يحدق من اللوحة بعينين ثاقبتين، ورأسه الأصلع تحاوطه خصلات شعر رملي اللون أكثر كثافة مما عُرف عنه في سنواته اللاحقة، وجسد أكثر رشاقة مما كان عليه في أواخر حياته. لكن صلابة الفك وملامحه الشبيهة بكلب البلدغ لا تخطئها العين: إنه ونستون تشرشل، الزعيم ورجل الدولة العظيم في زمن الحرب في بريطانيا، يخلد نفسه في صورة ذاتية نادرة من عام 1915.
تستقبل هذه اللوحة زوار القاعة الأولى في معرض جديد تقيمه مجموعة والاس، مكرس للممارسة الفنية التي لازمت تشرشل داخل السلطة وخارجها، وكانت له بلسماً نفسياً ومتنفساً من أعباء السياسة والحكم. وربما أدت لوحاته أيضاً دوراً في قوته الناعمة، إذ كان يهديها إلى حلفائه في زمن الحرب وأصدقائه السياسيين. ويقدم المعرض تشرشل بوصفه سياسياً وكاتباً وفناناً في آن، وهي صورة بدا بوريس جونسون لاحقاً حريصاً على تقليدها.
دخل تشرشل عالم الرسم متأخراً، في سن الأربعين عام 1915، بتشجيع من زوجة شقيقه، خلال فترة إقصائه السياسي بعد فشل حملة غاليبولي في الحرب العالمية الأولى. وسرعان ما بعث الرسم فيه نشاطاً جديداً، فتلقى التوجيه والتشجيع من صديقه رسام البورتريه السير جون لافيري، الذي حثه على الرسم في الهواء الطلق. وعندما عاد إلى الخدمة العسكرية عام 1916 برتبة مقدم في فوج “رويال سكوتس فوسيلييرز”، رسم في ساحة القتال في بلوغستيرت ببلجيكا، قبل أن يعود إلى بريطانيا وإلى قلب الحياة السياسية.
بدأت أعماله الأولى بمشاهد داخلية وطبيعة صامتة في قصر بلينهايم، مسقط رأسه، وبمناظر طبيعية رسمها في منازل أصدقائه وفي منزله الريفي “تشارتويل” الذي اشتراه عام 1922. ثم أخذت لوحاته تفسح المجال لألوان أكثر حيوية وجرأة، استلهمها من إيطاليا وفرنسا والمغرب. وبعد لافيري، طلب تشرشل مزيداً من الإرشاد الفني من ويليام نيكلسون ووالتر سيكرت، وتعلم منهما، بين أمور أخرى، استخدام جهاز عرض لإسقاط الصورة على القماش قبل رسمها.
كتب تشرشل عن متعة الرسم وصعوباته في مقالات نشرها عامي 1921 و1922، ثم جُمعت لاحقاً في كتاب “الرسم كهواية” الصادر عام 1948. ومع ذلك، ظل ينظر إلى لوحاته بتواضع، واصفاً إياها بأنها “لطخات”، حتى إنه قدم بعضها بأسماء مستعارة إلى معرض تجاري في باريس عام 1921، ثم إلى الأكاديمية الملكية عام 1947.
وتحتل لوحة “برج مسجد الكتبية” موقع الصدارة في المعرض. فهي اللوحة الوحيدة التي أنجزها تشرشل خلال ولايته الأولى رئيساً للوزراء في الحرب العالمية الثانية. رسمها وأهداها إلى الرئيس الأميركي فرانكلين دي روزفلت تخليداً لمؤتمر الدار البيضاء الحاسم، بعدما أصر على أن يُحمل حليفه، الذي أقعده شلل الأطفال، إلى سطح فيلا لمشاهدة إطلالة مراكش. وانتقلت اللوحة لاحقاً إلى ملكية أنجلينا جولي، قبل أن تبيعها في مزاد لدار كريستيز عام 2021 مقابل 8.28 مليون جنيه استرليني، في رقم قياسي لأعمال تشرشل الفنية.
يقول خافيير براي، مدير مجموعة والاس والمشارك في إعداد المعرض مع لوسي ديفيس: “أدركت أن هناك حكاية تستحق أن تُروى”. وبدأت فكرة المعرض خلال زيارة إلى مرسم تشرشل في “تشارتويل” أثناء جائحة كورونا، حين فوجئ بقوة الألوان والتكوينات والأماكن التي استعادها تشرشل في لوحاته. وتأتي الأعمال المعروضة من “تشارتويل” ومن مجموعات خاصة، إضافة إلى مكتبة أيزنهاور الرئاسية.
لا تربط تشرشل بمجموعة والاس أي صلة، وهو ما لا يخفيه براي حين يقول إن “الأكاديمية الملكية هي المكان الذي كان ينبغي أن ينظم معرضاً عنه”، ففيها قُبل عضواً عام 1948، كأول هاوٍ ينال هذا التكريم، وهي التي أقامت معرضاً شاملاً لأعماله عام 1959. ومع ذلك، يرى براي، بعدما اختار 60 عملاً من أصل نحو 600 لوحة رسمها تشرشل، أن أفضل أعماله تكشف عن موهبة فنية لا يمكن تجاهلها. ويقول: “قدمتُه من خلال أقوى أعماله. أما اللوحات الضعيفة فهي ضعيفة فعلاً، لكنها ضعيفة بطريقة مثيرة للاهتمام”.
أما فيليب مولد، تاجر الأعمال الفنية وصاحب المعارض والكاتب والإعلامي، فيرى أن المعرض يقدم أخيراً قراءة أوسع لتشرشل الرسام، بعدما ظل يُنظر إليه طويلاً بوصفه “هاوياً مشهوراً أكثر منه فناناً جاداً”. فشهرة تشرشل العالمية المبكرة أتاحت له أن يضم إلى دائرته فنانين مثل لافيري ونيكلسون، وأن يتعلم منهم مباشرة. ومن هنا يرصد المعرض تطور رجل علّم نفسه بنفسه، وكان شديد الشغف بما يفعل.
ويضيف براي: “كان محافظاً، لكنه أحب فناني ما بعد الانطباعية، وكان يعرف سيزان ويمتلك لوحة لمونيه. لكنه لم يكن حداثياً، فلم يكن يرى في بيكاسو فناناً عظيماً”. والمفارقة أن بيكاسو نفسه، عندما شاهد لوحة “لا دراغونيير” عام 1948، وهي معروضة أيضاً في هذا المعرض، قال إن تشرشل “ما كان ليجد صعوبة في كسب رزقه” رساماً، لو لم يكن مشغولاً بإنقاذ أوروبا من الفاشية.
لكن هل يمكن الحكم على موهبة تشرشل الفنية بمعزل عن مكانته العالمية؟ يقول مولد: “غالباً ما تكون شهرة الشخص جزءاً من الطريقة التي تُقدَّر بها قيمة الفنانين. وخلال الأعوام الـ50 الماضية، تغير الفن جذرياً، ولم يعد الحكم على الرسم والرسامين قائماً بالضرورة على المهارة التقنية. الناس يريدون اقتناء شيء من الشخص نفسه، كما في تقليد أقدم بكثير هو اقتناء الآثار المقدسة”.
ويقول مولد إن تشرشل استخدم الفن لتخفيف ضغوط القيادة ومقاومة ميله إلى الاكتئاب، “كي يمحو ما يثقل ذهنه، ويستعيد توازنه، ويعيد ضبط نفسه”. ويضيف: “هذه رسالة مهمة جداً: لقد استخدم ونستون تشرشل الفن علاجاً نفسياً. بل أذهب إلى أبعد من ذلك وأقول إن الخطر النازي ربما كان سينتصر لولا ما منحه الفن لتشرشل من فوائد”.
ويرى براي أن تشرشل كان أيضاً شغوفاً بالرسم، وأراد أن يشارك الآخرين المتعة التي وجدها في هذه الحرفة، وأن يشجعهم على ملاحقة ما يمنحهم البهجة. ومن خلال تقديم نفسه بوصفه هاوياً متواضعاً، كما كان يفعل عندما يتحدث عن مهارته في البناء بالطوب، بدا أقرب إلى الناس وأكثر بساطة.
ويضيف براي أنه بعد خسارة تشرشل السلطة عام 1945، وقبل عودته إلى رئاسة الوزراء عام 1951، “كادت تتشكل حملة دعائية حول صورته كرسام”. ويرى أن تشرشل أراد عبر هذه الصورة أن يقول إنه أسهم في صنع سلام ازدهرت في ظله الفنون، وأن يؤكد لنفسه وللرأي العام أنه “ليس مجرد سياسي متقاعد”. وفي فيلم ميل بروكس “المنتجون”، يرفض النازي الهستيري فرانز ليبكيند وضع تشرشل في مرتبة هتلر، قائلاً: “هتلر، ذلك كان رساماً. كان يستطيع طلاء شقة كاملة في ظهيرة واحدة! وبطبقتين من الدهان”.
ينجح معرض والاس في تقديم حجة مقنعة عن تشرشل بوصفه “هاوياً” موهوباً، على حد وصف إرنست غومبريتش، وفي الدفاع عن فكرة أن يكون للسياسي عمق ثقافي خاص يعتز به. فقد استلهم كل من دوايت أيزنهاور وجورج دبليو بوش الرسم من تشرشل، بينما يبدو توني بلير وكير ستارمر شبه محرجين من اهتمامهما بالموسيقى.
أما بوريس جونسون، فيتحدث أصدقاؤه عن شغفه بالرسم، وهو شغف تعلمه من والدته الفنانة. غير أن منتقديه يرون أنه تعمد الظهور أمام حامل رسم عام 2021 لاستدعاء المقارنة مع تشرشل، وأن حديثه إلى “بي بي سي” عام 2019 عن رسم حافلات على صناديق النبيذ كان محاولة لإرباك نتائج البحث على الإنترنت المتعلقة بحافلة “وعد بريكست” السيئة الصيت. فهل سنرى يوماً معرضاً كبيراً لأعماله الفنية، أو لأعمال أي رئيس وزراء آخر؟ أشك في ذلك.
يُقام معرض “ونستون تشرشل: الرسام” في مجموعة والاس من الـ23 من مايو (أيار) إلى الـ29 من نوفمبر (تشرين الثاني).
مجلة 24 ساعة

