الرئيسية / صحافة ورأي / حوكمة السعادة.. معايير جديدة لجودة الحياة

حوكمة السعادة.. معايير جديدة لجودة الحياة

زياد الجارد
زياد الجارد
رجل أعمال سعودي
 
القدية حُلم سعودي يشبه الخيال، لكنه يُدار بروح معاصرة وإتقان يليق برؤية تصنع المستقبل، فهي لا تسعى لأن تكون نسخة من ديزني، بل تمثل مستقبل الترفيه على الطريقة السعودية، حيث يلتقي الإبداع بالهوية، والرياضة بالترفيه، في تجربة متكاملة تروي قصة وطن.
 
ومع ذلك، لا يمكن الحديث عن صناعة الترفيه الحديثة دون المرور بتجربة ديزني، تلك المؤسسة التي أرست معايير الإتقان في كل تفصيل، وأثبتت أن الترفيه ليس نشاطاً عابراً، بل صناعةً للبهجة وبناءً للانتماء.
فعندما تزور ديزني لاند، تُدرك أن المكان لا يبيع تذاكر فحسب، بل يبيع سعادة وتجربة متكاملة، من ابتسامة الموظف إلى نظافة الممرات، كل تفصيل هناك يروي قصة كتبتها ديزني بإتقان منذ عام 1955م.
فلسفة ديزني بسيطة لكنها عميقة، تلخصها عبارة جوهرية «أسعد الناس، والباقي سيأتي تلقائياً».
هذه الفلسفة جعلت من كل موظف في ديزني، من بائع التذاكر إلى عامل النظافة، جزءاً من العرض لا مجرد موظف يؤدي مهام، بل سفيراً للتجربة وصانعاً للسعادة.
لم يكن اختيار المسميات شكلياً، فـ«أعضاء الطاقم» و«خدمات الضيوف» هما تأكيد على أن الجميع جزء من العرض، وأن صناعة السعادة ثقافة يتبناها كل موظف.
لقد حوّلت ديزني القيم إلى نظام تشغيل، والسعادة إلى نموذج إداري، والحوكمة إلى ثقافة يومية.
وهنا يكمن سر عبقريتها: إدارة ترى في التفاصيل قوة، وفي الإنسان محوراً للتجربة.
فما الذي يمكن أن نتعلمه من هذه التجربة؟
يمكن للشركات السعودية، خصوصاً المتوسطة والصغيرة، أن تستفيد من فلسفة ديزني الإدارية بجعل العميل في مركز كل قرار، وتمكين الموظف ليكون سفيراً للتجربة، وإضفاء روح إنسانية على بيئة العمل تترجم في التفاصيل اليومية.
فحين تجعل يوم عميلك أفضل، تبدأ رحلتك نحو فلسفة ديزني بطريقتك الخاصة.
هذه الفلسفة نجد صداها اليوم في مبادرات هيئة السياحة السعودية، التي أعادت تصميم تجربة الزائر لتُجسد القيم الوطنية والهوية السعودية.
نجاح ديزني لم يُبنَ على منتج يُباع، بل على تجربة تُعاش.
من أول زيارة لطفل في الخمسينيات الميلادية إلى جد يصحب حفيده اليوم للمكان نفسه، تتغير التفاصيل ويبقى الإحساس ذاته «استدامة المشاعر قبل استدامة الأرباح».
كل جيل يورّث الجيل الذي بعده جزءاً من ذاكرته الجميلة في المكان، فيتحول الترفيه إلى تراثٍ عاطفي، وهذا هو سر ديزني الحقيقي.
ديزني تُجدد نفسها باستمرار، فتبدو جديدة في الشكل، قديمة في الإحساس، وأصيلة في الجوهر، ونموذجاً في الابتكار المنظّم والتغيير المتوازن.
وهذا النجاح لم يكن ليحدث دون مجلس إدارة يقود بإتقان وشفافية، ومنظومة حوكمة تحافظ على روح المؤسسة عبر الأجيال.
فلسفة ديزني ليست حكراً على عالم الترفيه، بل هي درس في القيادة والثقافة المؤسسية، تماماً كما تُلهمنا رؤية السعودية 2030 في تحويل القيم إلى ممارسة، والطموح إلى واقعٍ مستدام.
فالاستدامة ليست أن تعيش طويلاً فحسب، بل أن تبقى محبوباً من جيل إلى جيل.

تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية

شاهد أيضاً

كوليت خوري بين الريادة والمرجعيات الثقافية ومجهر النقد

شهدت مرحلة الخمسينيات في سورية بعد التحرر من الانتداب الفرنسي عام 1946 نمواً واضحاً في الأشكال الفنية …