محمد محمود عبد الرحيم باحث اقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع
لا تستطيع مجرد مقالة بحث أسباب ندرة حصول الدول العربية على جائزة نوبل، بلا شك جائزة نوبل تعتبر الجائزة العلمية الأشهر والأهم في العالم، وهو ما يوضح إصرار الرئيس ترامب في الحصول عليها على سبيل المثال، ولكن بالنظر إلى الأرقام نجد أن وجود العرب في جائزة نوبل نادر وفي كل المجالات، وبالنظر إلى آليات الترشح لهذه الجائزة نجد أن الترشح يعتبر «شبه سري» وهو ما يفتح الباب أمام شفافية الاختيارات.
ولذلك أعتقد أن منظومة الحصول على الجائزة يجب النظر في تعديلها في أقرب فرصة، وهذه هي رؤيتي الشخصية والتي قد تتحمل الصواب أو الخطأ، حيث يمكن أن يقتصر النظام الجديد على نظام النقاط وترشيحات أفضل 1000 جامعة في العالم على سبيل المثال، مع وضع ترشيحات أخرى من خلال صحفيين أو شخصيات عامة موثوق بها من كل بلد في العالم بمعايير ثابتة وتراعي تمثيل جميع البلاد في العالم.
وهناك اتجاه آخر يتمثل في استحداث جائزة بديلة ويمكن للعالم العربي احتضان هذه الجائزة، على أن تكون جائزة عالمية لجميع العلماء في العالم وليس للعرب فقط، عدم حصول الكثير العلماء العرب على الكثير من جوائز نوبل لا يعني قصور العقل العربي، إلا أن غياب العالم العربي عنها له عدة أسباب منطقية تخص البيئة العربية وأسباب أخرى يمكن وصفها أنها خارج إطار الإرادة العربية، والأمر لا يقتصر على العالم العربي فقط، بل يمتد إلى الهند والصين أيضاً، وتختلف أرقام الحاصلين على الجائزة نظراً لازدواج الجنسية، ولكن المؤكد أن عدداً قليلاً جداً حصل على الجائزة لا يتخطى 12 شخصاً صينياً و13 شخصاً هندياً وفقاً لكثير من التقديرات، صحيح أن هناك الكثير من التحديات البحثية الهيكلية في هذه المناطق، ولكن هناك آراء كثيرة تتحدث عن أن هناك فئة تحتكر الترشح والفوز بنوبل، فهناك علماء مصريون وعرب في الخارج وقدموا للعلم الكثير.
على سبيل المثال لا الحصر الدكتور مصطفى مشرفة (1898–1950) واحد من أبرز علماء الفيزياء في مصر والعالم العربي، واشتهر «بأينشتاين العرب»، وكان من أوائل العلماء الذين عملوا على النسبية وأسس ميكانيكا الكم في العالم العربي، ورغم إنجازاته لم يحصل على جائزة نوبل، والمناضل الهندي غاندي رُشِّح للجائزة عدة مرات (على الأقل 5 مرات بين 1937 و1948) ولم يحصل عليها، قائمة طويلة من المبدعين والعلماء يمكن ذكرها لعدم حصولها على الجائزة، ولكن العامل المشترك بينهم هو عدم شفافية الاختيارات في كثير من المناسبات.
نوبل في المجالات العلمية
جائزة نوبل في الفيزياء على سبيل المثال لا يستطيع أي عالم التقديم للفوز بها، بل يتم ترشيح اسمه من قبل أشخاص سريين لمدة خمسين عاماً، وذلك لضمان الشفافية حيث يختارون الأكفاء والمؤهلين للترشح، ويتمتع بالحق في تقديم المقترحات الخاصة بمنح جائزة نوبل في الفيزياء حيث تتم من خلال إرسال استمارات الترشيح، حيث ترسل لجنة نوبل استمارات سرية إلى نحو 3000 شخص منهم أساتذة مختارون في جامعات حول العالم، وفائزون بجائزة نوبل في الفيزياء والكيمياء، وأعضاء الأكاديمية الملكية وهي منظومة مستقلة شبه حكومية تعمل على تشجيع العلوم والابتكار، والأهم أن الأكاديمية هي المسؤولة بالتنسيق مع جهات أخرى عن جائزة نوبل، حيث تقوم لجان بتوزيع جوائز نوبل في الفيزياء والكيمياء والعلوم الاقتصادية، معهد كارولنسكا هو جامعة طبية سويدية مقرها في بلدية سولنا، ستوكهولم وتعد من أهم مراكز الأبحاث الطبية في أوروبا، ومن خلال جمعية مستقلة هي جمعية نوبل في معهد كارولينسكا وتتكون الجمعية من خمسين بروفيسور في الأقسام الطبية مرشحين من قبل أعضاء هيئة التدريس والجمعية هي منظمة خاصة لا تتبع معهد كارولينسكا، تتم عملية الترشيح النهائية من قبل 5 أشخاص، أما اختيار الفائز النهائي فيكون من قبل الجمعية وبذلك جائزة نوبل للطب تكون بالتعاون مع لجنة التحكيم ولجنة مستقلة داخل معهد كارولنسكا، بالإضافة إلى الأكاديمية السويدية.
نوبل في الاقتصاد
كما أن جائزة نوبل في الاقتصاد تحت رعاية البنك المركزي السويدي وليست من ضمن وصية نوبل الأصلية، ويتم الاختيار وفقاً لنفس الإجراءات في اختيارات المجالات الأصلية للجائزة بداية جائزة نوبل في الاقتصاد كان عام 1968 في الذكرى السنوية الثلاثمئة لتأسيس البنك المركزي السويدي، كما أنه تقرر عدم إضافة أي مجال مرة أخرى للجائزة.
نوبل للسلام
جائزة نوبل للسلام من أكثر الفروع إثارة للجدل، وغالباً ما تُثار حولها شكوك واعتراضات، فاختيارات لجنة نوبل للسلام تُدار من البرلمان النرويجي وهو ما يجعلها أكثر ارتباطاً بالسياسة من باقي لجان نوبل التي ترتبط بأكاديميات علمية.
العرب ونوبل
صحيح أن الوجود العربي في الفوز بنوبل ضعيف للغاية، ولمصر دور ريادي عربي في الفوز بالجائزة، فهي الدولة العربية الوحيدة التي حصلت على جائزة نوبل في سنوات ومجالات مختلفة تعكس الدور المصري الحضاري في المنطقة، كما يلاحظ أن هناك حضوراً كبيراً لمزدوجي الجنسية.
فوز العالم العربي عمر مُؤنس ياغي هذا العام بجائزة نوبل في الكيمياء وهو باحث أردني من أصل فلسطيني، لعائلة فلسطينية نزحت من يافا إلى الأردن بعد النكبة عام 1948 ويحمل الجنسية السعودية والأميركية، فتح باب الأمل نحو حراك علمي عربي، وهنا يبرز السؤال المهم: هل الأوضاع العلمية في العالم العربي تسمح بإنتاج باحثين من جامعات عربية للحصول على الجائزة؟!
والإجابة -وبكل موضوعية- أنه من الصعب أن يحدث نتيجة لعدة عوامل، أهمها عدم وجود إرادة سياسية حقيقية للاهتمام بالعلم والعلماء، بالإضافة إلى مدى تدهور التعليم في العالم العربي، وغياب واضح لتمويل البحث العلمي وعدم ربط التعليم بسوق العمل وكل هذه العوامل تقلل من فرص الجامعات العربية في المنافسة للحصول على نوبل، والحل يكمن في أنه لا بد من استراتيجية لتطوير التعليم والبحث العلمي في العالم العربي ينتج عنها جامعات عربية بين أفضل الجامعات في العالم مع نظام منح دراسية وبعثات في كبرى الجامعات لتعظيم الاستفادة من الكوادر، فمن حق الباحثين في العالم العربي الحلم بالحصول على جائزة نوبل ويحق لنا أيضاً الحلم بإطلاق جائزة علمية عالمية بمعايير ثابتة وتراعي تمثيل جميع البلاد في العالم بشكل شفاف.