الرئيسية / صحافة ورأي / نافذة صغيرة تطل على مخاوف العصر في البندقية

نافذة صغيرة تطل على مخاوف العصر في البندقية

في “ملجأ” الذي عرض أمس في مسابقة مهرجان البندقية السينمائي (2-12 الجاري)، يعرف المخرج الفرنسي فلوريان زيلر الآتي من المسرح، كيف يقلب حدثاً بسيطاً إلى لحظة تحمل داخلها علامات على تصدع أعمق: نافذة، لوحة، ثم ملجأ يفترض أن يكون أكثر الأماكن أمناً.

المهندس الذي يجسده خافيير باردم رجل ناجح ومكرس وذائع الصيت دولياً، يعيش في عالم يبدو محصناً من الخارج. زوجته، التي تؤديها بينيلوبي كروز، تعمل في دار نشر وتسعى إلى موقع مهني أفضل. حياتهما مريحة وبيتهما جميل ومظهرهما جذاب، لكن هناك خللاً ما يطاولهما، والفيلم سيتناوله تدريجاً بداية من خلال ومضات ثم بلا مواربة. الزوج يرى التهديد في النافذة التي فتحها الجار، وفي كل ما يمكن أن يقترب من عالمه الخاص. وحين يعرض عليه تصميم ملجأ فاخر لأحد أباطرة التكنولوجيا في العالم (نوع من مارك زوكربيرغ على إيلون ماسك)، مقابل ثروة طائلة، يجد نفسه أمام اختبار أخلاقي: هل يمكن بناء جدار يفصل الثري عن الفوضى التي يخشاها والتي أسهم فيها ربما؟ هذا السؤال لا يخطر في بال المهندس النجم، لولا إصرار زوجته على إعادة تقييم مشروع كهذا، انطلاقاً من موقفها السياسي والإنساني، ومن تلك اللحظة سيغرق الفيلم في صراعين داخلي وخارجي يستحضر ملامح عالمنا الحالي.

زيلر جاء بالفكرة بعدما قرأ عن مشروع لبناء ملجأ ضخم تحت الأرض في هاواي، مستوحى من هواجس أصحاب الثروات الهائلة تجاه انهيار العالم. ما أدهشه، كما يقول، أن الرجل الذي صنع ثروته (زوكربيرغ) من ربط البشر بعضهم ببعض، كان يستعد في الوقت نفسه لخطة بديلة تقطع صلته بالبشرية كلها. بالنسبة إلى زيلر، تختصر هذه المفارقة شيئاً أساساً في عصرنا: “حماقة الثروة القصوى”، أي الاعتقاد بأن المال يستطيع شراء الوقت والصحة والأمان، لذلك لم يرد مجرد تعليق سياسي على وضع العالم، وإنما “تجربة تعاش من خلال عيني زوجين”.

الملجأ الذي يقترح على المهندس والذي سيتردد طويلاً إزاء توليه، قبل أن يوافق على التواصل مع الملياردير عبر الزوم، هو في الواقع أكثر من منشأة مضادة للكوارث، إنه صورة مكبرة عن المجتمع الذي يعيش فيه أصحابه، حيث كل شيء قابل للحساب والتوزيع، حتى الهواء. وفي لحظة شديدة القسوة، قد يصبح الأوكسيجين نفسه امتيازاً يمكن التحكم في توزيعه، مما يشير إلى أن النظام الطبقي الذي يحكم العالم يستطيع أن يرافق البشر إلى ما تحت الأرض أيضاً.

حماية تحتاج إلى حماية

لا يقدم زيلر أثرياءه كوحوش، وهذا مهم، فهم ليسوا شخصيات شريرة بالمعنى التقليدي، لكنهم بشر أصابهم الخوف حتى صار جزءاً من أسلوب حياتهم. يريدون حماية ما يملكونه، ثم يكتشفون أن الحماية في ذاتها تحتاج إلى مزيد من الحماية، حتى العلاقة الزوجية تخضع لمنطق الشراء والاستبدال. ثمة رغبة لدى الزوجة في استعادة شيء من الحميمية التي فقدها الزواج، وتعبر عنها في الفيلم، لكن الزوج، العاجز عن الاقتراب منها عاطفياً، يحاول التعويض عن ذلك بشراء لوحة تذكر الزوجة بما كانت عليه علاقتهما عند بدايتها.

من اللافت أن زيلر كتب السيناريو انطلاقاً من الثنائي باردم وكروز، لم تكن لديه شخصيات ثم بدأ يبحث عن ممثلين، كان أولاً يتخيل الزوجين معاً على الشاشة، قبل أن تتشكل الحكاية. يستحضر “عيون مغمضة على اتساعها” لستانلي كوبريك، حيث يصبح حضور زوجين حقيقيين (توم كروز ونيكول كيدمان) داخل زواج متخيل لعبة بين الواقع والتمثيل. ما يهمه هو تلك المنطقة الملتبسة التي لا نعود فيها متأكدين مما نشاهده: هل هي خيال أم نسخة أخرى من الحقيقة؟ هذه اللعبة تصبح مرغوبة لأن باردم وكروز لا يحتاجان إلى اصطناع تاريخ مشترك، هما زوجان في الحياة، ويؤديان هنا زوجين على حافة الانفصال.

من داخل هذه العلاقة الخاصة يقفز الفيلم نحو عالم كامل من المخاوف المعاصرة: الفردانية، والقلق من المستقبل، واتساع اللامساواة الاجتماعية، وهي كلها، بحسب زيلر، حاضرة في الفيلم، لكن أفضل ما فيه أنها تمر عبر تفاصيل الحياة اليومية، عبر الزواج والغيرة والمال والخوف والرغبة في السيطرة.

تصريحات باردم وكروز السياسية أمس خلال المؤتمر الصحافي بدت امتداداً طبيعياً للفيلم وما يرويه. قالت كروز إن عدم الحديث في السياسة سيكون “متناقضاً جداً” بالنسبة إلى ممثلة تشارك في فيلم مثل “ملجأ”، فيما رأى باردم أن الأمر لا يتعلق بكون الإنسان فناناً أو ممثلاً أو سباكاً أو سائق تاكسي، إذ إن لكل شخص الحق في التعبير عن الحقيقة التي يراها مهمة.

لكن على رغم كثير من اللحظات الجميلة والملهمة، فإن “ملجأ” يقع في الفخ الذي كان يمكن أن يتجنبه، طوال معظم الفيلم يركن زيلر إلى لغة السينما، لكن في الدقائق الأخيرة، ينسف كل شيء، ربما بعد شعوره الخاطئ بأن المشاهد لم يفهم، فيأتي التعليق الصوتي الذي يقوله باردم ليشرح، بكلمات، ما كانت الصورة قد نقلته بذكاء. إنها لحظة خطابية قصيرة، لكنها تكشف حدود الفيلم. حين يشرح الفيلم فكرته بعدما أوصلها، وذلك في محاولة لتلخيصها، يفقد شيئاً من الغموض الذي كان يمنحه قوته، وهذا للأسف الشديد.

Independent News

شاهد أيضاً

حل مفارق … الذكاء الاصطناعي خطر وجودي أم فرصة واعدة

إن السعي إلى تحقيق الذكاء الفائق ليس مجرد سباق محموم وراء المكاسب المالية. ففي نظر …