكرتي وشخوص الجنود السودانيين برشاقتهم ولونهم الأسمر فرأيت فيهم أبناء السودان .
وفي رحلة الحياة التي سارت دروبها بين القاهرة وبيروت ولندن وكازبلانكا، كنت واحدًا ممن ساروا فيها وتعثروا وقاموا وتعلموا، آملا أن تصير خطاي في الحياة علامة يقتفي أثرها من يجئ بعدي ويقتدي بها.
في لندن إقتربت أكثر من أبناء السودان، فكانت لي لقاءات مع أخوة سودانيين أجلاء عن طريق المدرسة الإعلامية الكبري ” هيئة الإذاعة البريطانية ” وفيها التقيت بعدد منهم أمثال الأديب الطيب صالح، صلاح أحمد، حسن عباس، أيوب صديق، إسماعيل طه والإعلامي محمد خير البدوي صاحب كتاب” قطار العمر في أدب المؤانسة والمجالسة” وهو تسجيل لمسيرة حياته وأحداث السودان السياسية والإجتماعية، وهو والد المذيعة الشهيرة زينب بدوي. إلتحق البدوي بال بي بي سي عام 1962 ثم إستقال متقاعدًا عام 1985، وتعاون معي ، مترجما ضليعا في العديد من الترجمات بأسلوبه المميز، في دار النشر والطباعة التي أسستها في لندن بشارع سان جيمس الشهير القريب من قصر باكنجهام الملكي لخدمة المؤسسات الإعلامية الكبري المهاجرة من بيروت بعد الحرب الأهلية اللبنانية، كجريدة المنار لرياض الريس والحوادث و Events لصاحبها سليم اللوزي والتضامن للصحفي والكاتب فؤاد مطر ومجلة الصياد لعائلة سعيد فريحة والاقتصاد العربي للتونسي عفيف بن يادر والديار لياسر هواري والطبعة الدولية لجريدة القبس الكويتية وجريدة الثورة العراقية وغيرها من مجلات وكتب وصحف ومطبوعات.

إسترجعت هذه المرحلة من رحلة العمر وأنا أتلقي نبأ وفاة الصديق الدبلوماسي والكاتب السياسي والمفكر د. منصور خالد الذي قدمه لي الإعلامي محمد خير البدوي لأساهم معه في إصدار بعضمن مؤلفاته . حزنت علي فقدان عمود من أعمدة التدوين الرفيع والنقد الجرئ للتاريخ السياسي السوداني، فقد وضع آرائه وأفكاره في مجلدات ضخمة تمثل ثروة لأجيال، كتب منها ” حوار مع الصفوة “، ” ولاخير فينا إن لم نقلها”، و” السودان والنفق المظلم ” و ” الفجر الكاذب “.
وكما نعاه رئيس وزراء السودان عبدالله حمدوك: ” د. منصور خالد ظل طوال حياته مشغولًا بالبذل والعطاء العملي والنظري، فشغل مواقع سياسية ودبلوماسية في السودان والمنظمات الدولية، كما قدم إنتاجا فكريًا سيظل من أرقي وأعظم ماكتب في التاريخ السياسي السوداني ” .
كان لقائي الأول بمقر شركتي مع الصديق جميل الطباع، دمث الخلق، الأنيق في مظهره ، كان في كامل أناقته علي الطراز الغربي حريصًا علي وضع منديل متدلي من جيب ” بذلته ” ، متجانسا مع ألوان ملابسه، وعطرا له أريج يملأ أرجاء المكان، حاملا في يده نصوص كتابه ” لا خير فينا إن لم نقلها ” حول الوضع السياسي في السودان في الفترة مابين 1978 – 1980 ، لنشره علي نفقته ومساعدته في التوزيع.
ربطتنا صداقة إستمرت ولقاءات تتجدد كلما زار لندن قادما من نيويورك أو چنيف أو الخرطوم، سواء في مكتبي و صالوناتهSaint James Clubأو في مقر إقامته المفضل علي بعد خطوات مني بفندق ونادي سان جيمس
الفاخرة والذي يتمتع بعضويته الكثير من المشاهير، حيث قضينا ساعات وأيام من الليالي الدافئة للنادي الشهير
في قلب العاصمة البريطانية نتجاذب الحديث.
كانت حواراته دائما غير عادية ومنطقية وغنية بعبق معلوماته الغزيرة وقراءته المتعمقة في كل النواحي الثقافية والإجتماعية والسياسية.
كان متمردًا مستخفا ببعض سياسات حكومة الشمال بعد إتفاق السلام، وبالقوانين والأحكام ومنها قانون يهتم بالمرأة وزيها وسلوكها في الشارع العام، ويرفض أن يكون زيها إسلاميا محتشما! معلقا متهكما:
” بهذا القانون .. كل الجدات والأمهات غير محترمات .. من وضع هذا القانون شهواني” مستشهدا بأحد أبطال رواية الطيب صالح الشهيرة ‘ موسم الهجرة الي الشمال’ التي تصف أحد شخوص الرواية بأن” عقله في رأس ذكره”. هذا مجرد نموذج لحوارات بيننا إستمرت ساعات علي مدي السنين.
إستمرت الصداقة بيننا وخلالها عرفني علي زملائه بالدراسة في كلية الحقوق بجامعة الخرطوم، ومنهم النائب العام وقتها حسن الترابي والذي كان نزيهًا عفيف اليد، رفض أن يقبل مني علبتي كروت شخصية كان قد طلبها دون أن يسدد ثمنها رغم أني قد كنت تعاقدت معه علي طباعة مجلدات قوانين السودان.
والشخصية الثانية التي تعرفت عليها هو قاضي قضاة السودان خلف الله الرشيد بأخلاقه التي تشع منها طهارة الأنبياء والقديسين وبساطة العلماء والفلاسفة والمفكرين.
جمعني بكل هؤلاء الحب الذي يجمع البشر أكثر مما يفرقهم، فارقوني وبقيت ذكراهم، وأنا استودع آخر الرجال المحترمين من الشقيقة السودان الصديق الغالي د. منصور خالد.

مودي حكيم

شاهد أيضاً

اللَّتّ والعجن الإعلامي !

  فجأة..وبعد فترة هدوء، واستراحة إعلامية..أثير مرة أخرى، موضوع قضايا التمييز ضد المرأة ، فنشطت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.