الرئيسية / صحافة ورأي / قطر ومفارقة الوسيط المستهدف

قطر ومفارقة الوسيط المستهدف

نافجة صباح البوعفرة الكواري
نافجة صباح البوعفرة الكواري
أستاذة مساعدة في قسم الشؤون الدولية بجامعة قطر.

في 9 سبتمبر/أيلول 2025، حين شنت طائرات إسرائيلية غارة على مجمع سكني في منطقة لقطيفية/الخليج الغربي، كان يضم قيادات من المكتب السياسي لحركة حماس اجتمعت لدراسة مقترح أمريكي لوقف إطلاق النار في غزة، بدا المشهد آنذاك وكأنه استثناء غير مألوف في تاريخ الوساطة، دولة تستضيف مفاوضات برعاية أمريكية مباشرة، ثم تجد أراضيها مستهدفة من حليف إستراتيجي للراعي نفسه.

غير أن مرور عام على تلك الغارة، وما شهده من تطورات متلاحقة، ينقل الحادثة من كونها واقعة أمنية منفردة إلى حالة جديرة بالدراسة لفهم موقع الدولة الوسيطة في نظام إقليمي ودولي آخذ في التصدع. فقطر، التي فقدت ستة من مواطنيها ومقيميها في تلك الغارة، من بينهم عنصر في قوة الأمن الداخلي، وجدت نفسها، خلال اثني عشر شهرا، هدفا لضربات صاروخية وهجمات بالمسيّرات من إيران، في أعقاب اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على طهران في 28 فبراير/شباط 2026.

وهكذا، أصبحت الدوحة أمام مفارقة غير مسبوقة: دولة وسيطة تتقاطع فوق أراضيها نيران معسكرين متحاربين، فيما يطلب منها، في الوقت ذاته، مواصلة أداء دور الوسيط في عدد من أكثر الملفات الإقليمية تعقيدا. ومن هنا تبرز الإشكالية الأساسية: كيف يمكن تفسير هذا التزامن بين استهداف الوسيط والاعتماد المتزايد على وساطته؟ وما الذي تكشفه هذه المفارقة عن حدود الحصانة الدبلوماسية للدول الوسيطة في النزاعات المعاصرة؟

حين يُقصف مقر التفاوض

لم تكن غارة سبتمبر/أيلول 2025 ضربة عابرة، بل مثلت استهدافا مباشرا لمسار تفاوضي كانت الدوحة تضطلع بدور محوري في رعايته، إذ كان الاجتماع المستهدف مخصصا لدراسة مقترح أمريكي لوقف إطلاق النار. وهذا البعد تحديدا هو ما منح الحادثة دلالة تتجاوز حدودها الأمنية، وجعل رد الفعل الدولي عليها لافتا في حدته واتساعه.

ففي 11 سبتمبر/أيلول 2025، أصدر مجلس الأمن الدولي بيانا صحفيا حظي بموافقة أعضائه الخمسة عشر، بمن فيهم الولايات المتحدة، الحليف الأقرب لإسرائيل، أدان فيه الضربات التي استهدفت أرض دولة تضطلع بدور الوسيط الإقليمي، في موقف يعكس توافقا دوليا على ضرورة حماية مساحة الوساطة من امتداد العمليات العسكرية إليها، متجاوزا بذلك الانقسامات المعتادة داخل المجلس.

وأعقب ذلك تحرك عربي-إسلامي جماعي لافت في سرعته ومستواه، إذ استضافت الدوحة، في 15 سبتمبر/أيلول 2025، قمة عربية-إسلامية طارئة جمعت قادة وممثلي الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، وصدر عنها موقف اعتبر الاستهداف تهديدا يتجاوز الاعتداء على دولة بعينها ليطال مبدأ الوساطة والعمل الدبلوماسي ذاته.

وبالتوازي مع المسار السياسي، تحركت قطر على المستوى القانوني من خلال التواصل مع المحكمة الجنائية الدولية، في مسعى إلى توثيق الانتهاك وبحث سبل المساءلة، بما يعكس توجها نحو نقل الحادثة من نطاق الإدانة السياسية الآنية إلى محاولة بناء أساس قانوني يعزز حماية الدولة الوسيطة ويحد من إمكانية استهدافها مستقبلا.

ففي 11 سبتمبر/أيلول 2025، أصدر مجلس الأمن الدولي بيانا صحفيا حظي بموافقة أعضائه الخمسة عشر، بمن فيهم الولايات المتحدة، الحليف الأقرب لإسرائيل، أدان فيه الضربات التي استهدفت أرض دولة تضطلع بدور الوسيط الإقليمي، في موقف يعكس توافقا دوليا على ضرورة حماية مساحة الوساطة من امتداد العمليات العسكرية إليها، متجاوزا بذلك الانقسامات المعتادة داخل المجلس.

وأعقب ذلك تحرك عربي-إسلامي جماعي لافت في سرعته ومستواه، إذ استضافت الدوحة، في 15 سبتمبر/أيلول 2025، قمة عربية-إسلامية طارئة جمعت قادة وممثلي الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، وصدر عنها موقف اعتبر الاستهداف تهديدا يتجاوز الاعتداء على دولة بعينها ليطال مبدأ الوساطة والعمل الدبلوماسي ذاته.

وبالتوازي مع المسار السياسي، تحركت قطر على المستوى القانوني من خلال التواصل مع المحكمة الجنائية الدولية، في مسعى إلى توثيق الانتهاك وبحث سبل المساءلة، بما يعكس توجها نحو نقل الحادثة من نطاق الإدانة السياسية الآنية إلى محاولة بناء أساس قانوني يعزز حماية الدولة الوسيطة ويحد من إمكانية استهدافها مستقبلا.

ففي 11 سبتمبر/أيلول 2025، أصدر مجلس الأمن الدولي بيانا صحفيا حظي بموافقة أعضائه الخمسة عشر، بمن فيهم الولايات المتحدة، الحليف الأقرب لإسرائيل، أدان فيه الضربات التي استهدفت أرض دولة تضطلع بدور الوسيط الإقليمي، في موقف يعكس توافقا دوليا على ضرورة حماية مساحة الوساطة من امتداد العمليات العسكرية إليها، متجاوزا بذلك الانقسامات المعتادة داخل المجلس.

وأعقب ذلك تحرك عربي-إسلامي جماعي لافت في سرعته ومستواه، إذ استضافت الدوحة، في 15 سبتمبر/أيلول 2025، قمة عربية-إسلامية طارئة جمعت قادة وممثلي الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، وصدر عنها موقف اعتبر الاستهداف تهديدا يتجاوز الاعتداء على دولة بعينها ليطال مبدأ الوساطة والعمل الدبلوماسي ذاته.

وبالتوازي مع المسار السياسي، تحركت قطر على المستوى القانوني من خلال التواصل مع المحكمة الجنائية الدولية، في مسعى إلى توثيق الانتهاك وبحث سبل المساءلة، بما يعكس توجها نحو نقل الحادثة من نطاق الإدانة السياسية الآنية إلى محاولة بناء أساس قانوني يعزز حماية الدولة الوسيطة ويحد من إمكانية استهدافها مستقبلا.

مفارقة الوسيط كهدف

بعد مرور عام، يتكشف نمط متكرر يستحق أن يدرس بوصفه ظاهرة قائمة بذاتها في أدبيات الوساطة، فالدولة التي تبني جانبا من مكانتها بقدرتها على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة بين أطراف متحاربة، قد تجد نفسها، في لحظات التصعيد، وقد انتقلت من مساحة لإدارة الصراع إلى مساحة يمتد إليها الصراع نفسه، رغم أنها ليست طرفا أصيلا فيه.

فقطر لم تُستهدف لأنها تخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل أو إيران، وإنما جاء استهدافها في سياق الدور الذي تؤديه وموقعها داخل شبكة التفاعلات الإقليمية، من استضافة أطراف التفاوض في الحالة الإسرائيلية إلى الانخراط في جهود احتواء التصعيد الإقليمي في الحالة الإيرانية.

ويكشف ذلك أن الحصانة التي يفترض أن يوفرها موقع الوسيط، بوصفه فاعلا يسعى إلى إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة، لم تعد مضمونة تلقائيا في بيئة إقليمية تتآكل فيها الحدود الفاصلة بين الدبلوماسية والعمليات العسكرية.

وهنا تبرز أهمية التحوط الإستراتيجي في تفسير السلوك القطري، فالتحوط لا يعني الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف بقدر ما يعني تجنب الارتهان لمسار واحد، والحفاظ على شبكة متنوعة من العلاقات والقنوات التي تسمح للدولة بتوزيع المخاطر وتوسيع خياراتها عندما تتغير موازين القوة أو ترتفع مستويات التصعيد.

ومن هذا المنظور، يمكن قراءة استمرار قطر في الوساطة، حتى بعد تعرض أراضيها للاستهداف، باعتباره امتدادا لهذا المنطق، فبدل أن يؤدي ارتفاع الكلفة الأمنية إلى إغلاق قنوات الاتصال أو الانحياز الكامل إلى أحد المعسكرات، استمرت الدوحة في الحفاظ على قدرتها على التواصل والتحرك بين أطراف متعارضة، مع تعزيز الضمانات والشراكات الأمنية التي تقلل من مخاطر هذا الانفتاح.

وبذلك تتحول الوساطة نفسها إلى أحد مكونات التحوط الإستراتيجي، فهي لا تمنح الدولة نفوذا دبلوماسيا فحسب، بل تحافظ أيضا على تعدد الخيارات وتمنع حصر سياستها الخارجية في علاقة أو محور واحد.

وفي هذا السياق، فإن استمرار قطر في أداء دورها وتحقيق تقدم في بعض المسارات التفاوضية، ومن ذلك الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة غزة، يكشف عن معادلة أكثر تعقيدا، فبالنسبة إلى الدوحة والقوى الكبرى التي تعتمد على وساطتها، تبدو كلفة التخلي عن هذا الدور أعلى من كلفة تحمل مخاطره الأمنية المتزايدة.

ومن هذا المنظور أيضا، يمكن فهم استجابة واشنطن للضربة الإسرائيلية بتقديم ضمانة أمنية غير مسبوقة، تمثلت في الأمر التنفيذي رقم (14353)، بدلا من الاكتفاء بالإدانة السياسية، إذ بات الحفاظ على قدرة قطر على مواصلة دورها في الوساطة يمثل مصلحة إستراتيجية أمريكية تتجاوز حماية دولة شريكة إلى حماية وظيفة دبلوماسية يصعب الاستغناء عنها في إدارة أزمات المنطقة.

لكن التجربة القطرية تكشف في الوقت نفسه حدود التحوط ذاته، فكلما اتسعت شبكة العلاقات التي تمنح الوسيط قدرته على الحركة، اتسعت معها مساحة تعرضه لتداعيات الصراعات التي يسعى إلى احتوائها.

وهنا تظهر مفارقة التحوط والوساطة معا، العلاقات المتعددة تقلل مخاطر الارتهان لطرف واحد، لكنها لا تمنع بالضرورة انتقال مخاطر الصراع إلى الدولة الوسيطة نفسها. ومن هنا تبرز إشكالية تتجاوز الحالة القطرية إلى مستقبل الوساطة ذاتها:

هل تكفي إستراتيجية التحوط، مدعومة بضمانات أمنية ثنائية، لحماية دولة وسيطة تتحرك عند تقاطع مصالح قوى متعددة ومتصارعة؟ أم إن استدامة هذا الدور تستلزم الانتقال من قدرة الوسيط على إدارة المخاطر إلى مسؤولية النظام الدولي عن تحصينه منها، عبر بناء إطار أوسع يقنّن حصانة الأرض الوسيطة بوصفها مبدأ سابقا على اندلاع الأزمات وملزما لأطرافها، لا مجرد قاعدة يعاد التذكير بها بعد انتهاكها؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

شاهد أيضاً

نافذة صغيرة تطل على مخاوف العصر في البندقية

هوفيك حبشيان   في “ملجأ” الذي عرض أمس في مسابقة مهرجان البندقية السينمائي (2-12 الجاري)، يعرف …